الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مصر وتونس .. لتصحيح المسار قبل فوات الأوان

مصر وتونس .. لتصحيح المسار قبل فوات الأوان

في تونس ومصر أصبح الموقف بعد انتصار الثورة حرجا جدا، فالفرصة ذهبية ونادرة والبلاد لن تظل طويلا تتأرجح بين منزلتين: فإما أن ترتقي إلى ديمقراطية حقيقية محصنة ضد الاستبداد أو ترتكس إلى شكل من الدكتاتورية بطريقة أو بأخرى، كما تؤكد الفترات الانتقالية التي تلت الاستقلال أو تلت بعض الانقلابات مثل انقلاب 52 في مصر، وانقلاب 87 في تونس، وانقلاب 89 في السودان، وكما حصل بعد الثورات التي أطاحت بالشيوعية.

قطعا لن يعاد إنتاج أنظمة كالتي أسقطتها الثورة، ولكن البلاد قد تتدحرج نحو الاستبداد إما بسبب غياب التوازن في الحياة السياسية (وكل سلطة تسعى إلى أن تصبح مطلقة وأبدية إلا أن تُردع)، أو بسبب طول حالة السيولة التي تدفع المواطنين إلى التطلع إلى الاستقرار بأي ثمن ووسيلة، كما تمخضت فترة الاضطراب التي نجمت عن الفتنة الكبرى عن تسلط الأمويين بتزكية العلماء وقبول عموم الناس ثم شُرِّع لإمارة المتغلِّب. 

قامت الثورة بلا مشروع ولا قيادة ثم انتشى أصحابها بالحرية أو بالسلطة وتنازعوا، ففتحوا ثغرات لخطط المعوقين والمتآمرين بل وانخرطوا في تنفيذها بوعي أو غير وعي (فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم)، في حين استفاقت الأطراف المتضررة أو المهددة بالثورة بسرعة وبدأت تعمل من أجل تجويف الثورة أو إنهاكها أو احتوائها أو إفشالها بحيث تتمخض عاجلا أم آجلا عن دكتاتورية جديدة يفضّل عرّابوها أن تكون أقل قبحا وخشونة وفسادا حتى لا تكون عبئا ثقيلا عليهم.

رًسمت للثورات مسارات مختلفة تؤدي كلها إلى إعادة إنتاج المنظومة السابقة (وليس بالضرورة النظام السابق) والمتمثلة في سلطة مهيمنة في الداخل متعاونة (حتى لا نقول متواطئة) مع الخارج تحفظ الاستقرار والمصالح مقابل غطاء سياسي ودعم اقتصادي، أي أن تبقى البلاد في دائرة النفوذ والمصالح وتبقى خيوط اللعبة بأيد خارجية، ولا يهم أصحاب النفوذ والمصالح من يحقق مرادهم ولا كيف، ولا يعبؤون بالتفاصيل التي لا تؤثر على المسار.

هذا المخطط المحكم يقابل بالتجاهل والارتجال والتخبط والفرقة والأماني والعنتريات، أو بتعليق العجز والفشل على المؤامرات وطبيعة الثورات، بل وينفذ بأيدي ضحاياه كل بطريقته ولغاية في نفسه.              

فمن يسعى للهيمنة ومن ينشر الفوضى ومن يزرع الفتنة والفرقة ومن يخرّب ومن يمارس العنف اللفظي والجسدي أو الإقصاء أو التحريض أو التبكيت ومن يكفّر أو يخوّن أو يشيطن الآخر، ومن يفرّط في المصلحة الوطنية سذاجة أو انتهازية أو تحزّبا، كل من يفعل ذلك (أيا كانت دوافعه ونواياه) منخرط في دفع البلاد بالاتجاه المرسوم. ولولا الفرملة التي قام بها بعض القوى الشبابية الذين صنعوا الثورة ثم هُمّشوا لقضي الأمر خاصة في مصر واليمن.

لقد كانت الحركة الإسلامية مرشحة أكثر من غيرها لقيادة الثورة واحتضان قواها والحفاظ على زخمها وصبغتها الوطنية. كان عليها أن تنتقل من حزب ينافس على السلطة معتمدا على قوة التنظيم وضعف الخصوم إلى تيار وطني جامع حول مشروع وطني طموح ومعتمدا على أطروحاته ومصداقيته وحرصه على الوطن والناس ثم مراهنا على الشعب والإنجازات، مع فصل صارم بين السياسة والدعوة. ولكن تلك النقلة لم تحدث، وفقدت الحركة زمام المبادرة واستدرجت لمعارك جانبية ومكاسب صغيرة وعابرة، وبدت وكأنها أقدر على الرفض والمعارضة منها على القيادة والمبادرة.

