الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الثورات هل هي سبيل الإصلاح ؟

الثورات هل هي سبيل الإصلاح ؟

  فإن ثورات ما يُسَمَّى بالربيع العربي: هي في الأساس بين الأنظمة الموجودة, وبين المطالبين بالديمقراطية.

إذ لا فرق عند الثوار بين الحكام: لأن الثورة لها أهداف مدروسة سواء كان الحاكم الذي ثاروا عليه مسلما أو كافرا, وسواء كان ظالما أو عادلا. وسواء كان سُنِّيّاً أو شِيعِيّا أو خُرافِيّا.

فالثورة في سوريا مثلا: ليست ضد المذهب العلوي, وإنما هي ضد النظام, حتى ولو لم يكن علويا, شأنُها شأنُ الثورة في تونس ومصر وليبيا واليمن. لأن المراد هو: إسقاط النظام. وإحلال الديمقراطية, وتحكيم الدستور, تحت شعار ما يسمى بالدولة المدنية.

لأنها هي الحل وليس الإسلام. ولذلك نجد أن المحاولات بدأت حتى في بلادنا حرسها الله, مع العلم أنها تُحَكِّمُ الشريعة, وتُطَبِّقُها تَطْبيقاً ظاهراً, يَراه ويَسْمَع به العالَم بِأسْرِه.

ولا يَخْفى على كُلِّ مُتابِعٍ للأحداث ما جرى في برنامج ملتقى النهضة, تحت شعار ( المجتمع المدني الوسيلة والغاية ). والذي أشرف عليه أحد الدعاة السعوديين. وما في هذا الملتقى من مخالفات, أهمها ما يصادم تحكيم الشريعة, وعزل الشباب عن منهج السلف, وإيغار صدورهم على بلدهم المسلم وولاة أمرهم.

مع ما فيه من الإختلاط بين الجنسين, ناهيك عن الضيوف المشاركين في هذا الملتقى, من رافضة وليبراليين ونصارى ومستشرقين. وكذلك بعض الكاتبات مِمَّن يُسَمَّيْن بالناشطات اللاتي ينادين بالإختلاط وفصل الدين عن الحياة.

خصوصا وأن موضة الناشطات الحقوقيات أصبحت صعيداً أَفْيَحاً واستغله المغرضون .

     بل إن هذه البلاد من أكثر الدول معاناة, قبل ما يسمى بثورات الربيع العربي, منذ حادثة الحرم ثم ما جرى من بعض المشاغبين أيام حرب الخليج, ثم لجنة الدفاع عن الحقوق التي تَزَعَّمها المسعري وسعد الفقيه ………. إلى يومنا هذا.

وكذلك ما حدث من تفجيرات إرهابية خبيثة بأيدي أتباع القاعدة, والتي راح ضحيتها كثير من أبنائنا خاصة رجال الأمن, وما تبعها من ترويع الآمنين وتدمير بعض المنشآت, والمصيبة أنهم يسمونها غزوات!!!

مما يدل على أنهم يحاربون بلاد التوحيد وحكامها وأهلها باسم الجهاد ونصرة الدين!!!. ولا تزال محاولاتهم مستمرة مع الأسف إلى يومنا هذا.

وإن من أعجب العجاب أنك تسمع بالخطب والمحاضرات من بعض الدعاة الذين يستنكرون ما يجري من بعض الحكام الظَّلَمَة مع ثُوَّار ما يسمى بالربيع العربي, ولا تسمع منهم إنكارا لما جَرى ويجري في بلادنا في الداخل, وما يجري لأبنائها في الخارج كما حصل للقنصل السعودي في اليمن على أيدي أبناء هذه البلاد من أتباع القاعدة. بل إن كثيرا منهم لازالوا يدافعون عن السجناء الإرهابيين ويطالبون بالإفراج عنهم, وهم يعلمون بمخططات الخلايا الإرهابية التي تُعلِن الدولة بين الحين والآخر الكشف عنها, والقبض على عناصرها.

فالدولة تسهر ورجال الأمن يسهرون ويتعبون لراحتنا, وهؤلاء يطالبون بالإفراج عنهم, ويجعلون قضيتهم قضية كبرى لا يجوز السكوت عنها, مستغلين عواطفَ العامة وجَهْلَهم, تحت مسمَّى – قضية المعتقلين, وأهالي المعتقلين, وأمهات المعتقلين -.

