الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مصر والسودان ومرحلة تمكين «الإخوان»

مصر والسودان ومرحلة تمكين «الإخوان»

ليس سرا أن هناك تنسيقا بين الحركات المنبثقة من رحم تنظيم الإخوان المسلمين، تبلور في مرحلة من المراحل في فكرة إنشاء تنظيم عالمي يعتبره كثير من قادتهم مستوحى من فكر ومشروع مؤسس الجماعة حسن البنا. التنظيم العالمي أو الدولي لـ«الإخوان» أحاطه كثير من الغموض، واكتسى عمله بالسرية لتفادي أعين الأجهزة الأمنية، وربما أيضا لطبيعة بعض مخططاته التآمرية ضد الأنظمة السياسية القائمة، إلى الحد الذي دفع قيادات إخوانية في بعض المراحل إلى إنكار وجوده. لكن العلاقات بين التنظيمات الإخوانية أو المتفرعة عنها لم تقتصر على التنظيم الدولي، بل اتخذت أشكالا عدة، وانعقدت تحت لافتات وشعارات شتى لمواجهة الظروف المتغيرة، والتكيف مع التحولات التنظيمية والفكرية التي مرت بها بعض حركاتهم.

بعد «الربيع العربي» الذي وصلت على ظهره حركات إخوانية إلى السلطة بدأ هذا التنسيق يأخذ وتيرة متسارعة، لا سيما من إخوان مصر ومن آخرين يرون أن هذا «الربيع» أوجد واقعا جديدا وهيأ لهم فرصة ربما لا تتكرر لفرض هيمنتهم على الحكم وتنفيذ أجنداتهم المعلنة والخفية. في هذا الإطار جرت لقاءات، وانعقدت مؤتمرات، بهدف التنسيق وتبادل الآراء بين قيادات في هذه الحركات، اكتسى بعضها بطابع العلن، بينما طُبِع بعض آخر منها بالسرية. في مصر مثلا، حيث تداخلت الخطوط بين قيادة تنظيم الإخوان وقيادات واجهته السياسية في حزب الحرية والعدالة والقيادة السياسية الممثلة في رئاسة الجمهورية، كان لافتا أن قيادات سياسية، أو إخوانية، من خارج مصر التقت خلال زيارات للقاهرة مع مرشد «الإخوان» محمد بديع، أو مع قيادات أخرى في التنظيم، كما أن قيادات إخوانية مصرية قامت بزيارات إلى الخارج مكلفة بمهمات واتصالات لتوضيح أو تنسيق السياسات، أو جلب الدعم، أو التوصل إلى تفاهم وتطمين قوى أجنبية مثل أميركا بشأن نيات الإخوان وبرامجهم بعد وصولهم إلى الحكم. ونتيجة لهذا التداخل في الخطوط، بدا أن مصر تدار من المقطم حيث مقر رئاسة الجماعة، فارتفعت شعارات المعارضة الرافضة لما تعتبره «حكم المرشد»، كما ارتفعت أصوات تنتقد ما تصفه بالدعم القطري والتركي لتمكين حكم «الإخوان»، بينما ذهب البعض إلى اتهام عناصر من حركة حماس الفلسطينية بالمشاركة في قمع الاحتجاجات ضد حكم مرسي، وبالضلوع في عملية الهجوم على القوات المصرية في رفح التي راح ضحيتها 19 عسكريا، واستغلها مرسي في حينه لتنحية قيادات الجيش المصري، وإجراء تعديلات كبيرة وجوهرية.

السودان أيضا كان له نصيب ودور كبير في تحركات الحركات الإخوانية بعد الربيع العربي، لا سيما أنه كان أول بلد عربي يقع في قبضة حكم واحدة من حركات الإسلام السياسي المنبثقة من فكر «الإخوان»، وذلك عندما نفذت الجبهة القومية الإسلامية انقلابها العسكري عام 1989 وفرضت من خلاله حكما استبداديا لا يزال مستمرا بالقمع والمناورات على الرغم من الأزمات الداخلية المتلاحقة. هيمنة الجبهة الإسلامية على مقاليد الحكم في السودان جعلته على مدى سنوات كثيرة ملاذا لقيادات الحركات الإسلامية الهاربة من دولها، ونظمت على أرضه مؤتمرات ولقاءات شاركت فيها حركات الإسلام السياسي من مختلف الدول العربية والإسلامية تحت مظلة ما عُرف وقتها بـ«المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي»، الذي تشكل بعد حرب الخليج الأولى وتولى رئاسته الدكتور حسن الترابي.

