الخميس , 8 ديسمبر 2016

الربيع والخريف

لا تناقض على الإطلاق بين التحريض على الثورة وتمجيد بطولات الثوار والتّرحم عليهم واعتبارهم شهداء الدين والوطن والقيم والعدالة، ولعن ورجم ونبذ وطرد وقذف وتخوين من يثور ويحرق وطنه بتدمير منجزاته وإدخاله في الفوضى! 

أبداً لا تناقض! 

فالثوار الحقيقيون شهداء نبلاء خالدون في ذاكرة التاريخ وسجل أمجاد الأوطان! 

والثوار المخربون الأتباع الرعاع الغوغاء الدهماء العملاء المُقلدون الناقمون لن يكون جزاؤهم إلا اللعنات والصلب في ذاكرة الشرفاء والأوفياء والأجيال على مر الأزمان وتوالي العصور! 

ثمة ثورة مستحقة وواجبة ولا فكاك من حدوثها بعد نضج أسبابها وتراكم ضحايا مظالم الاستبداد والطغيان والخراب وامتهان كرامة الشعوب، واسترخاص قيمة الإنسان بما يحدث من تدمير مدن وقرى ومقابر جماعية وأنهار طافية بالجثث ومعتقلات بمئات الآلاف وحرق وتعذيب بالنار للصغار وللكبار وتشريد ورعب واستئثار طائفة صغيرة بالحديد والنار بمصائر ومقدرات شعوب وأوطان! 

لقد استحقت الثورة ووجبت وتحتّمت حين تكاملت أسبابها ودواعيها في دول اُبتليت بأنظمة عسكرية؛ كسوريا وليبيا واليمن وتونس ومصر، ومارست تلك الأنظمة بمستويات مختلفة وبتفاوت بين نظام وآخر كل أساليب القمع والتهميش والإذلال وامتهان كرامة شعوب تلك الأوطان، فتبوأ طغاة العسكر سدة القيادة المنفردة وكأنهم آلهة مقدسون لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، يأمرون وينهون فيطاعون، وإن كان أمرهم أو نهيهم جهالة وحماقة وعلواً واستكباراً ومظالم وتمكيناً لقيم الشر والانحراف والتخلف في مجتمعاتهم. 

عطّلوا التنمية في بلدانهم وهم لم يبدؤوا بها بعد إلا تطبيلاً إعلامياً فجاً، فعاشت شعوبهم يستأسد بها الفقر والبطالة والمرض، وها هي الصور الفاضحة الكاشفة زيف ماكينة إعلامهم المطبل تكشف كم كانت شعوبهم تعيش في وحل المستنقعات وطفح المجاري وبؤس العشش العشوائية، وتنقلت كاميرات الانتقام الثائرة من تلك المراحل البائسة بين وجوه يغتالها الفقر وتتوشح بالشقاء في سبيل لهاث العيش، واستطاعت لغة الإعلام الجديد بكل أطيافه كشف ما سترَه أو حاول ذلك طغيان أربعة عقود من استبداد تلك الأنظمة. 

وها هو النظام الدموي المستبد في سوريا يتراقص موشكاً على السقوط، وستكشف الكاميرات، وسيقدم التوثيق بالنص والصورة – مستقبلاً – مشاهد لم تحدث في التاريخ البشري كله من قصص الرعب وامتهان الكرامة الإنسانية وحكايات لمئات الآلاف إن لم يكن الملايين، ممن فُقدوا أو دُفنوا أحياء أو شُوهوا أو شُردوا أو فَقدوا عائلاتهم، وطوابير من وجوه أطفال تائهين تمتد عميقاً في الضمير الإنساني بلا أُسر ولا مأوى ولا مناصر أو نصير! 

قد يقول قائل: إن هذه المشاهد المأساوية المؤلمة وقعت بعد الثورة في سوريا، وهذا صحيح؛ لكنها كانت تقع أيضاً قبل الثورة بصور أخرى متعددة كثير منها مخفي وقليل منها معلن، مما استوجب انتفاضة الشعب السوري وإقدامه على هذه التضحية الفادحة الأليمة بالنفوس والأموال والممتلكات ليخلص نفسه من معتقله الكبير! 

أليست الثورة في تلك البلدان التي استبدت بها دكتاتورية العسكر واجبة مستحقة؟! 

بلى! 