لم تكن الحركة مستعدة لا بالخطط ولا بالكوادر لما ورثته من تركة وواجهته من أوضاع معقدة وتعويق، فمشروعها تجمد فكريا وإستراتيجيا طيلة عقود القمع والتهميش التي حولت الحركة إلى تنظيم بلا مشروع يصارع من أجل الحكم أو البقاء. وهي لا تملك عصا سحرية، ولكن لا ينتظر منها وقد تقدمت لقيادة البلاد والثورة أقل من الحكمة في التعاطي مع الواقع ووضع البلاد على الطريق الصحيح، وأداء يتميز بالشفافية والحزم ونكران الذات والحرص على الناس وتقديم المصلحة الوطنية، ثم بعد ذلك لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها، والوقت جزء من العلاج.

بدأ المسار الخاطئ عندما انتشى الشعب بالانتصار وتصارعت الأحزاب على الغنائم قبل الأوان. فبمجرد التخلص من رأس النظام ترك الثوار الميادين واندفع السياسيون نحو السلطة، مما يذكر بمعركة أحد التي تحول فيها النصر إلى هزيمة عندما ترك الرماة معاقلهم واندفعوا نحو الغنائم قبل نهاية المعركة.

ثم جاءت القراءة الخاطئة لحصيلة الانتخابات، إذ إن الشعب لم ينتخب النهضة أو الإخوان لينشغلوا بالسلطة (الانتقالية) ومتاهاتها بل ليقودوا الثورة وليديروا عملية الانتقال الديمقراطي التي لا تنجح إلا بالتوافق إذ إنها تتعلق ببناء نظام سياسي جديد ووضع القوانين المنظمة للمنافسة، وكل ذلك لا ينبغي أن يخضع لحسابات الأغلبية والأقلية المتقلبة.

كان المطلوب وضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار والحفاظ على الوحدة الوطنية مهما كان الثمن، وتأجيل التنافس الحزبي على السلطة إلى حد نهاية المرحلة الانتقالية وقيام النظام السياسي الجديد. وفي المقابل كان الأولى إيكال مهمة تصريف الأعمال إلى كفاءات وطنية مستقلة نزيهة بلا طموحات سياسية (وهم كثر داخل البلاد وخارجها)، وذلك من أجل الفصل بين تصريف الأعمال والانتقال الديمقراطي وبالتالي حماية مصالح الناس وأمنهم واسقرارهم من التجاذبات السياسية والحسابات الانتخابية، وإنجاز دستور توافقي بأسرع وقت وفي ظل أكبر قدر من الاستقرار.

لم تقاوم الأحزاب إغراء السلطة وتسابقت لترث الحزب المخلوع وتركته الثقيلة، فلم يكن ممكنا لحزب الأغلبية أن يقود الثورة وينافس على السلطة في آن واحد، ولا أن يجمع بين إدارة التحول الديمقراطي وتصريف الأعمال (ولذلك تعثر المساران)، خاصة وأنه كان منهمكا في ترتيب بيته للتأقلم مع الأوضاع الجديدة.

لقد كان الاندفاع نحو السلطة والتصدي للمهام الثلاثة الضخمة مجتمعة خطأ إستراتيجيا فادحا انعكس سلبا على البلاد والثورة والمواطن والتوافق وعلى حزب الأغلبية نفسه الذي فقد الكثير من تميزه، بل واهتزت صورته وشعبيته حتى أصبح يقارن بالحزب المخلوع ويتهم بالاستئثار بالسلطة واعتماد منطق الغنيمة.

وزاد الطين بلة الأسلوب غير الموفق الذي تشكلت به الحكومة الانتقالية فجاءت ضعيفة غير متجانسة بلا برنامج واضح وواقعي، فلا هي حكومة وحدة وطنية ولا هي حكومة كفاءات، وتذبذب أداؤها بين الإصلاحات وتصريف الأعمال وبين المحاسبة والمصالحة فكانت الحصيلة هزيلة على كل الجبهات، فلا الأوضاع تحسنت ولا البلاد تقدمت نحو أهداف الثورة من تنمية وتشغيل وعدالة اجتماعية.

