السبت , 3 ديسمبر 2016

الخطاب الإخواني

ينهض فكر جماعة «الإخوان المسلمين» على مبادئ يتدارسها أقطابها في جلساتهم الخاصة، وينقلونها إلى مريديهم وأتباعهم بأساليب مختلفة تتوافق مع إمكانية الجهر أو الخفاء، لكنها إلى السرية والأخذ بها منهجاً للعمل الإسلامي أقرب وأوفق في رؤية كثيرين من منظريهم، ولكنهم لا يخفون ذلك إن واتتهم الشجاعة ورأوا أن الفضاء أصبح ممكناً ليصرّحوا بمنهجهم في العمل من أجل إقامة مجتمع ينقلب من جاهليته إلى إسلامه، ويرفض الاحتكام إلى الطاغوت، ويؤمن بمنطق «الحاكمية» وفق التصور الإسلامي الإخواني، هذا ليس خفياً، بل هو مصدوع به قبل أكثر من ستين عاماً في كتب المنظرين الأوائل مثل مؤلفات سيد ومحمد قطب، وغيرهما أو الأواخر من تلاميذ المدرسة الإخوانية في شريط الكاسيت المؤجج المدجج الذي أشعل حماسة شبابنا قبل ربع قرن، أو في كتب أخرى لم يفتقد كاتبوها الشجاعة ليكشفوا عن هذا المنهج، مثل كتاب «الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر» لمؤلفه د. صلاح الصاوي، والمطبوع في الرياض! 

من ثوابتهم ومتغيراتهم حسب الحالة: ممارسة ضبط النفس والقدرة على التحكم في ردود الأفعال والتكيف قدر الوسع والطاقة مع المستجدات واستغلال الحالة المواتية ما أمكن وتهدئة وتيرة العمل حين تهب العواصف، وإظهار الانسجام التام مع الدولة، بل العمل من خلال أجهزتها على تغيير هويتها عبر أكثر من جيل بتأسيس «القاعدة» التي تُخرّج أجيالاً مؤمنة برسالتها ودورها في الحياة – حسب المنطق الإخواني – وهذه الأجيال – لدينا نحن الآن ثلاثة أجيال – هي من تتولى إدارة دفة الحياة في كل مرفق بتسللها الذكي إلى الأجهزة الفعّالة، وهي في النهاية المحرك للشارع من خلال ما تمارسه من أنشطة مختلفة في كل مناحي الحياة، التعليمية والدعوية والإعلامية، وحتى التجارية، وغيرها. 

من مبادئ الجماعة أيضاً إعلان حالة السلام والتوافق مع التيارات الأخرى النشطة في المجتمع، بل التقرب إليها، وإشعارها بألا خلاف حقيقياً معها، وأن مطالبهم وهمومهم متقاربة وإن اختلفوا في التفاصيل، كما يحدث الآن من انسجام وتلاقٍ في بيئتنا الفكرية السعودية بين هذه الخطابات: الإخواني والليبرالي والشيعي! وقد تتجاوز مرحلة العمل حين يحدث انفراجٌ سياسي وأمني من السلطة إلى التنسيق المعلن بين التيارات الثلاثة بزيارات مجاملة متبادلة وتأييد لدور أي تيار، حين يصدر بياناً أو مدونة أو عريضة، فنجد في بعض ما يصدر من عرائض عجينة غريبة من التوجهات، وهي في الحقيقة لا تلاقي بينها ولكن كل اتجاه فكري أو طائفي يتنازل عن اختلافاته، ليقوى بمن يلتقي معه في بعض الغايات! فما الذي يجمع أسماء معروفة بليبراليتها التي تصل إلى حد كراهية الاتجاه الديني بكل أطيافه مع أقطاب إخوانية، ثم ما الذي يجمع «الشيعي» المتطرف والمولّي وجهه شطر قم مع الإخواني والليبرالي؟! 

إنها حالة تدعو للعجب على اجتماع من يشعرون أن خصمهم واحد، وهو النظام السياسي ببنيته القائمة على المنطلقات الدينية السلفية! 