فهل هؤلاء حريصون على أمن هذه البلاد ودماء أهلِها وأعراضِهِم, وهم يثيرون الناسَ على حكامهم ودولتهم؟!!!

وهل هؤلاء حريصون على أمن بلادهم ودماء أهلها وأعراضهم, وهم يطالبون بالإفراج عن أناس قد عرف القاصي والداني سببَ إيقافِهم ومُحاكمتِهِم وما كانوا يُخَطِّطون له من أعمالٍ لو لم يؤخذ على أيديهم بسببها لَهَلَك الحَرْثُ والنسل؟!!!.

مَطالِبُ ما يُسَمى بثورات الربيع العربي:

تتلخص هذه المطالب في أربعة أمور:

( الدولة المدنية / الحريات / الشعب مصدر السلطة / تداول السلطة ).

أما الأمر الأول: وهو الدولة المدنية, ومعناه: أن – الدين لله والوطن للجميع -. وأنه لا فرق بين المسلم والكافر تحت مظلة الوطن, وهذا منافٍ لما أمر الله به من وجوب تحكيم شريعة الإسلام, وإبطال ما سواه من الأديان. وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. ومُنافٍ لقوله تعالى: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ). وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ … ).

وأما الكافر قد بينت نصوص الشريعة كيف نتعامل معه ولله الحمد, ولكن لا تربطنا به أًخًوَّةُ ولا مَوَدَّة, ولا أُخُوَّةٌ وطنية, ولا يجوز أن نُساوِيَه بأخينا المسلم, فضلا عن أن نفضله عليه.

ومع ذلك نجد أن من مطالب هذه الثورات: إقامة الدولة المدنية ومخالفة شرع الله في ذلك. وهذا الكلام ليس رجما بالغيب, وإنما هو عين ما يصرحون به, ويدعون إليه في وسائل الإعلام.

الأمر الثاني فيما يتعلق بمطالب الثورات: الحريات: والمقصود بالحُرِّيات عندهم: ( حرية الإعتقاد / حرية التعبير / الحريات الشخصية ). وهذا منافٍ للنصوص الآمرة بالدعوة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأخذ على يد السفيه, وحماية المجتمع المسلم, من كل فكر دخيل أو سلوك سيئ, أو رأيٍ مُخالِفٍ للشرع.

بل إن ذلك يفضي إلى ترك تطبيق الحدود, وإنفاذ الأحكام على المخالفين. فإن الله تعالى أمرنا بطاعته, ونهانا عن معصيته, وأوجب على الثقلين الدخول في الإسلام, فقال: ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ). وأقسم الله تعالى بذاته المقدسة, أن الناس لا يؤمنون حتى يجعلوا الحكم بينهم, محمدَ بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, فقال: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ). وثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من بدل دينه فاقتلوه ).

وقد عمل بهذا الحديث معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما, كما هو ثابت في الصحيحين, من حديث عبدالملك بن عمير, عن أبي بردة, عن أبي موسى رضي الله عنه. 

وذلك قبل حجة الوداع, عندما بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن. وقاتل أبو بكر رضي الله تعالى عنه المرتدين, ومانعي الزكاة, وأجمع الصحابة رضي الله عنهم على متابعته على ذلك.

الأمر الثالث فيما يتعلق بمطالب الثورات: أن يكون الشعب مصدرَ السلطة, وهذه هي الديمقراطية عندهم, يقولون: ( نريد السلطة المدنية التي ليس لها مرجعية في السماء وإنما مرجعيتها الشعب, والتي تتضمن القوانين التي يمكن أن تُعَدَّل أو تُبَدَّل أو تُعارَض ).

وهذا مخالف لأمر الله بوجوب تحكيم الشرع والرد إليه. ثم كيف يجعلون الشعبَ صاحبَ الإختيار ومصدرَ السلطة وقد قال تعالى: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ).

وكيف يجعلون الشعب مصدر السلطة, وقد قال الله تعالى: ( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ).

وكيف يجعلون الشعب مصدر السلطة, وقد قال تعالى: ( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ).