ففي مصر هنالك شبه إجماع على أن اختيار قنديل لرئاسة الحكومة كان غير موفق. وفي تونس تشكلت الحكومة بل والنظام السياسي المؤقت برمته بطريقة تضمن الفشل: رئيس بلا صلاحيات، ورئيس حكومة مرؤوس في حزبه (في سابقة سياسية ومخالفة لمبدأ تناسب الصلاحيات والسؤوليات)، وحكومة محاصة حزبية لم يشكلها رئيس الحكومة بل عين كل حزب وزراءه، وبرلمان رئيسه ليس من حزب الأغلبية ومهامه غير واضحة باستثناء مهمة كتابة الدستور التي لم ينجزها بعد، فتداخلت الصلاحيات والمسؤوليات بصورة خطيرة، وتنازعت السلطة والقرار أقطاب مختلفة في الحكومة وفي الأحزاب الحاكمة، فأصيبت الحياة السياسة بالشلل، وظلت ملفات حارقة بلا حسم، واحتقنت الأجواء، وبلغ العجز درجة أن موعدا للانتخابات لم يحدد وتحويرا وزاريا تطلب عدة أشهر دون أن ينجز، مما كشف أزمة رؤية وثقة وصناعة قرار. 

اندفاع الأحزاب الإسلامية نحو السلطة لا يستغرب باعتبار طول سنين القمع والتهميش وهاجس العودة للسجون والمنافي، وربما ضمن للحركة تأمينا سريعا ولكن بثمن باهظ. وكان أجدر بالحركة وأضمن لها أن تركز على إنجاح الثورة والانتقال الديمقراطي وتراهن على الشعب وليس على السلطة.

في تونس أضرت السلطة بجميع مكونات الترويكا الحاكمة. فحزبا المؤتمر والتكتل تصدعا وتآكلا وانعزلا سياسيا وشعبيا. أما النهضة فأنهكت واستنزفت جهودها ورصيدها في تصريف الأعمال وصيانة الترويكا وإسناد حكومة محكومة بالفشل وتسويق خيارات غير مقنعة، فأصبحت هدفا سهلا لمعارضيها الذين لم يألونها خبالا واتخذوا من الإعلام والشارع سبيلا للضغط والإحراج مدفوعين بخصومات أيديولوجية وحسابات انتخابية أو باستفزازات مجانية ومستغلين ضعف أداء الترويكا وتردي الأوضاع، فتهيأت الفرصة لصعود أطراف محسوبة على التجمع المخلوع وتكتلها، وتوسع مجال المناورة والمؤامرة للقوى الإقليمية والدولية لاحتواء الثورة وترويض الإسلاميين. ولقد نجح الإخوان والنهضة في صناعة الكثير من الأعداء في الداخل وتوحيدهم، وبعض هؤلاء وجد نفسه في خندق واحد مع الفلول، ولولا جاذبية المناصب لكانت العزلة أشد. 

الاندفاع نحو السلطة والمراهنة عليها والتشبث بها اقتضى أولا تقديم وعود انتخابية سخية رفعت سقف التوقعات التي انقلبت إلى مطالب وتحركات اجتماعية استغلت لأغراض سياسية، وثانيا عدم مصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع والبحث عن مسكنات وحلول ترقيعية بدل التركيز على وضع البلاد على طريق الإصلاحات والطموحات الكبرى التي قامت من أجلها الثورة، فقاد هذا المسار الخاطئ إلى المراهنة على الخارج من أجل الحصول على القروض والمساعدات والدعم السياسي مما يعني استمرارية مخيّبة للسياسات الاقتصادية والخارجية وضربة قوية للثورة التي قامت ضد منظومة تمثل التبعية أحد ركائزها الأساسية. 

ساد الارتباك والتخبط كما تجلى ذلك في مصر في أداء الحكومة والرئاسة وتجلى في تونس في تعثر استحقاقات المرحلة الانتقالية وفي التعاطي مع الظاهرة السلفية ومع رابطة حماية الثورة ومع بقايا التجمع المخلوع، وأخيرا مع مسألة التحوير الوزاري، ولقد ساهم الشلل السياسي والمناكفات الحزبية في زيادة منسوب القلق لدى المواطن الذي أرهقه غياب الاستقرار وارتفاع الأسعار وغموض المسار، وأصبح يتساءل من يقود البلاد وإلى أين؟ فخابت الآمال وتواضعت الطموحات، وظل الاهتمام بالسياسة كبيرا ولكنه سطحي وسلبي: سياسة ليس بالمعنى الوطني العملي الذي يناقش المسائل بموضوعية ويركز على مصلحة الوطن ودور المواطن، ولكن بالمعنى الشخصي القبلي الذي يركز على الأشخاص (مع من وضد من) والأحزاب (انصر قبيلتك ظالمة أو مظلومة)، وتشابهت إلى حد كبير نقاشات السياسة مع نقاشات كرة القدم، فلا يكاد يميزهما إلا أسماء اللاعبين والفرق والسياسيين والأحزاب، كل ذلك بينما الخطاب الرسمي غارق في الإنكار والتبرير وأحلام اليقظة.