والسلفية التقليدية في رؤية جماعة الإخوان متخلفة وعاجزة عن قيادة الجماهير وتفسير الأحداث والتعاطي مع ثقافات العالم ومعطيات الحضارات المعاصرة، ويستفيد الخطاب الإخواني من بعض المنطلقات السلفية لعدم الانفصال عن الواقع، وللاتكاء عليها من حيث الاستقواء بالنصوص والاستدلالات والاحتماء ببعض الأسماء الرنانة في الخط السلفي لكسب مزيد من الجماهير، ولتأكيد تعميق الرؤية الإخوانية الجديدة المستنيرة في الاتجاه الشعبي، فالسلفية لديهم تُمثّل خط الاحتماء وقت الضرورة وعند الحاجة إلى الاستدلال، ولكنها وفق المفهوم الخاص عائقٌ كبير أمامهم، لأنها تمنح السلطة المشروعية والقوة والإقناع. 

ومن مبادئ الجماعة تأجيج الاحتقانات، فهم يخلقون الأزمات أو يساعدون على تشكُّلها ثم يتوارون ويدّعون البراءة منها، بل يُوهمون الأجهزة الرسمية بأنهم يرفضون اتجاه الجماعات العنفية، وهم في محفلهم الخاص يتباشرون بكل عمل عنفي، لأنه يهز من بنية السلطة ويدفعها إلى الميل إلى الجماعة وتقريبها وتمكينها لقطع الخط على الجماعات العنفية! 

إن ورقة «العنف» التي شكَّلها الخطاب الإخواني بمتواليات وتجارب ومغامرات حركية كثيرة ومتعددة تظل التلويحة الأخيرة التي تهدد بها الجماعة المجتمع والسلطة على السواء، فمضمون الحالة الراهنة أنكم إما أن تستجيبوا لما نريد، وإلا فلا نضمن ما يحصل غداً! 

والمعنى أن لديهم علماً بما يُمكن أن يحصل غداً أو بعد غد! 

تذكرت تلك الفترة المريرة التي مرت بنا قبل غزو الكويت وبعده بسنوات، فقد قال لي أحد الأدباء المحبين حين كتبت إشكالية التحديث على أجزاء: انتبه يا محمد، فقد فتحوا لك ملفاً! نعم رأيت ملفك يجمع كل مقالاتك لمحاسبتك في الوقت المناسب! وكبيرهم الذي علّمهم ولقّنهم المنهج هو من يتولى الاطلاع بنفسه على الملف ليحكم بصلاح صاحبه أو انحرافه واتخاذه عدواً! 

ما هذا؟! أهم حكومة داخل حكومة؟! 

وحين نبهت آنذاك في الإذاعة إلى خطر الاستقطاب الفكري، وما يمكن أن يدفع إليه الشباب من مزالق عنفية من بعض المتطرفين، ثارت عليَّ عاصفة غاضبة ولم يتوقف هاتف المنزل عن الرنين تلك الليلة إلى أن فصلت خط الهاتف، وكان الجوال لم يُخلق! 

تلك كانت سنوات التوتر النفسي والفكري المريرة التي أوقدتها «الصحوة» المباركة، إلى أن اشتعل مجتمعنا ببعض أبنائه تفجيراً وتكفيراً، وإلى أن أصبح بعض أبنائه وقوداً لحطب معارك مع طواحين الهواء في كل مكان من العالم، بل مع أهله وإخوانه وقيادته السياسية! 

تلك كانت تُسمى الصحوة، فهل يُراد لنا أن نعيدها جذعة بأساليب وأشكال أخرى جديدة لم تخطر في بال من صحوا من قبل، أم أنهم قد وقعت أيديهم على زنادات جديدة لصحوة لم تُجرب بعد؟! 

هؤلاء هم، يستكينون إلى أن يتمكنوا، ولو تمكنوا اليوم لحاسبونا على أنفاسنا، ها هم يهددون المجتمع بأن العنف إذا انطلق من عقاله فلن يستطيعوا رده، من سيطلق العقال للعنف؟! هنا السؤال الذي نأمل من تحدث عنه أن يجيب عنه! 

وأخيراً، من مبادئهم: ممارسة الضغط الفكري والإعلامي والسياسي وبطرق مختلفة والتهويل والتأجيج وإشعال حرائق الكلمات المرعبة لإنزال الهزيمة النفسية بكافة قوى المجتمع الرافضة منهجهم، فلعل الخوف على أمن المجتمع والسعي إلى الحفاظ عليه يدعو إلى الاستجابة إلى ما يطمحون إليه وتمكينهم من سدة قيادة الأمة! 

ولكن ليعلم من يُهدد بإيقاد العنف والفتنة في بلادنا أن لدينا من المشروعية الدينية الأصيلة المتوازنة ما ليس لدى جماعته الأم في مصر! 

moh.alowain@gmail.com 

mALowein@ 

=————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. محمد عبدالله العوين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*