وكيف يجعلون الشعب مصدر السلطة وهم يعلمون أن مطالب الناس لا تنتهي. وأن رضا الناسِ غايةٌ لا تدرك؟,

فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو كان لابن آدم واديان من مال, لابتغى ثالثا, ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب, ويتوب الله على من تاب ).

الأمر الرابع فيما يتعلق بمطالب الثورات: تداول السلطة, أي كل أربع سنوات انتخابات رئاسية.

وهذا مخالف لأحكام الإمامة والبيعة. ولذلك يُجَنُّ جُنونُهم عندما يرون المسلمين يجددون الولاء والبيعة لولاة الأمر, فإن ذلك من أعظم أسباب وجود الأمن والإستقرار.

فمن تولى أمر المسلمين, فليس في شريعةِ الله دليلٌ على تحديد مُدّةٌ وِلايَتِه, ووجب له السمع والطاعة بالمعروف, في المنشط والمكره, والعسر واليسر, حتى لو كان هناك أَثَرَة. وحَرُم الخروج عليه ومنابذته بالسلاح ما أقام الصلاة. ووجب الصبر على جوره لو جار. مع وجوب نُصْحِه وإرشاده وتخويفه بالله. فمن جاء ينازعه بالسيف وجب على المسلمين قتاله. والأدلة على ذلك كله كثيرة ومتظافرة, في الصحيحين وغيرهما عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم, وأجمع على ذلك علماء أهل السنة.

وأما إذا كان الحاكم كافرا, فالخروج عليه مشروط بالقدرة, ووجود القوة والسلاح الكافي لإزالته, مع عدم الفتنة واختلال الأمن.

فإذا كان الخروج عليه يزيد الكافر تسلطاً وظلماً, فيستبيح الدماء وينتهك الأعراض ويهلك الحرث والنسل, فالواجب هو الصبر والتقوى.

فالغرب: يريدون إقناع المسلمين بأن الديمقراطية: ( الدولة المدنية / الحريات / الشعب مصدر السلطة / تداول السلطة ) هي الحل. بديلا عن الإسلام وتحكيم الكتاب والسنة. وليس من المعقول أن يصرحوا بحربهم للإسلام وإنما يسمون ذلك ب ( الربيع ). وبأيدي الثوار المطالبين بالحرية وتحقيق العدالة ورفع الظلم. ولا يهمهم ما يصيب المسلمين من جراء تلك الثورات:

( تُسْفَكُ الدماء, ويُقْتَلُ الرجالُ والشباب, ويَخْتَل الأمن, وتُغْتَصبُ النساء, ويُشَرَّدُ الناس من بيوتهم وبلادهم, ويعتقل مئات الألوف, ويجرح مثلهم أو يزيد, وتُسْتَنزف الثروات ).

كل ذلك لا يهم, لأن فاتورته سيسددها النظام السابق, الذي وُضِع أَمامَ الأمر الواقع الذي سَيُلزِمه إما بالهروب, أو التنحي, أو المواجهة مع الشعب وحدوث الكارثة.

ولابد أن نعلم بأن البلدَ المسلم أفرادُ جيشِه مسلمون – هذا هو الأصل –, ومعنى ذلك أن المواجهة في الأصل هي بين المسلمين وقتل بعضهم بعضا, ما لم يظهر خلافُ ذلك, كما في سوريا وما يفعله الرافضة بالمسلمين.

مع الجزم بأن الجيش السوري في الأصل أخلاط من الرافضة والمسلمين والنصارى, والفتنة عمياء لا يُمَيِّزُها إلا أقل القليل.

ولو كان الأمر متوقفا على الجهة التي بدأت بالثورة, لَسَهُلَ التعامُلُ معها. لكنهم يُجَيِّشون الشعب باسم التظاهر السلمي. والجهلُ يغلب على كثير من المسلمين اليوم, فيسهل تجميعهم, فلا ينبغى الإغترار بِتَجَمُّعِهِم في الشوارع وما يصدر معها من أهازيج, فإنه أمر طبيعي, لأن الكثير من الناس مِنْ طَبْعِهم حُبُّ المعارضة والوقوف مع من ينتقد النظام, وهذا ما نراه ونسمعه في كل مكان, وليس في الفضائيات, أو في الدول التي استمرت فيها التظاهرات, بل حتى في مجالسنا ومجتمعنا.

