الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أين المغرب من روح خطاب تاسع مارس ؟

أين المغرب من روح خطاب تاسع مارس ؟

 مرت سنتان على الخطاب الملكي لتاسع مارس الذي جاء متفاعلا مع الحراك السياسي الذي شهدته المنطقة العربية في إطار ما سمي حينها “بالربيع العربي”. خطاب يعود الفضل في أوانه ومضمونه إلى طرفين أساسين : شباب حركة عشرين فبراير والملك . ذلك أن حركة الشارع المغربي وتفاعلها مع الحراك السياسي والاجتماعي في تونس ومصر ، خلقا ديناميكية سياسية في صفوف الشباب الذي ظل محط اتهام بالعزوف عن السياسة والانشغال بقضايا هامشية بفعل عملية الإقصاء الممنهجة التي مارستها الأحزاب على هذه الفئة الطموحة إلى التغيير وتشبيب التنظيمات الحزبية التي شاخت قياداتها وباتت متحكمة في دواليب الهيئات وطريقة اشتغالها . 

وبفعل هذه الديناميكية الشبابية تحررت الألسن وتكسر جدار الخوف وعلا سقف المطالب السياسية والدستورية فكسر كثيرا من الطابوهات التي كانت تحجز عملية التطور السياسي والإصلاح الدستوري . 

وأولى تلك الطابوهات ما تعلق بتقديس شخص الملك وسلطاته المطلقة ودسترة الأمازيغية .أما الفاعل الأساسي الثاني الذي هو الملك فيعود إليه فضل التجاوب مع مطالب الشباب في قضايا جوهرية تخص تعديل الدستور وصلاحيات رئيس الحكومة وتقليص صلاحيات الملكو وربط المسئولية بالمحاسبة . 

كانت لهذا التفاعل بين الملك والشباب أثره الإيجابي في رسم معالم طريق مغاير سلكها المغرب من غير متاعب ولا خسائر ، لكن يظهر أن سوء تدبير المرحلة سيجعل المغرب يقطع هذا المسلك دون مكاسب . 

كان التوفيق حليف المغرب في تجاوز  حراك الشباب وتلطيف صدماته ، لكن أسباب الحراك لازالت قائمة وإن ظل سقف مطالبها ثابتا . ويحسب للشباب المغربي أنه مدرك لخصوصيات الواقع المغربي السياسي والاجتماعي والتاريخي ؛ لهذا ظل شديد الحرص على تفادي ركوب المغامرة على النحو الذي سارت عليه تجارب التغيير في المحيط الإقليمي . 

نضج الشباب المغربي وحسن تبصره جنبا الوطن كارثة التغيير الأعمى الذي لم يستشرف ما بعد إسقاط الأنظمة وما يتطلبه من حنكة ورص الصفوف . فشبابنا هذا يستحق الثناء على حسن إدارته للحراك ضدا على الأجندات التي ظل يتربص أصحابها بكل فرصة تسمح لهم بالانحراف وتحويل الحراك إلى نواة ثورة جار فة تأتي على الأخضر واليابس. إذ ليس كل ثورة ارتقاء نحو الأفضل . غير أن المكاسب الدستورية لهذا الحراك لم تصاحبها المكاسب السياسية ولا الاجتماعية . 

ذلك أن القوة السياسية التي تقود التجربة الحكومية التي انبثقت عن الحراك السياسي الشبابي لم تتحرر بعد من إرث الماضي وضغوطه ، خصوصا وان ثقل الماضي يؤثر مباشرة على الأداء الحكومي فيما يتعلق بالتنزيل الديقمراطي للدستور بما يستجيب لتطلعات الشباب وعموم القوى السياسية والاجتماعية الحية والتواقة إلى التغيير في إطار الاستمرارية . فتغيير الدستور لم يكن هدفا في حد ذاته ولا مطية لتكريس ما كان الحراك من أجل رفعه وإلغائه . 

فالشباب لم يخض حركته الاحتجاجية من أجل “العفو عما سلف” من تبذير وسرقات وفساد إداري ومالي ؛ ولم يكن أبدا من أجل صلاحيات صورية لرئيس الحكومة الذي ،بحكم ثقل ماضيه الحركي، لم يتخلص من وعيه الشقي ، فيشقى من أجل كسب ثقة الملك ويغفل عن مسئوليته الدستورية تجاه الشعب الذي يتطلع إلى تجربة نوعية تقطع مع الفساد والاستبداد. 

وليس لرئيس الحكومة ،باعتباره المسئول عن حزبيا ودستوريا عن برنامج الحكومة وأدائها ، من عذر لتبرير عجزه عن الوفاء بالوعود الانتخابية التي قطعها على نفسه وحزبه بكون جهات عليا تعرقل عمله أو تفسد خططه. وللتاريخ أنقل شهادة الصديق والمناضل الأستاذ أحمد حرزني التي نفى لي وثلة من الأصداء أي تدخل من الملك أو من محيطه ، على امتداد مشاركته ضمن لجنة صياغة تقرير الخمسينية أو اللجنة الملكية الاستشارية لمراجعة الدستور . 

بل أكد أن التدخل الذي حصل من طرف الراحل مزيان بلفقيه إنما كان بهدف قول الحقيقة كما هي وتضمينها تقرير الخمسينية . من هنا لا نملك إلا أن نتعامل مع رئيس الحكومة بصفته الجهة الوحيدة التي تتحمل مسئولية عودة القمع كأسلوب وحيد للتعامل مع الحركات الاحتجاجية ، والتغاضي عن ملفات الفساد ونهب المال العام بعد أن كانت محاربته شعارا مركزيا لحزبه . 

وكذلك هو الحال فيما يتعلق بمبدأ المناصفة الذي لم يُفعّله وظل بعيدا عن نص الدستور وروحه من لحظة تعيين الحكومة إلى ٱخر إجراء تعلق بتعيين 16 امرأة من ضمن 140 شخصية في الوظائف السامية . ولا يستقيم الاعتقاد بوجود ضغوط من جهات عليا أو نقص في الكفاءات النسائية . 

صحيح أن عملية الإصلاح قد تكون مكلفة سياسيا لكنها منقذة للوطن إما من السكتة القلبية أو الانفجار الاجتماعي . وليس لأن الإرث ثقيل يمكن للحكومة رهن مستقبل المغرب بالديون والمغامرة باستقراره عبر سلسلة من الإجراءات (إلغاء  صندوق المقاصة ، إعادة النظر في احتساب معدل التقاعد ، تقليص مناصب الشغل، فرض رسوم التسجيل على الطلبة في الكليات ، فرض الضريبة على يتجاوز عمرها 25 سنة الخ) . 

إذا كانت التجربة المغربية قد أثبتت فرادتها في التعاطي مع الحراك السياسي ، فإنها كشفت عن محدودية الأداء السياسي للإسلاميين في تدبير الشأن العام لقلة الخبرة والدراية وسوء تقدير المسئولية . ذلك أن عموم الإسلاميين يعتقدون أن مشاكل المغرب  الاقتصادية والاجتماعية مرتبطة فقط بسوء توزيع الخيرات  وليس إنتاجها .

إذن  بعد سنتين من خطاب 9 مارس ارتفعت نسبة الدين الخارجي  وتفاقم  عجز الميزانية  العامة وارتفعت معدلات البطالة والاجرام والفساد المالي والارتشاء .بل فقدت الدولة هيبتها حتى في الشارع العام الذي احتله الباعة المتجولون . 

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*