الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » باكستان تلعب مع إيران ورقة الهيمنة على أفغانستان

باكستان تلعب مع إيران ورقة الهيمنة على أفغانستان

قبل استقباله وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، قال الرئيس الأفغاني حميد كرزاي، إن التفجيرات التي تعرضت لها العاصمة كابل ومدينة خوست، وراح ضحيتها 17 شخصا، كانت لخدمة أميركا وخدمة شعار «2014»، من أجل «تحذيرنا بأنه في حال انسحب الأميركيون، فإن طالبان هم القادمون».

أثارت هذه الأقوال حفيظة هيغل، وكذلك حفيظة القائد العسكري الأميركي في أفغانستان الجنرال جوزيف دانفورد، الذي رد عليها بالقول: «بعد ما قاتلنا بضراوة لمدة 12 عاما، وفعلنا الكثير لمساعدة قوات الأمن الأفغانية حتى تتمكن من القيام بواجباتها، نسمع الآن أن العنف واللاستقرار يصبان في مصلحتنا، وسأترك للآخرين أن يحكموا على ذلك».

تصريحات كرزاي تعكس انطباعا عاما في أفغانستان بأن للأميركيين أجندة خفية، وبأنهم لن يتركوا أفغانستان وآسيا الوسطى مجانا. وقد تعزز هذا الانطباع، بعد عزم الولايات المتحدة على إقامة قواعد عسكرية في أفغانستان، والسعي إلى منح الجنود العاملين فيها الحصانة الدبلوماسية.

وهناك أيضا أمور أخرى تثير كرزاي، منها عدم تشجيع واشنطن على حوار مع طالبان بإشراف أفغاني، وقيام الأميركيين بالاتصال مع ممثلين عن طالبان من دون إبلاغه، وأكثر ما يثيره اعتماد الأميركيين على باكستان في «المصالحة» مع طالبان. هو يشعر بأن القيادة العسكرية الباكستانية عادت إلى أساليبها السابقة لجهة استغلال التناقضات في السياسة الأميركية تجاه أفغانستان من أجل خدمة مصالحها.

هجمات يوم السبت في التاسع من مارس (آذار) الحالي استهدفت مبنى وزارة الدفاع في كابل، وقبل ذلك بأسبوع تعرضت قافلة عسكرية أفغانية لهجوم في بادغشان حيث ذبحت طالبان 16 جنديا.

المعروف تقليديا أن طالبان هم أعداء الطاجيك، وأن الطاجيك يعتبرون العمود الفقري الآن للقيادة العسكرية الأفغانية. من هنا تأتي شكوك كرزاي، الذي يعرف أن انتصار طالبان في تسعينات القرن الماضي كان نتيجة عمل الاستخبارات الباكستانية ضد المجاهدين الذين لم ينضموا إلى طالبان، وعلى رأسهم الطاجيك، وهم معروفون بوطنيتهم ورفضهم أي تدخل لباكستان في أفغانستان.

وفي عودة إلى تصريحات كرزاي، فإنها لن توقف عمليات الأميركيين أو قوات التحالف أو القوات الأفغانية، عن ملاحقة طالبان ومجموعات إرهابية مسلحة أخرى تتحرك وتنشط في كل من أفغانستان وباكستان. وإذا كان همّ كرزاي قادة طالبان (هم على اتصال دائم معه، لكنهم لا يريدون تسليمه دورا قياديا في مفاوضات تتعلق بمستقبلهم) فإن ما يقلق قوات التحالف التنظيمات الجهادية المتعددة والمختلفة الأعراق والجنسيات؛ إذ بعد أيام قليلة من «ثورة» كرزاي، أعلنت قوات المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) عن اعتقالها أحد قادة «الحركة الإسلامية لأوزبكستان» المرتبطة بـ«القاعدة» في مقاطعة قندوز. وحسب البيان الصحافي الذي أصدرته، «فإن هذا القائد (الذي لم تذكر اسمه) يشتبه في أنه المسؤول عن توجيه المقاتلين في العمليات ضد القوات الأمنية، وخبير في العبوات الناسفة، ودرب أعضاء آخرين في خلية متطرفة».

ومما يذكر، أن «الحركة الإسلامية لأوزبكستان» تقاتل إلى جانب طالبان و«القاعدة»، وتماما، مثل «القاعدة»، تقوم بتدريب مقاتلي طالبان، وهي نشطة في مقاطعات أفغانستان الشمالية، خصوصا في قندوز. العام الماضي شنت قوات التحالف والقوات الأفغانية 36 غارة على الحركة؛ 16 منها كانت في قندوز.

وخلال الأشهر الأولى من هذا العام، تعرضت الحركة لثماني غارات. وإذا أخذنا بعين الاعتبار سحب عدد كبير من قوات التحالف، والإعلان عن انسحاب 34 ألف جندي أميركي عام 2014، فإن العدد الكبير للغارات يعني أن نشاط «الحركة الإسلامية لأوزبكستان» في ازدياد.

