السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لعبة الضحية التي تغري جماعة العدل والإحسان .

لعبة الضحية التي تغري جماعة العدل والإحسان .

لا تكاد تمر فترة وجيزة على حالة الهدوء في العلاقة بين الدولة وجماعة العدل والإحسان حتى تطفو من جديد حالة التوتر . عادة تخضع العلاقة بين الدولة والمكونات السياسية لنوع من الاستقرار الذي يسمح لكل الأطراف بناء مواقف صريحة من القضايا التي هي محط خلاف أو صراع أو تقاطب ، لكنها مواقف مؤسَّسة تسمح بالمنازلة السياسية الواضحة والترافع السليم أمام الرأي العام الوطني. 

فحين خاضت الجمعيات النسائية والحقوقية معركة تعديل مدونة الأحوال الشخصية فإنها استطاعت أن تقدم مشروعا متكاملا لإصلاحها . وكذلك الأمر فيما يتعلق بالإصلاح الدستوري  .

لكن الملاحظ في جماعة العدل والإحسان أنها لا تخوض معاركها السياسية من أجل ملفات محددة وقضايا واضحة يمكن للرأي العام الوطني أن يتفاعل معها وقد يساندها في حالة ما إذا كانت قضايا تمس واقعه السياسي أو الاجتماعي ، أو قضايا يظهر فيها ظلم الدولة للجماعة ومصادرة لحقوقها كهيئة سياسية تسعى للاندماج في الدولة. 

ومن آخر القضايا التي فتحتها الجماعة  ملف الأئمة الذين أوقفتهم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عن  اعتلاء منابر الجمعة  إثر الدعاء للشيخ ياسين بالرحمة من أعلى هذه المنابر . 

فالجماعة ، بمثل هذه المعارك الهامشية حول قضايا لا تدخل ضمن صلب اهتمام المواطنين ولا تساعد على تغيير الواقع أو تحقيق مكاسب ، إنما تريد تحقيق هدفين أساسيين : أولهما استفزاز الدولة ، بحيث تفتح الجماعة بعض الجبهات الثانوية حتى تستدرج الأجهزة الأمنية لاتخاذ خطوات تمكن الجماعة من الظهور بمظهر المعتدى عليه ، مثلما حصل حين قررت الجماعة الصلاة في الشواطئ دون المساجد ، أو لما قررت تنظيم الأبواب المفتوحة سنة 2002 ، أو لما نظمت قافلة لإعادة فتح منزل أمينها العام الذي شمعته السلطات العمومية ، أو حين فضل القطاع النسائي للجماعة التظاهر تضامنا مع نساء سوريا ، علما أن هناك هيئة وطنية تأسست للتضامن مع الشعوب العربية سواء في فلسطين أو العراق أو سوريا ؛ لكن الجماعة تعلم أن مشاركتها في أي تظاهرة تؤطرها الهيئة إياها لن تتعرض للتضييق أو للمنع . 

ومن ثم لن تحقق مثل هذه المشاركة المؤطرة غاية الجماعة في استفزاز الأجهزة الأمنية. 

ولا يخرج عن هذه الغاية الاستفزازية إقدام عدد من الأئمة المتمين إلى الجماعة على الدعاء للشيخ ياسين من أعلى منابر الجمعة ؛ علما أن وفاة الشيخ مرت عليها مدة تقارب الثلاثة أشهر . 

إذن ، ليس هدف أئمة وخطباء الجماعة الترحم على الشيخ  بل استفزاز الدولة لتبرير التباكي على الحرية ولتسويغ التهجم على الحكومة ؛ وهذا يدخل  ضمن إستراتيجية الاستفزاز والمظلومية .

والجماعة تعلم علم اليقين  أن المساجد مثلها مثل المرافق العمومية تخضع لضوابط وقوانين لا يمكن الاستهتار بها . فهي خاضعة وتابعة لوزارة الأوقاف وليست قطاعا حرا يمكن للمرء أن يقول وينشر ما شاء . 

