الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أهل السياسة في مصر رهن تقاذف الحجارة

أهل السياسة في مصر رهن تقاذف الحجارة

كل الساسة في مصر الآن يطمعون في أكثر مما يستحقون ويحاولون ابتلاع أكبر مما هم قادرون على هضمه.

وفي نظم المنتجعات التي تعتمد خيار الـ Full board، أن النزلاء ليس بوسعهم أن يأكلوا أكثر من حاجتهم، وإن زادوا قليلاً فلا ضير، إلا أن تطبيق ذلك على الحالة المصرية جعل الفولبورد السياسي فاشلاً تماماً، ليس فقط بسبب الجشع والنهم وإنما أيضاً لسوء النية والتقدير.

ملأت الاتجاهات السياسية أطباقها، لكن حشد الطعام تحول إلى العجز عن التصرف فيه، وانتهت حمولة الأطباق إلى القمامة، في بلد متوسط دخل الفرد وفق البنك الدولي أقل من دولار أميركي في اليوم.

ربما يمكن النظر الى هذه المعضلة من زاوية أن حجم الصراع السياسي في مصر أكبر من قدرة المصريين على استيعابه، وبالتالي حدة هذا الصراع بات تفاديها غير ممكن. كل طرف يريد جر الآخر إلى منطقته، والتي هي بدورها «لامنطقة» في الأساس، فالنظام وداعموه يريدون الوصول بالصراع إلى صندوق الانتخابات التشريعية التي بات مشكوكاً في إجرائها، على أساس الاحتكام لما تفرز «العملية الديموقراطية»، وكان مرشد الإخوان المسلمين محمد بديع دعا عقب أحداث قصر الاتحادية في كانون الأول (ديسمبر) الماضي إلى مصالحة ثم الاحتكام إلى الشعب، أي الصندوق. 

يأتي ذلك على خلفية قناعة راسخة لدى أصحاب «الحل في الصندوق» من أن القوى الإسلامية سوف تكتسح وتخرج لسانها إلى القوى المدنية بأن اعرفوا أوزانكم وأحجامكم الحقيقية في الشارع.

ولأن هذا الرأي لم يكن من منشطات ثورة 25 كانون الثاني (يناير) التي شارك فيها الجميع، فإن القوى السياسية المدنية، خصوصاً المنضوية تحت جبهة الإنقاذ، ترفض هذا المنطق، الذي لا يناسب فترة ثورة، أو ما بعد ثورة لا يحق لفصيل واحد أن يتسلم ثمارها التي اقتربت من العطن. 

ويرى آخرون داخل أحزاب ملتزمة بقرارات الجبهة، أن المصريين إذا ما حدث تطور دراماتيكي وعادت الجبهة عن قرار المقاطعة ترشيحاً وتصويتاً، لن يمنحوا الإسلاميين على الأقل المقاعد نفسها التي حازوها في برلمان 2012 المنحل. ولفت هؤلاء إلى مؤشرات واقعية في نتائج انتخابات اتحادات طلاب جامعات عدة والتي شهدت اكتساحاً ثورياً، وإلى مؤشرات ظنية بأن الرأي العام اكتشف خداع الإخوان وعدم قدرتهم وغياب خبرتهم، ما أوصل البلاد إلى الحالة الراهنة من السيولة السياسية والانفلات الأمني والتدهور الاقتصادي.

القوى السياسية المدنية رغم ذلك لا تعرف أنها لا تملك تحريك الشارع بالقدر الذي تعتقد، وهي لم تنجح سابقاً في حصد مقاعد معقولة في «الشعب» و «الشورى»، وفشلت في الاتفاق على مرشح رئاسي يواجه مرشح الإخوان والإسلاميين، وتعتقد أن بوسعها الآن تحريك الشارع اعتماداً على رصيد بعضها القديم في تحريك الثورة، وظنها الجديد بأنها هي التي تضبط إيقاع الشارع الثوري، هو أمر غير صحيح.

وإذا كان الإخوان قدموا أسوأ أداء يمكن أن يتخيله حتى أعداؤهم، وصدروا للمشهد رئيساً غير مؤهل لأن يصبح رئيساً لكل المصريين، كما رددها سبع مرات في حوار تلفزيوني أخير، يسمع من هنا ويفوت من هناك، كما يقول من التقوه، ولا أحد يعرف له كلمة مكتوبة مؤثرة حتى إذا كان الكاتب مكتب الإرشاد أو هو شخصياً، وهو لا يصارح الشعب بالحقائق، خصوصا الاقتصادية، ويظن أن عبارة «من يتحدث عن إفلاس مصر هم المفلسون» ستؤدي الغرض. وعلى رغم ذلك، فإن «مرسي هو الحل» باعتباره الرئيس المنتخب، وإذا لم يوقف نزيف خسارة الرأي العام فلا أحد يتعاطف مع إجراءاته، ناهيك عن أن يؤيدها. 

ويلاحظ الكثيرون أن مرسي كلما تكلم زاد المشكلة تعقيداً، لكن هذا لا يعطيه مبرراً واحداً للجوء إلى الصمت، في الوقت الذي يمنح قوى الأمن الحرية المطلقة في التعاطي مع المتظاهرين.

الرئيس مرسي والإخوان وقوى الإسلام السياسي يراهنون في شكل كارثي على كسب الوقت حتى نصل إلى برلمان بأي ثمن، وهذا الأمر يظل بدوره رهاناً فاشلاً، لأنه قد يؤدي بالفعل إلى برلمان لكنه سيكون برلمان اللادولة.

المشهد أمام فندقي سميراميس وشبرد لصبية بالكاد تصل أعمار أكبرهم سناً إلى السادسة عشرة يتقاذفون الحجارة: من يعطي ظهره لقوة تأمين السفارتين البريطانية والأميركية، وخصومهم ممن يعطون الظهر لكوبري قصر النيل، ليس تسلية مجانية، لقد أحرقوا سيارات وأصابوا مارة وجرح بعضهم بعضاً، وسيحرقون البلاد. 

والرد في غرافيك بعيد في شارع محمد محمود لمبارك ومرسي، الأول يقول «خليهم يتسلوا» والثاني يرد «خليهم يتشلوا». لقد تسلوا في بداية الأمر بمبارك وعائلته وتاريخه ووضعوه في السجن وكانت التسلية باهظة التكاليف، أما الشلل الذي يمنحه مرسي لهم في الغرافيك وفي الواقع، فأصاب مصر كلها.

————

* صحافي مصري من أسرة «الحياة»

———–

نقلاً عن صحيفة الحياة 

-- محمد الشاذلي *

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*