وهذه هي حال العوام في الغالب إلا من رحم الله, ينطبق عليهم المثل الدارج – معاهم معاهم, عليهم عليهم – فلو غاب وليُّ أمرهم مُدَّة ثم عاد إليهم, لاستقبلوه بالأعلام والزهور وضرب الدفوف. وإذا رأوا مَنْ ينتقده ويطالب بإزالته باسم العدالة والحرية والإصلاح, لهتفوا مع هذا المُطالِب وأيدوه ورددوا – يسقط النظام, أو إرحل …. إلخ. 

كما هو الحاصل اليوم. فيجعلون الحاكم أمام الأمر الواقع:

ـ إما أن يقاتلهم فيكون قاتلا لشعبه, وهذا ما يُفْقِدُه الشرعية لدى المجتمع الدولي, ويؤلب الشعوب عليه, ويجعل أفراد نظامه ينشقون عنه.

ـ وإما أن يتنحى.

ـ وإما أن يطلب اللجوء السياسي.

ويَنْكَشِفُ الغِطاء عندما يتغلب هؤلاء الثوار على أنظمتهم وتظهر عبارات التكبير, سرعان ما تنطفيء تلك الأصوات, وتبدأ تُرفعُ أصواتٌ أخرى, وهي الأصوات الحقيقية المطالِبَة بإحلال دين الغرب, ووجوب المسارعة بالمحافظة على الثورة, وذلك بتحكيم الدستور ونبذ أحكام الشرع.

ولذلك تتغير لغة الشارع بمجرد ما يسقط النظام. وتبدأ اللغة الجديدة – الدستور و الديمقراطية – مما يدل على أن الشعبَ مُجردُ أداة فقط: فالدماء التي سالت إنما هي أداة, والأعراض التي انْتُهِكَت إنما هي أداة, والإعتقالات والتشريد وتهديم المساكن واختلال الأمن كله أداة, ووسيلة لاستلهاب عاطفة الشعوب.

حتى من ينشق عن النظام إنما هو أداة, لأنه وُضِعَ أمام أمرين: إما أن يشارك النظام في قتل إخوانه أو ينشق ويقف في الصف المقابل, ولا شك أنه في الغالب لن يشارك في قتل إخوانه ما لم يكن هناك أسباب أخرى, كالخلاف المذهبي, كما هو الحاصل من الرافضة والنصيريين عليهم لعنة الله المتتابعة إلى يوم الدين, وما يفعلونه اليوم بإخواننا في سوريا.

وأما أصحابُ الشأن, ومَن أشعلوا الثورة, وتسببوا في تَسَلُّطِ هؤلاء الخنازير على إخواننا وأخواتنا وأبنائنا, فهم في المدرجات هم وأزواجهم وأولادهم ومصالحهم في رغد من العيش, ينتظرون النتائج مستغلين قُدُراتِ غيرهم.

إذْ لَم تُغْتَصب نساؤهم وهم ينظرون, ولم يُذْبح أولادهم وهو ينظرون, ناهيك عن الجرحى, والمعتقلين, واللاجئين, والمساكِن المُدَمَّرَة, والأموال المنهوبة. أهكذا يكون الإصلاح؟.

وإذا رأوا ما يجري للشعب, صَبُّوا جامَ غضبهم على النظام عبر الفضائيات ووسائل الإعلام, لِيُوارُوا سَوْءَتَهم, فهم شركاء في الجريمة مع النظام, وهم السبب الأول والشرارة الأولى فيما يجري للشعب المغلوبِ على أمره, والذي صار بين نارين, – مطرقة النظام وسندان الثورة –.

وأما من انشقوا عن النظام, ومن كانوا مثل حالهم فإنهم معذورون, لأنهم أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن يشاركوا هذا النظام الظالم الكافر في القتل والإبادة والسلب والنهب وانتهاك الأعراض, وإما أن يدافعوا عن أهليهم وأعراضهم وإخوانهم.

