الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » السعوديون والعقلانية

السعوديون والعقلانية

يقوم العقل بعملية استنباط عقلانية واعية، لضبط تصرفات الفرد وتفكيره لاختيار الأصلح، بعيدا عن النزوات والانفعالات، لذلك قال عامر بن قيس: «إذا عقلك عقلك عمّا لا ينبغي، فأنت عاقل». وسمي العقل «عقلا» أخذا من عقل الناقة، لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على ما يستقبحه من توجهاته.

فالعقلانية ليست بالضرورة أن تكون انحرافا فكريا كما يصوره أو يسيء فهمه البعض، كما أنها ليست النهج الصحيح والوحيد الذي يجب أن يكون عليه الطرح الفكري بمعزل عن الشريعة كما يريده البعض الآخر. إنما العقلانية المطلوبة من منظورنا الإسلامي هي تلك التي تعمل على إيقاظ العقل لشحذ همة أجهزة الاستقبال والتلقي لديه، لكشف السنن والقوانين الكونية والتوجيهات التربوية، وفقا لما جاء في القرآن والسنة، والتعامل معها والانتفاع بها وفق تنظيم ذهني وتسلسل منطقي منظم.

فكما أن الاقتصاد السليم، لا يتحقق له النجاح، إلا بوجود بنية تحتية متطورة تعزز دوره في بناء الدولة وتضمن له الاستقرار، كذلك الفكر السليم، لا يتحقق له النضج والتكامل إلا بفكر عقلاني منضبط، يعيد من خلاله ترتيب مخازن التفكير ويبتكر طرقا جديدة للإبداع، ويرفع منارات البحث العلمي، ويفتح أبواب وطرق الحوار.

والأدلة من القرآن الكريم والسنة على مخاطبة العقل البشري لتعليمه والرقي به وتوسيع مداركه كثيرة. قال تعالى في سورة الرعد: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. فالتفكر في آيات الله عمل مطلوب من المسلم وسبب من أسباب رسوخ العقيدة وثباتها، ومدخل للعقل للرقي به وتطويعه على الفكر والتأمل العقلي المنظم، للوصول إلى استنتاجات علمية إبداعية للنهوض والبعد عن التخلف الحضاري في مجالات المعرفة والإنتاج المختلفة، سواء كان ذلك صناعيا أو زراعيا أو تقنيا. لذلك يقول الحسن البصري رحمه الله: «تفكر ساعة خير من قيام ليله».

وها هو الرسول صلى الله عليه وسلم في توجيه تربوي نبوي يثني على أشج قيس فيقول له: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة»، فقد ارتقت هاتان الخصلتان بمن يتصف بهما إلى درجة كبيرة، بل إلى أعلى الدرجات؛ ألا وهي محبة الله ورسوله، لكون هاتين الخصلتين لا يمكن أن تتحققا لفرد في ظل غياب عقل راشد لديه. فهذه دلالة واضحة على أهمية دور التفكير العقلاني في حياة الفرد.

فلو نظرنا من ميزان العقل الذي يخاطبنا به ديننا وتراثنا إلى عالمنا العربي والإسلامي اليوم لوجدنا صورا من التخلف الحضاري نتاج تخلف ذهني مؤسف. كما نجد في حاضرنا حروبا تضرم نارها بين المسلم وأخيه ينتج عنها إهدار الطاقات وفقد الآلاف من البشر ومعاناة البقية الباقية وحالات أخرى من التناحر والشحناء بسبب أمور من تفاهتها يحجم المرء عن ذكرها، لا لسبب إلا التدهور السريع للأداء العقلي والمنطقي في كثير من نقاشاتنا وقراراتنا، ومن هنا ندرك مدى الوهن في العلاقات وإهدار الطاقات والتخلف عن الركب وإضاعة الوقت والجهد الذي تتعرض له أمتنا الإسلامية نتيجة لذلك.

فهل من نظرة جديدة لتصحيح المسار وفق فكر عقلاني سليم تحت نهج رباني قويم، مسترشدين بما سارت عليه المملكة العربية السعودية من توحد وتجانس ثم تطور حضاري باهر أساسه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مما نتج عنه هذا التوازن الفكري الحضاري الفريد الذي وضع لبنته الأولى مؤسس هذه الدولة الملك عبد العزيز رحمه الله، وأصبحت هذه الدولة بسياستها العقلانية المتزنة (الداخلية والخارجية) نموذجا فريدا يستحق الدراسة.

————–

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- عبد الملك بن أحمد آل الشيخ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*