الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » دول الثورات وورطة الرئاسة

دول الثورات وورطة الرئاسة

تعيش مصر وتونس لحظات عصيبة لا يمكن التكهن بالمآل الذي ستنتهي إليه التجربة الحالية في بلاد “الثورة”. وكمعظم الثورات ، لم تنج الثورة في مصر وتونس من التقلبات ، حتى وهي في مهدها . وكان أمرا طبيعيا ، بله حتميا بالنسبة لكل ثورة تفتقد القيادة المتبصرة  أن تعيش لحظة التيه بعد إسقاط النظام . 

فالثورة العمياء تحسن التدمير لكن تفشل في البناء . فهي تعرف النظام المقصود بالتدمير شكلا وصورة ، لكنها متنافرة حول معالم  النظام البديل . 

جميع الثوار وحدوا جهودهم ضد نظام مبارك ورموزه ، فتخلوا عن قناعاتهم الإيديولوجية ومشاربهم الفكرية. وتلك كانت خطيئة الثوار الذين جعلوا كل همّهم إسقاط النظام ومحاكمة رموزه ،دون الانتباه إلى أن من سلموه القياد  التحق بالثورة ورَكِبها ؛كما غاب عن وعيهم أن من لم يفجّر الثورة  سيسهل عليه  تحريفها ، ومن ثم  سرقتها . لهذا كانت غلبة العاطفة على الثوار ونشوتهم بإسقاط النظام مصدر اطمئنان إلى أن الحليف الإسلامي الذي نال حظه من بطش النظام  وعانى من الإقصاء ، سيكون خير سند لبناء نظام بديل يضمن للجميع كرامتهم ويفتح أمامهم آفاق الحرية والديمقراطية . وقد غذى هذا الاطمئنان حسن الظن بالمحيط الإقليمي وإعلان بعض دوله عن الدعم اللامشروط للتجربة الوليدة . 

كما أن الشعارات التي رفعها الإخوان في مصر وحتى تونس ، كانت تغري بالمشاركة بدل المغالبة ، وبالتوافق بدل الصراع بين كل القوى السياسية باستثناء بقايا النظام المنهار المصنفون بـ “الفلول” . 

وهاهي مجريات الأحداث تثبت أن حسن النية لا يكفي لإنجاح الثورة ، وأن من الحزم سوء الظن . ذلك أن نجاح الثورة لا يقاس بإسقاط النظام ، وإنما بمدى التزام النظام البديل بأهداف الثورة وشعارات الثوار ومطالبهم . وفي التجربة المصرية والتونسية معا لا خلاف بين الشعارات والمطالب الموحدة حول الديمقراطية والحرية والكرامة . 

ولو أن الثوار أصاغوا  السمع  لخلفيات النقاش حول الطبيعة الدينية أو المدنية للدولة ما بعد سقوط النظام ، لأدركوا أن الحليف الإسلامي له مشروعه وخططه وتكتيكاته تختلف جذريا مع مشروع القوى الثائرة وبقية الأطراف السياسية والمدنية  . 

فالثورة قامت ضد الأنظمة الشمولية  لإسقاطها وليس لإقامة أنظمة أشد استبدادا وتغولا منها . ومن إيجابيات التجربة الحالية في مصر وتونس أنها كشفت عن التالي : 

1 ـ زيف شعارات الإخوان حول الديمقراطية والمشاركة والحرية . وقد اتضح هذا لما أخلف الإخوان وعودهم بعدم الترشح للرئاسة في مصر فرشحوا ، ولما أصدر الرئيس مرسي إعلانه الدستوري يحصنه من كل مساءلة أو متابعة . ثم نكثوا وعدهم بالمشاركة لما فرضوا المغالبة  على بقية المنافسين : في انتخاب اللجنة التأسيسية ، وفي صياغة  الدستور  وتمريره ، وفي تحديد موعد الانتخابات التشريعية ووضع القوانين المنظمة لها الخ. 

2 ـ هيمنة الإخوان على السلطة والدولة بشكل أفظع وأخطر مما فعل النظام المنهار . فبعد فرض دستور “مسلوق” وسحل المواطنين في الشارع ، وتعذيب الثوار وقتلهم في الشارع مثلما فعل مبارك وأفظع . كل همهم أخونة الدولة والمحافظة على السلطة . وهذا يذكرنا بالحوار بين ونستون وأوبراين في رواية 1984 حين قال أوبراين لونستون الذي تحت التعذيب ( إننا ندرك أنه ما من أحد  يمسك بزمام السلطة وهو ينوي التخلي عنها . 

إن السلطة ليست وسيلة بل غاية . المرء لا يقيم حكما استبداديا لحماية الثورة ، وإنما يشعل الثورة لإقامة الحكم الاستبدادي ) . وكذلك هو حال الإخوان في مصر وتونس ، التحقوا بالثورة لإقامة الحكم الاستبدادي . ففي ظرف ثمانية شهور عين مرسي ما لا يقل عن 3000 عضو إخواني في أجهزة الدولة ضمن مخطط الأخونة . 

3 ـ افتقار الإخوان إلى برنامج حكومي متكامل يقدم الحلول للمشاكل التي تتخبط فيها الدولة .فالشعارات لا تحل المشاكل ولا تطعم الجياع . وبدل أن يوحد الإخوان الشعب ويحافظوا على لحمة نسيجه المجتمعي مزقوه طوائف حتى باتت وحدة مصر الترابية مهددة فعليا بالتقسيم كما هي وحدتها المجتمعية . 

فضلا عن حالة الانهيار الاقتصادي التي تكاد تجبر الحكومة إما على تأجير أهراماتها لقطر مقابل 200 مليار دولار لمدة خمس سنوات لتدارك الأزمة وتوفير الرغيف ، أو الرضوخ لإملاءات  الدوائر المالية الدولية ، وفي الحالتين معا مس بالسيادة المصرية على تراثها وقرارها  . 

4 ـ إن مشاكل مصر وتونس هي من التعقيد والصعوبة ما تشفق منها وتنوء بها قوة سياسية أو حزبية واحدة . وقد أدركت حكومة تونس بقيادة النهضة هذه الحقيقة متأخرة إثر اغتيال شكري بلعيد ، وبعد أن وصلت تونس حافة الانهيار، فاضطرت إلى الاستعانة بالتقنوقراط  ؛ بينما حكومة الإخوان في مصر لازالت تكابر وتعاند ولن تدرك الحقيقة إلا بعد أن يتجزأ الوطن إلى دويلات أو تفقد الدولة سيادتها على التاريخ والتراث والقرار والقناة . وصدق حس سائق الطاكسي المصري لما أخبر الصديق والشاعر صلاح الوديع بأن مصر “بازت” . 

لقد سقطت الأقنعة عن الإخوان بعد سقوط الأنظمة التي كانت تضفي باستبدادها مشروعية على شعاراتهم حتى جعلت منهم الأمل الوحيد لإنقاذ الشعوب من الاستبداد والفقر . فهاهم الإخوان يرهنون مصر لجهات خارجية . 

-- خاص بالسكينة: سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*