فكما أن المؤسسات التعليمية العمومية والخاصة ملزمة باحترام ما تنص عليه القوانين الجاري بها العمل ، وضمنها الالتزام بالمناهج والمقررات التي تصادق عليها الوزارة الوصية ، فكذلك هي المساجد . فالأمر هنا لا يتعلق بحرية التعبير .

ثاني الهدفين هو لعب دور الضحية.

فالجماعة لا تخوض مواجهات حقيقية ولا تدفع بأعضائها إلى التضحية من أجل أهداف سامية ، لأنها إن فعلت ستكشف عن حقيقة مراميها وطبيعة مشروعها المجتمعي الذي يتنافى من المشروع المجتمعي الذي تناضل من أجله كل القوى الديمقراطية على اختلاف مشاربها الفكرية . 

بل يوجد توافق بين هذه القوى وبين الملك على دعم هذا المشروع الحداثي والديمقراطي وإرساء أسسه . بينما الجماعة على خلاف مطلق مع هذه القوى حول المشروع المجتمعي . 

وعلى امتداد تاريخ الجماعة ، لم تعش ما يصطلح عليه بسنوات الرصاص ولم تقدم معتقلين من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية ؛ بل معتقلوها إما تورطوا في عمليات قتل أو قضايا جنحية ؛ ولا يوجد للجماعة معتقلون سياسيون . 

من منطلق خوض معارك هامشية والإبقاء على قضايا ثانوية تخص الجماعة حتى لا يطويها النسيان ، تحرص ــ الجماعة ــ على طرح مسألة حرمانها من تأسيس حزب سياسي رغم ما يعتري مواقفها وتصريحات قياداتها من تناقض وتخبط . ولعل أبرز نموذج لهذا التناقض ما صرح به الناطق الرسمي باسم الجماعة السيد أرسلان في حوار له مع جريدة مغربية. 

فهو يؤكد أن ( الدولة تعيش حرجا بخصوص موضوع الحزب ، ولعل إلحاح عدة أطراف لكي نضع طلبا لتأسيس حزب سياسي جاء في كثير من الأحيان بإيعاز من الدولة لرفع الحرج ) . 

ومعنى هذا أن الدولة تريد من الجماعة أن تؤسس حزبا فترسل لها من يقنعها بالأمر . لكن السيد أرسلان لم يستحضر ما سبق وأقره مرشد الجماعة في حوار له مع صحيفة “ELPAIS”سنة 1991 كالتالي ( حينما كنت في بداية إقامتي الجبرية، اقتربت منا السلطة وعرضت علينا الاعتراف بنا كحزب سياسي بل وعدتنا بمنحنا كرسيا في البرلمان، في مقابل التزامنا الاعتراف ب…. لكننا رفضنا هذه العروض ومازلنا نرفضها إلى اليوم متشبثين بموقفنا). 

لم يفطن إذن أرسلان  إلى تخبطه وهو يعلن ( نحن مستعدون لتأسيس حزب ، لكن الدولة لا تقدم أي مؤشر للموافقة على ذلك .. والآن كل المؤشرات تدل على أن الدولة رافضة ) . فكيف يستقيم المنطق إذن حين الإقرار بأن الدولة ترسل وسطاء لإقناع الجماعة  بتأسيس حزب وفي نفس الوقت لا تقدم الدولة أي مؤشر للموافقة على التأسيس ؟؟

من نصدق إذن ؟ 

هل الشيخ ياسين رحمه الله الذي سبق وأعلن تشبث الجماعة بموقف الرفض ، أم فتح الله أرسلان ؟

 إن كان الأمر حقا مرتبطا بمنع الجماعة من تأسيس حزب ، فما الذي يمنعها من اللجوء إلى القضاء ؟ 

ستقول الجماعة إن قضاء غير مستقل لن ينصفها وحكومة “صورية” لن تؤازرها . وطالما الأمر كذلك ، ألا يستحق خوض معارك ونضالات حقيقية من أجل فصل السلطة بدل الانشغال بالهوامش والاكتفاء بالتفرج والترقب والتربص ؟ 

أكيد أن الانتهازية السياسية هي اللعبة المفضلة عند الجماعة لما تحققه لها من مكاسب .  

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*