الأحد , 4 ديسمبر 2016

شكراً لتعاونك الطيب

لا يستطيع أحد منا التخلي عن ذاته الحقيقية، ولا حتى الانسلاخ من ثوابته السوية، ولا حتى المرور على النواقص من الأقوال والأفعال والآفات دون وقوف أو تأمل بتغيير لها أو حتى بما تستهدفه من كائنات وزوايا متعددة ومتنوعة. 

إن المفهوم الحقيقي لمعنى الشكر والثناء ليس سوى بوابة ثقب يتجلى قدرها في براعة الدخول إليها، فالمجتمعات اعتادت على الشكر لأبسط الأمور، والحب في الله طعم لا يُحسن تذوقه أي أحد. 

دائماً نكترث بمستويات الاحترام التي نشهدها بين الأب وأولاده والموظفين ومرؤوسيهم و…. ولا نُلقي بالاً للمقولة المعروفة (بتعاملك تصنع المستوى المطلوب من الاحترام). 

إن ما رأيته من واقع التجارب والقصص الحقيقية ما هو إلا ترسيخ لهذا الشيء. هذا بالطبع مع قبولنا الكلي لحقوق الوالدين، والتسلسل الهرمي في أي منشأة حكومية كانت أو خاصة أو خيرية. 

إن ما تصنعه الابتسامة في النفوس من الود والحب والوفاء والاحترام والتقدير أمر قد يجهله الكثير ولا يغيب عن القليل، فالذات البشرية فُطرت واعتادت على الارتياح للشخص البشوش المبتسم بغض النظر عن دينه أو عقيدته أو شكله أو لونه، وهذا ما يجعل الكثير من الأشخاص يُعانون من فقد هذه الابتسامة ليس في محيط المنزل أو العمل أو الشارع فحسب، بل حتى بينه وبين نفسه، ولا أنسى أن أُذكّر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة). 

نعم إن التبسم مفتاح الدخول إلى القلوب، وأساس الارتياح بين النفوس، ونقطة الأمان التي يتلقاها أحدهم من المبتسم، فالابتسامة تُنسي الألم، وتعطي الأمل، وتبعث الطمأنينة، وتزرع بذرة الحب والوفاق. 

إن الحقيقة شمس لا يمنع شروقها أي أحد، ولا يصنعها أي أحد، ولا يرسمها أي أحد، بل تتجلى لتأتي بها الأيام على طبق من تراب، لتقول للجميع أنا هنا حقيقة حقيقية، حقت لي الدنيا أن أظهر على طيف برَّاق لأكون شمساً يراني الجميع بكل وضوح. وكل ما نعايش من الزيف لا بد أن يتناثر قبل بزوغ الحقيقية وإلا فحينها نصنع واقعاً هرِماً هشاً ما يلبث أن يكون كالفتات المتطاير بالنسمات. 

فالوقوف على شروق الشمس وغروبها والتأمل بذلك يرى فيها العبد ذاته أين هي من الإيمان ليكون حقيقياً مع نفسه، صادقاً بذاته، قوياً بأفكاره، لا يرى إلا الحقيقة الحقيقية. 

إن ما يحتاجه العالم من حولنا هو القدر العالي من التعاون الذي يفتقده الجميع، فالقلوب تحيا بذكر الله عزَّ وجلَّ، ولا سبيل للعيش الهانئ السوي إلا بطاعة الله عزَّ وجلَّ ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالسعادة التي ينشدها الجميع لا تتحقق إلا بالعقيدة السوية، والرضا سبيل الهناء، والقناعة كنز هنيئاً لمن حظي به، والإحسان للآخرين فقه قلَّ مدركوه. 

يحتاج الجميع للقدر الكافي من التعاون في كل أمور الحياة، لا إن كان ذلك في سبيل الطاعة والعبادة ولا حتى في المنزل والعمل بل وكل أطياف الحياة. 