بل حتى لو كان المنشق كافراً فإن مروءته ورجولته تأبى أن يشارك في الظلم والطغيان فتجده مضطرا للوقوف ضد هذا النظام الظالم.

بل وحتى الدول الأخرى القادرة على إنقاذ هذا الشعب المظلوم, لا يجوز لها أن تقف موقف المتفرج, لأن إنقاذه من فروض الأعيان, ولأنه شرٌّ وقع واستفحل, ومن المعلوم أن هناك فرقاً بين التعاملِ مع الشر قبل وقوعه, والتعاملِ معه بعد وقوعه. وإنما الحديث عن منشأ هذه الثورات وبدايتها, وما يتبعها من الفتن.

وأعجب من ذلك: أنك ترى من يُسَمَّوْن بالإسلاميين, والذين كانوا يُكَفِّرون الحكام ويسمونهم بالطواغيت بسبب عدم تحكيم الشريعة, أو بسبب الأخطاء المخالفة للشرع. تجدهم يتسابقون إلى الوصول إلى الرئاسة ويقدمون التنازلات – والتنزيلات!!! – حتى ولو كان على حساب عقيدتهم, مع الإستعداد التام لتقديم اليمين الدستورية, وهي القَسَمُ بالله أمام الشعب على تحكيم الدستور المتضمن للأمور الأربعة التي تقدم ذكرها.

فبماذا سَيَحْكُمُون على أنفسِهم, ومِن أي فئاتِ الحُكّام سَيُصّنِّفُهم أَتْباعُهُم؟.

وما هو عذرهم عند الله حينما جعلوا الإسلام وسيلة لا غاية.

وما هو جواب من أطلقوا الفتاوى في تكفير حكام دول الخليج, حينما يرون هذا الصنف, وهل سَيُلْحِقونهم بهم, أم أن لهم من الرَّوَغان ما لِأصحاب نافقاء الجربوع؟!!!

فيا من ترون بأن مثل هذه الثورات هي الحل:

اتقوا الله في بلدانكم, وفي دماء إخوانكم, وأعراضهم, وأموالهم, واتَّعِضوا بما رأيتم وسمعتم, وبما ترون وتسمعون, من حمامات الدم في أراضي المسلمين, والأعراض التي تُنتَهَك, والأطفال الذين يذبحون, والمستشفيات التي غصت بالجرحى, والسجون التي امتلأت بالمعتقلين, وبالأُسَر التي شُرَّدت وَهُجِّرَت من أوطانها.

ويا أيها المسلمون:

اعلموا أن دينكم مُسْتَهدف, وأن ما يجري, هو عين ما يريده أعداؤكم بِكُم.

فوالله لو كانوا يعلمون بأن مثل هذه الثورات لا تزيد المسلمين إلا قوة وصلابة في دينهم ما حرَّكُوا ساكنا من أجله وأجل أهله مهما بلغ الأمر.

فهؤلاء مسلموا بورما يُذْبَحون كما تذبح الشياة ومع ذلك لم يُحَرِّكوا ساكنا!!! لماذا؟

لأن قضية هؤلاء المسلمين لا تعني الغرب شيئا, ولا علاقة لها بالغزو الصليبي – الربيع العربي – لأنها قضية إسلام وكفر.

وأما هؤلاء فقضيتهم: إسقاط النظام ومحو الإسلام, وإحلال الديمقراطية باسم ( الربيع العربي ) وبأيدي المسلمين أنفسهم.

كيف يدافعون عن الإسلام وهم يحاربون الإسلام؟!

كيف يدافعون عن الإسلام وهو يقولون: بأن الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك والعقائد الباطلة, دعوةٌ إلى الطائفية ومُصادَمَةِ الحريات.

كيف يدافعون عن الإسلام: وذروةُ سنامه هو الجهاد في سبيل الله الذي شعاره: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ). وشعاره: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ).

كيف يدافعون عن الإسلام وهم مأمورون بترك دينهم, واتّباع محمد صلى الله عليه وسلم, كما قال تعالى: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).

كيف يدافعون عن الإسلام وهم يريدون إبداله بغيره؟! إنه الخزي والعار.

ولكن الله غالب على أمره والمستقبلُ للإسلام, وسَيُظْهِر الله هذا الدين, وينقلب تدبير الأعداء تدميرا عليهم بإذن الله.