لكن في المقابل: متى تكون الثورة حماقة وجهالة وخيانة للوطن وللأمة وتستوجب اللعن والطرد من رحمة الله ورضا المخلصين والشرفاء؟! 

إنها تكون كذلك حين تتشكّل وتنمو تقليداً غبياً، ولهاثاً معصوب العينين خلف دخان الحالة التي تغطي أجواء المنطقة، وحين تكون تغليباً للقليل من وجوه القصور أو النقص أو الأخطاء التي لا بد من وقوعها في أي مجتمع وفي الوسع استدراكها بمرور الزمن وتطوير آليات المحاسبة والنقد على الكثير من الفضائل والمحاسن والإيجابيات التي لن يشعر بألم فقدها وبنعيم فيئها وبجميل إنجازاتها وبوافر أمنها وبكرامة الحياة في ظلالها إلا حين يفتقدها الثائرون الجهلاء، ويتطلبونها حينئذ بعد الفوضى، فما أعز عودتها وما أشق تكرارها، وما أبعد استرجاع زمنها الذي هدمته الحماقات وأحرقته الجهالات وبددت خيراته الخيانات! 

تكون الثورة ضلالاً ولعنةً تستوجب سخط الرب وشتائم التاريخ حين يفرط الجهلة في المنجز مما بني، وحين لا يحترم الصغار المتعثرون في سراويلهم جهود الكبار الذين أسسوا وبنوا، وراقبوا ورعوا! 

تكون الثورة مرفوضة حين تكون حالة معدية رخيصة كالزكام، أو فيروساً قاتلاً يرسله الكارهون والحاقدون ويغرزونه في شرايين الضعفاء من أبناء الوطن! 

تكون الثورة صفحة سوداء في تاريخ أي شعب حين يأخذ معاويله من رفوش وفؤوس وفواريع ليحفر قبره واسعاً بيديه ثم يهيل على نفسه التراب ليموت موتة أبدية لا حياة بعدها! 

الثورة لديهم هناك مستحقة وواجبة وفرض عين على القادر؛ كما أن الطاغوت يأمر بالدفاع عن طغيان عرشه فرض عين على كل قادر كما أفتى قبل أيام! 

أما هنا في بلادنا – حماها الله – (المملكة العربية السعودية) ودول الخليج العربي؛ فإن الدعوة إلى الثورة فيها أو التحريض عليها أو تهيئة أسبابها بمنشور أو اعتصام أو تخوين أو إنكار للمنجزات أو وضع اليد خيانة في يد دولة أجنبية بحجة الولاء (للمذهب) أو للثقافة أو للتاريخ؛ فإن ذلك كله يُعد ضرباً من خيانة الوطن، وإهدار جهود الآباء المؤسسين والبانين، وذرّ ما قدمته الأجيال الماضية في هبوب الرياح، وتضييعاً وإهداراً لمستقبل الأجيال القادمة، وتهيئة الأسباب لقوى أجنبية تنتظر الفرصة للتدخل كما حدث في أفغانستان والعراق، وتطميعاً لها لاستعباد شعوبنا ونهب ثرواتنا بحجة حماية مصالحها والدفاع عن الديموقراطيات وحريات الشعوب، أو كما يحلو لها من ادّعاءات كاذبة مزيفة. 

ولا فرق في دعاوى التغيير التي يلوّح بها مؤدلجون متسترون باسم الدين، وهم أتباع رخيصون لجماعة تديرهم من وراء حجب وأستار، تتساوى رايات الخيانة مهما زُينت بالدعاوى وتزركشت بالمقولات واتكأت على أحجاز زوايا هشة للتغيير!

لا فرق بين حقوقيين وجهاديين وحركيين مؤدلجين ومذهبيين طائفيين؛ كلهم في كفة هي كفة التفريط والتعجل والتقليد والهوى والأثرة والاتباع والبيعة لمرشد، أو الخيانة والولاء لأجنبي معمم، والوطن بعظمته وتاريخه وأمجاده واستقراره ومنجزاته في كفة راسخة! 

ثمة ثورتان؛ إحداهما مستحقة وواجبة حتمية، والأخرى ضلالة وتفريط واسترخاص للعقل وللدين وللمنجز والتاريخ. 

moh.alowain@gmail.com 

mALowein@ 

————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. محمد عبدالله العوين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*