إن ما نفتقده من حولنا هو القدر الكافي من التعاون فيما بين الأفراد حتى على سبيل الذات. فأصبحت المصالح التي يقوم عليها التعاون هي أول ما ينظر إليه الشخص المعاون، فإن لم يكن لهذا التعاون أي مصلحة شخصية حينها تجده يأبه عن هذا التعاون ليأتي معتذراً عن مساعدتك أو دعمك، وقد تكون أنت المحتاج إلى هذا التعاون، أعلم بظروف المحيط الذي أنت وهو فيه أو أعلم بالقوانين والتشريعات التي تحكم سير ما تحتاجه. 

استخدمت عبارة جديدة وأصبحت أرددها مراراً وتكراراً على الأشخاص الذين يمتنعون عن تقديم أدنى حق من التعاون المناط بهم بشكل رسمي، وبطبيعتي لا أحب التذمر أو الاستياء من أي عمل أو حتى التدخل في الخصوصيات أو حتى إبلاغ الرئيس بتقصير المرؤوس سواء كان ذلك في المؤسسات الحكومية أو الخاصة أو الخيرية حتى المحال التجارية، كون هذا الأمر يتكرر مع أي شخص يسعى لتسيير أمور حياته اليومية. 

فحين يحدث التقصير أو عدم التعاون لا أجادل ولا أناقش، بل أبادره حال انتهائه من الاعتذار بثلاث كلمات تصحبها ابتسامة لطيفة قائلاً: (شكراً لتعاونك الطيب). 

صحيح أني سأخسر هذه الخدمة أو هذا التعاون الذي أحتاجه، ولكني سأصنع في الجهة المقابلة شعوراً بالرغبة في التعاون بشكل مختلف وقوي عن السابق، وغالباً ما ينجح هذا الأسلوب مع الكثير. وهذا ليس بتحايل ولا حتى خداع ولكنه مفتاح للدخول إلى بعض النفوس المنغلقة وليست المغلقة. 

رافقني أحد الإخوة الزملاء إلى إحدى المؤسسات، ومن الطبيعي والمفترض أن أحتاج إلى التعاون لتتسير أموري، حينها فاجأني أحدهم برفضه التعاون معلي – مع أن هذا عمله المناط به – وقد يكون ذلك الشخص مشغولاً أو سيئ المزاج – ليس هذا مهماً – لم أناقشه، اكتفيت بقول عبارتي المعتادة (شكراً لتعاونك الطيب)، واعتذرت منه لإزعاجي له وانصرفت، فما أن خطوت خطوات معدودة حتى دعاني واعتذر مني وأنجز لي ما أريد بكل صدر رحب، تشكرت منه ودعوت له وانصرفت. 

بعد خروجي من هذه المؤسسة قال لي صاحبي إن الأسلوب الذي يرافق عبارة (شكراً لتعاونك الطيب) يحمل شيئاً من عدم الرضا عما يحدث أو حتى عن هذا التصرف، لذا أنت تقوله وقد تقصد من ورائه توجيه عبارة أخرى تتورع عن نطقها صراحة كـ(لا بارك الله فيك). و(الله لا يعطيك العافية). 

قد يكون صاحبي محقاً، إذاً ما الذي يجعل الجميع يقفون وراء الجميل واللطيف من الأمور ويعبرون بسرعة عند البائس والبغيض منها. فلو افترضنا صحة تفسير صاحبي للموقف لقلنا لكل من الصين وروسيا وإيران ومجلس الأمن وجامعة الدول العربية شكراً لتعاونكم الطيب. لأن ما يحدث في سوريا يحتاج منا أن نقف للصين وروسيا وإيران ومجلس الأمن وجامعة الدول العربية ونرفع قبعاتنا احتراماً وشكراً لها ولا نكتفي بعبارة شكراً لتعاونكم الطيب فقط. أنا لست سياسياً، ولكن الأمر لا يحتاج إلى سياسة مع احترامي وتقديري لكل السياسيين. 

m.m.d.2007@hotmail.com 

———————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- محمد الدعاس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*