ويا أيها المسلمون: يا من تريدون التغيير, اتقوا الله في أنفسكم وتذكروا قول الله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ).

ويا من تريدون حاكما مثلَ عمرَ رضي الله عنه, هل اقتديتم بعمر؟ وهل سعيتم من أجل إعداد جيل يقتدي بعمر؟ فإن من أراد حاكما كعمر, لابد أن يكون هو كعمر, ” كما تكونوا يولى عليكم “.

تذكروا قول الله تعالى: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ). وقول الله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ). وتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وجُعِلَ الذلة والصغار على من خالف أمري ).

فالمسلمون اليوم متفرقون في عقائدهم إلا من رحم الله. والمخالفات الشركية من دعاء الأموات والتوسل بهم, وانتشار السحر والكهانة, ناهيك عن ضعف عقيدة الولاء والبراء بين المسلمين, وقد قال الله تعالى: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ). وقال تعالى: ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ). وقال تعالى: ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).

والمسلمون اليوم بحاجة ماسة إلى العودة إلى السنة تَعَلُّما وتطبيقا ودعوة, إن كانوا يريدون الظهور والعزة.

والمسلمون اليوم قد ابتُلِيَ كثيرٌ منهم بتقليد الكفار, وانتشر في كثير من مجتمعات المسلمين التبرج والسفور, وأكل الربا.

إن واقع المسلمين اليوم لن يتغير إلا إذا رجعوا إلى دينهم وعرفوا عقيدتهم وعملوا بها ودعوا إليها وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. عند ذلك سيصلح الله حالهم, ويفتح لهم من أبواب النصر والتمكين ما لم يخطر ببالهم.

ويا من تسعون لأن يحل في بلادنا – المملكة العربية السعودية – ما حل بغيرها, وتطالبون بالديمقراطية, وتحكيم الدستور. أو جَعْلِ مملكتنا الحبيبة مملكةً دستورية: اتقوا الله تعالى, ولا تكونوا من الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلُّوا قومهم دار البوار.

واعلموا أن هذه البلاد قامت على التوحيد والسنة, وتحكيم الشريعة, وتميزت عن غيرها من بلدان العالم بذلك, فاحمدوا الله واشكروه على ما أنتم فيه من نعمة. واعلموا أنه ليس كُلُّ مُلْكٍ يكون جَبْرِياً.

فالمملكة التي تَوَحَّدَت بسببها القبائل, واجتمعت بسببها الكلمة, وحصل بسببها الأمن والإستقرار, ورفعت راية التوحيد, وَصَدَعت بتحكيم الشريعة, وأعلنت للعالم أن دُستورها هو القرآن والسنة – مع التحفظ على كلمة دستور – كما تميزت بالعناية بالعلم الشرعي ونشره, وتعظيم قدر العلماء, والوقوف معهم في كل ما من شأنه نشر العلم, وأنشأت المحاكم الشرعية, وجهازاً خاصاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وآخر للدعوة والإرشاد, وكَرَّسَت جهودها لِخدْمة الحرمين الشريفين, وخدمة الحُجَّاجّ والمعتمرين بما لا يخطر بالبال.

أضف إلى ذلك: وقوفها مع قضايا الأمة الإسلامية ومبادرتها في ذلك بحيث لا يكاد أحد أن يسبقها على ذلك. فهل من اتصفت بهذه الصفات يكون مُلْكُها جَبْرِيّاً؟ بلْ مُلْكُ رَحْمَة واجتماع وخير ولله الحمد.

فنسأل الله أن يثبتَ حكام هذه البلاد على دينه, وأن يزيدهم من التوفيق والبذل ومواصلة المشوار.

فإن الإستمرار على ذلك هو سبب عزتهم وسيادتهم وثبات ملكهم, وَبِدونِه سَيَفْقِدون ما كانوا عليه, ( ذلكَ بِأنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعمَةً أنعَمَها على قوم حتى يُغَيِّروا ما بأنْفُسِهِم ).

نسأل الله أن يعز دينه, وأن يعلي كلمته, وأن يصلح أحوال المسلمين.

***************

-- أحمد الراشد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*