ويوم اعتقال أحد زعماء هذه الحركة في قندوز، أقدم انتحاري على تفجير نفسه في منطقة «إمام صاحب» فقتل 10 أشخاص، تبين لاحقا أن المستهدف كان قائد شرطة قندوز وأسرته (شقيقه هو رئيس مجلس النواب الأفغاني). في التفجير قتل قائد الشرطة ووالده وأربعة من حراسه.

«الحركة الإسلامية لأوزبكستان» حليف أساسي لـ«القاعدة» وطالبان، وتدعم شن عمليات في باكستان وأفغانستان، وكذلك التحضير لعمليات في أوروبا. أفرادها يقاتلون إلى جانب طالبان في باكستان وأفغانستان، وقد تم ضمها إلى حكومة الظل لطالبان في شمال أفغانستان.

مقاتلو هذه الحركة غالبا ما كانوا الحراس الشخصيين لقادة طالبان الباكستانيين ولقادة «القاعدة». وإضافة إلى عملياتها في أفغانستان وباكستان، صعّدت الحركة من عملياتها في دول آسيا الوسطى. ففي سبتمبر (أيلول) 2010 أعلنت الحركة عن مسؤوليتها في قتل 25 جنديا طاجيكيا، وهددت بشن مزيد من الهجمات في الدول الواقعة في آسيا الوسطى (نقطة الجمع في العداء هي: الطاجيك).

عام 2000 اعتبرت وزارة الخارجية الأميركية الحركة منظمة إرهابية أجنبية، وهذا ساعد قوات «إيساف» في حربها ضد الإرهاب، وفي تقليص الدعم للمنظمات الإرهابية.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2012 أضافت وزارة الخزانة الأميركية اسم قاري أيوب بشير رئيس قسم التمويل في الحركة، على قائمة الإرهابيين الدوليين. وبشير هذا، عضو في شورى الجماعة، أو المجلس التنفيذي، ويقيم في المنطقة التي تسيطر عليها طالبان باكستان في وزيرستان الشمالية. وبصفته قياديا ممولا، فإنه يؤمن المال والدعم اللوجستي لكل عمليات الحركة في باكستان وأفغانستان، ويجمع الأموال من دول أخرى خارج المنطقة.

كانت «الحركة الإسلامية لأوزبكستان» هدفا رئيسيا للقوات الأميركية الخاصة، بعدما أعلنت مسؤوليتها عن الهجومين على قاعدة باغرام الأميركية عام 2010، وعلى قاعدة إعادة الإعمار الإقليمية في بانشهير (منطقة الطاجيك) عام 2011، وعن هجوم انتحاري استهدف حافلة مدرعة في كابل عام 2011.

وإضافة إلى الغارات على مقرات الحركة في قندوز، وشمال أفغانستان، فإن القوات الأميركية ركزت على زعماء الحركة وشبكاتها في المناطق القبلية في باكستان، ونجحت طائرات الـ«درون» (طائرات من دون طيار) في قتل أميرين من الحركة.

العام الماضي أعلنت الحركة عن موت أميرها أبو عثمان عادل عن طريق طائرة «درون» في باكستان، وعن اختيار عثمان غازي أميرا جديدا لها، وهو مثل سلفه ملتزم بمواصلة القتال في أفغانستان. وكان عادل خلف المؤسس المشارك في الحركة طاهر يولداشيف الذي قتل هو الآخر في سبتمبر 2009 بواسطة طائرة «درون». وينسب لعادل أنه عزز دور الحركة ونشاطها في باكستان وأفغانستان بعد مقتل يولداشيف. ففي حين كان يولداشيف يفضل حصر عمليات الحركة في المناطق القبلية في باكستان، دفع عادل لتوسيع عملياتها في شمال وشرق أفغانستان، وأيضا في دول آسيا الوسطى.

«الشرق الأوسط الكبير» مقبل على العديد من المشكلات والاضطرابات. كرزاي يتخوف من أن يخرج مهزوما، وينظر بعين الريبة إلى دور باكستان، والأميركيون يعرفون أنهم يحتاجون إيران في أفغانستان، وباكستان تعرف ذلك أيضا وتتحدى (التوقيع على اتفاقية أنبوب الغاز الممتد من إيران إلى باكستان وقد حذرت منه أميركا) لكنها تعرف أيضا أن على الولايات المتحدة أن تعوض الجيش الباكستاني، وأن تتعاون إلى أقصى حدود التعاون مع أجهزتها الأمنية كي تنجح في سحب قواتها عبر مرفأ كراتشي.

أميركا لا ترفض التعويض العسكري والمالي، وهذا ما تفعله، لكن باكستان تريد، إضافة إلى ذلك، تعويضا سياسيا، أي العودة إلى استراتيجيتها الأمنية السابقة، القائلة إن أمن باكستان هو في التدخل في أفغانستان، وهي الآن تمد يدها وأنابيبها إلى إيران، التي ما إن شعرت بأن موقعها قد يتزعزع في سوريا وحتى في العراق ولبنان، حتى أطبقت بغازها على باكستان، مع إبقاء «الوجه المبتسم» لكرزاي.

المشكلة مع باكستان وإيران، أن الدولتين تعتمدان على حركات جهادية وإرهابية في كل مشاريعهما!

فهل يدوم ذلك، وإلى متى؟

————

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- هدى الحسيني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*