وحتى المبادرات العملية للخروج من الأزمة ولتصحيح مسار وتغيير حكومة ثبت فشلهما تقابل بالصدود والحجج الضعيفة، والإصرار على مقاربة المحاصة الحزبية التي أفشلت الحكومة الأولى وعجزت عن تحويرها (وداوني بالتي كانت هي الداء)، فاتهمت الحركة بالتشبث بالسلطة وعرقلة التوافق وتغليب المصالح الحزبية والاعتبارات التنظيمية.

نجحت النهضة في إفشال مبادرة أمينها العام ولكن بأي ثمن؟ وإلى متى سيتحمل رصيد الحركة مزيدا من السحب من دون إضافة؟ وهل أصبح التنظيم لا يتسع إلا للكوادر الحزبية التي لا تقدر على شيء خارج التنظيم ومن دون إسناده ويضيق بها إذا تحولت إلى قيادات شعبية ووطنية؟ وهل كل مرة ستسلم الجرة؟

لا مفر من تصحيح المسار قبل فوات الأوان من أجل أن تشق البلاد طريقها للنهضة في حقل الألغام الإقليمية والدولية والمحلية بأقل التكاليف.

المشكلة التي تواجه الحركة تكمن في عدم وضوح الرؤية وتباين القناعات داخل تنظيم واحد حيث اجتمع أعضاء الحركة حول شعارات ومبادئ إسلامية عامة وليس على مشروع إصلاحي واضح وإستراتيجية محددة لتحقيقه: وحدة متكلفة ومكلفة تستنزف الجهود وتحول دون الوضوح والحسم (حتى في القضايا الجوهرية) فتكثر الاجتماعات وتُعوّم المسائل وتتعسّر القرارات وتتأخر المواقف وتأتي غامضة ومزدوجة. فأصبح التنظيم بالنسبة للحركة أكبر رصيد وأكبر عقبة في آن واحد، فحجم التنظيم يعطي الحركة أسبقية في الحشد الميداني والانتخابي وتناقض القناعات وضبابية الرؤية يعيق التقدم بأي اتجاه.

تحتاج الحركة إلى تقييم شامل للمسيرة ومراجعات عميقة وإعادة صياغة المشروع بوضوح لا لبس فيه فيجتمع من يجتمع على بينة ويفترق من يفترق على بينة، أي تأسيس ثان. فالواقع اختلف كثيرا عن زمن التأسيس الأول وكذلك الأهداف، وعدد من المرتكزات التي قامت عليها الحركة إما نجحت في تحقيقها أو تخلت عنها، واتسع الخرق على الراقع. ومن المنتظر أن تحدث هذه العملية تغييرات كبيرة في المشروع والإستراتيجية والهيكلية، وقد تفرز تعددية تنظيمية للإسلام السياسي كما هو الحال في مصر، وكما هو الحال في المغرب حيث التعددية التنظيمية والتخصص الوظيفي.

على الحركة أن تتخلى عن المركزية المفرطة في المهام والقرار، وأن توازن بين ملاحقة التطورات والمناشط اليومية والميدانية وبين التكوين والتخطيط وتحديث الهيكلة والتنظيم (باتجاه تمثيل وتفويض ونجاعة أكبر)، وبين الواجهة والمضمون، والاعتماد أكثر على إحكام النظم والسياسات من النشاطات والاجتماعات. مطلوب أيضا الحذر حتى لا تؤتى الحركة من أمراض السلطة والتمكين كالتملق والعجب والكبر والترف والتنازع.

ما لم تجدد الحركة نفسها قبل فوات الأوان، قد تجد نفسها مضطرة لعملية جراحية على الطريقة التركية. ومن دون تجديد يخشى أن يصبح التنظيم عبئا على المشروع وتتحول الحركة الإسلامية إلى مشروع حكم من أجل الحكم فتنزلق إلى الاستبداد وتسير على درب الأحزاب التي حكمت بعد الاستقلال فيصيبها ما أصابهم، وذلك كابوس نأمل ألا يتحقق. 

المصدر:الجزيرة نت

-- سهيل الغنوشي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*