وعلى الرغم من أن ذلك المؤتمر جرى حله من دون إعلان رسمي، إلا أن النظام السوداني واصل دوره كملاذ للإسلاميين ومستضيف للقاءاتهم، إلى أن حل الربيع العربي، وتغيرت الأدوار بعض الشيء، خصوصا بعدما تردد عن عودة التنظيم الدولي لـ«الإخوان» إلى مصر، ليكون في حضن الجماعة.

في إطار المؤازرة والتنسيق، لم يكن غريبا أن تتوافد قيادات الحركات الإخوانية أو المنبثقة من فكرهم إلى الخرطوم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لحضور المؤتمر الثامن للحركة الإسلامية الحاكمة في السودان. لكن الغريب أن البيان الرسمي الصادر في ختام المؤتمر، الذي نقلته وكالة الأنباء السودانية الرسمية ومواقع أخرى، أشار إلى الدكتور محمد بديع، لا باعتباره مرشد حركة «الإخوان» في مصر، بل بصفة مرشد الإخوان المسلمين في العالم، وليس واضحا حتى الآن ما إذا كان ذلك مجرد خطأ، أم أن وراء التسمية ما وراءها من مدلولات وإيحاءات. المهم أن خطاب بديع أمام ذلك المؤتمر وضيوفه حفل بعبارات استنهاض الهمم للحركات الإسلامية، ودعوتها لإعداد المجرى الذي تتجمع فيه كل القطرات «فتصير نهرا هادرا يزيح الغثاء من السيل، ويبقى ما ينفع الناس»، وهي الدعوة التي اعتبرها الفريق ضاحي خلفان قائد شرطة دبي، بمثابة تحريض على كل الدول، بما فيها دول الخليج.

بغض النظر عن ذلك الخطاب، فإن التنسيق بين الحركات الإخوانية المختلفة أمر حقيقي وقائم في السر وفي العلن. وإذا كان هناك من يحتاج إلى دليل على أن حركات «الإخوان» تستقوي ببعضها وتنسق تحركاتها عبر الحدود، فليقرأ جيدا في توقيع حزبي المؤتمر الوطني الحاكم في السودان وحزب الحرية والعدالة (الحاكم) في مصر على اتفاقية تعاون في الخرطوم، الأسبوع الماضي، لم تقتصر على العلاقات الحزبية وتبادل الخبرات والتجارب، بل تجاوزتها إلى الحديث عن التعاون الدولي والإقليمي وعن العلاقات الاقتصادية والسياسية والخارجية بين البلدين. هذا التعاون ينطلق، كما أوضح سعد الكتاتني رئيس حزب الحرية والعدالة، من أن الحزبين «يتطابقان في الرؤى والأفكار والتوجهات والمنطلقات والأهداف الكلية»، لكنه شمل أيضا جوانب أمنية، كما اتضح من تصريحات نافع علي نافع نائب رئيس المؤتمر الوطني، الذي أشار إلى وجود معارضة سياسية سودانية في مصر، وإلى أن المعارضة المصرية تستغل هذا الأمر للتشويش على العلاقات، متوعدا بتقويض هذا العمل وهزيمة «الأهداف الصغيرة التي تهدف إلى التشويش على العلاقات».

التحركات والاتصالات واللقاءات التي تجري في هذه الفترة، ستعطي لمن يهمه الأمر بعض المؤشرات على ما يحيكه «الإخوان» في مرحلة التمكين، بعد أن بدأ صعودهم على ظهر الثورات التي يحاولون الآن قمعها والالتفاف عليها بشتى السبل.

o.mirghani@asharqalawsat.com

——————-

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- عثمان ميرغني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*