الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » من ينقذ مصر من مراهقي السياسة ؟

من ينقذ مصر من مراهقي السياسة ؟

عشية الحكم في مذبحة استاد بور سعيد، التي راح ضحيتها 72 من مشجعي النادي الأهلي، كنت في ميدان التحرير. الميدان على بعد 200 متر من مقر الجريدة، لكنها المرة الأولى التي تطأه قدماي منذ شهور. لم أذهب إليه منذ تحول من رمز للثورة إلى منبع للثورة المضادة، وفتحه على مصراعيه لفلول ويتامى وأرامل مبارك، ليحشروا فيه صبيانهم وأرباب السوابق. كل هذا تم تحت نظر وسمع ومباركة ما يسمى بجبهة الإنقاذ. لما وقعت الواقعة، وفاحت روائح فضيحة التحرش والاغتصاب الجماعي في الميدان، لم يملك أعضاء الجبهة رجالا ونساء ذرة خجل في وجوههم، ويعترفون بالمسؤولية عن هذا العار بعدما أعماهم طمع السلطة عن التحالف مع «البلطجية»، ما داموا سيفيدون في المعركة مع «العدو» محمد مرسي، لكنهم ببجاحة يحسدون عليها، اتهموا مرسي والإسلاميين بأنهم وراء الجريمة!

الوجوه في «التحرير» غير الوجوه التي بهرت العالم خلال الـ18 يوما المشهودة التي أطاحت بمبارك وأولاده وخدمه وحشمه. كان هناك كل الأطياف الفكرية والسياسية، يبحثون عما يجمعهم لا ما يفرقهم. مسيحي يصب الماء لمسلم يتوضأ، ومسلمة ترفع الإنجيل بجانب القرآن. الآن وجوه بائسة من ضحايا عصر المخلوع. خليط من باعة جائلين وعواطلية وأطفال شوارع، وجدوا من يتاجر بهم ويستغل حاجتهم لأغراض سياسية ومطامع دنيوية. على المنصة وقف أحدهم بـ «شبشب» وهيئة رثة، يدعو الموجودين في الميدان إلى: عدم اعتراض سيارات الإسعاف عشان تنقل إخوانا الثوار المصابين إلى «المستشفى»، هكذا نطقها، بما يدل على أنه أمي شكلا ومضمونا. وبالقرب من الصينية الوسطى وقف بعض الشباب الذين لا تزيد أعمارهم عن العشرين، يدقون على «طبلة» يغنون ويرقصون، ويسبون الرئيس بأقذع الشتائم، بشكل يكشف عن البيئة العشوائية التي خرجوا منها.

رغم كل هذا فأنا ألتمس لهم العذر، وأتفهم حلم الرئيس محمد مرسي. نحن في فترة عصيبة الحلم فيها شيمة الرجال المحبين فعلا لمصر. بينما هناك سياسيون أفاقون يستغلون بؤس هؤلاء الصبية لتصوير الشارع بأنه في حالة ثورة مستمرة ضد الرئيس، ورجال أعمال يدفعون لهم مقابل الاحتشاد في الميدان والقيام بأعمال عنف، وإعلام فاسد أفاق مضلل، يخلع عليهم لقب ثوار، ومن يلقى حتفه منهم يسميه شهيدا. أحد مهاجمي فندق سميراميس قال: إنه في الميدان منذ فوز مرسي بالرئاسة، يأكل 3 مرات يوميا، ولا يعرف من يدفع حساب هذا الأكل.

لم يتوقف كثيرون عند رواية الرئيس محمد مرسي، في حواره التلفزيوني مع الإعلامي عمرو الليثي. قال: إنه بكى لما عرف حكاية صبي عمره 12 سنة، أمسكوه وهو يرمي زجاجة مولوتوف على الشرطة، ووجدوا في جيبه شهادة ميلاده. لما سألوه في النيابة لماذا فعل هذا، أجاب الصبي إن واحدا أعطى أمه 600 جنيه، مقابل أن يذهب معهم للتظاهر وإلقاء المولوتوف، ولأنه صغير السن ولم يستخرج بطاقة شخصية، فقد وضعت الأم شهادة ميلاده في جيبه حتى يتعرفوا عليه لو مات في المواجهات!!

البعض صمت على الرواية، والبعض الآخر -كعادتهم- اتهموا مرسي باختلاقها، كي يكسب تعاطف الناس ببكائه، ويثير الشارع على «الثوار الأحرار»، رغم أن فريق مهاجمي الرئيس يرون بأم أعينهم أعمار الصبية الذين يتصدرون أعمال الشغب. لكن الجميع استفاق على هول وفاة طفل عمره 7 سنوات فقط، ضمن المواجهات التي وقعت السبت الماضي في محيط كوبري قصر النيل على مدخل الميدان. ثم انفجرت فضيحة ملجأ الأيتام الذي يورد أطفاله ويضخهم في أتون معارك الطامعين في السلطة. والحقيقة أن الدكتور أيمن نور، السياسي الناضج، زعيم حزب «غد الثورة» كشف عن هذه المعلومة قبل وفاة الطفل بيومين. كنت مع بعض الزملاء في منزله مساء الخميس، وروى لنا أن حارس الملجأ يخرج الطفل من هؤلاء مقابل 20 جنيها فقط!!

بعد جولتي في الميدان، والتي خرجت منها بإحباط هائل، ذهبت للقاء بعض الأصدقاء. كالعادة تحدثنا عن المشهد الذي لا يهدأ. قلت إن الأمور تشير إلى أن مصر في انتظار الأسوأ بعد النطق بالحكم خلال ساعات في قضية مذبحة استاد بورسعيد. وقالوا: إن الأمور «هتعدي على خير»، وإن المعارضة وإعلامها تضخم الأمور لإثبات أنها لها شعبية في الشارع. لكن خاب ظنهم، تبين أن النطق بالحكم كان بمثابة ساعة الصفر لبدء عملية إحراق منظمة لعدد من المنشآت. إنها فرصة ذهبية لا يمكن أن يفوتها دعاة التخريب.

السؤال: هل يسقط محمد مرسي بهذه الأفعال؟

الإجابة أن السذج فقط هم من يتصورون، أن سيناريو العنف سيسقط الرئيس الشرعي. إنهم لا يفهمون الواقع كعادتهم، ومرسي لن يترك منصبه قبل انتهاء فترته الرئاسية، لأسباب سبق وذكرتها، وأكرر بعضها اليوم علّ فريق «التخريب» يستوعبها:

أولا: إن حشود المخربين، مهما كان عددها، فهي في النهاية تجمعها المصلحة. إذا انقطعت عنهم «الأجرة اليومية»، فسيعودون إلى بيوتهم، بينما الإسلاميون ليسوا مثل الحزب الوطني «المنحل»، لن يتبخروا في ومضة عين، حيث تجمعهم عقيدة وفكر. و «الإخوان المسلمين» تحديدا التنظيم الأقوى في الشارع المصري طوال 80 عاماً، ولم تستطع كل الأنظمة بما تملكه من أمن مركزي، وأمن دولة ومعتقلات أن تقضي عليه.

ثانيا: لو اعتبرنا أن الشارع المصري، كما يقول الإعلام المضلل إياه، منقسماً حالياً إلى نصفين بين الرئيس ومعارضيه، فهل سيرضى النصف المؤيد أن يلجأ الفريق الآخر إلى إقصائه، بعيداً عن صناديق الاقتراع، التي يدعي من يسمون أنفسهم النخبة إيمانهم العميق بها.

ثالثا: هناك ظروف دولية تمنع سقوط الرئيس الشرعي. فالغرب يدرك أنه لو سدت الأبواب الشرعية أمام التيار الأكبر في الشارع المصري، فسيلجأ للأبواب غير الشرعية. لو منعته من العمل العلني، فلن يكون أمامه سوى العمل السري. وربما يتكرر في مصر سيناريو «جزائر التسعينيات» الدموي الرهيب، ووقتها سيتطاير شرره إلى باقي المنطقة.

رابعا: الرئيس بدأ بالفعل يقود مصر نحو الاستقرار السياسي، وإقرار الدستور، وتسليم السلطة التشريعية لمجلس الشورى، تمهيداً ليتسلمها مجلس النواب المنتخب.

سادساً: أما أهم سبب لبقاء الرئيس، فهو سقوط أقنعة جبهة «الخراب» المسماة زوراً بـ «الإنقاذ»، والتي تحتاج إلى من ينقذها من المراهقة السياسية!

……

العرب القطرية

-- شريف عبدالغني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*