الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حواراتنا وثقافة الحوار

حواراتنا وثقافة الحوار

لماذا يصر بعضنا على احتكار الحقيقة واحتكار الصواب؟ والبعض يستخدم كلمات نابية، ولا يدري أن كل إناء بما فيه ينضح، والبعض ليس لديه منطق

لماذا كلما اقتربنا من أي حوار نأخذ في الاعتبار أننا يجب أن ننتصر ونأخذ في الاعتبار أننا نملك الحقيقة؟ ليست الحقيقة فقط بل كل الحقيقة.. ونمتلك الصواب.. ليس الصواب فقط ولكن كل الصواب.. حتى المثقفين منا، وحتى من يؤمل لين الجانب والتسامح فيهم..

شيء يدعو للاستغراب أن ترى حوارات لا يكتنفها المنطق، ولا تكشف مستوى الفكر الذي يفترض أن يكون عليه المتحاورون بالنظر المأمول فيهم لخبرتهم أو لتأهيلهم أو لعلمهم.. يفترض أن نكون أفضل أمة متحاورة؛ لأننا نقرأ القرآن منذ نعومة أظافرنا، ونذهب لخطب الجمعة التي تكرس فينا كل القيم الإسلامية منذ الصغر.. 

وقيم الحوار الواردة في ديننا أفضل القيم على وجه الأرض.. والآيات والأحاديث التي تكرس الحوار الهادف البناء المثمر الناجح كثيرة.. على سبيل المثال عندما أرسل الله رسوله برسالة الإسلام، اقترب من الناس بأسلوب جذاب هادف غير منفر.. وقال لهم: تعالوا نتحاور، فأحدنا على حق والآخر على باطل: “وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ”.

إذا كان هذا أدب القرآن، فلماذا يصر بعضنا على احتكار الحقيقة واحتكار الصواب؟. والبعض الثالث يستخدم كلمات نابية، ولا يدري أن كل إناء بما فيه ينضح. والبعض الرابع ليس لديه منطق.. ومن ليس لديه منطق يجب التشكيك فيه مهما كانت كمية المعلومات التي جمعهما أو المؤهلات التي يحملها.

والبعض الخامس لا يؤثرفيه التعليم أوالتدريب أو الشهادات، حتى وإن كانت عليا، فالحوارمعهم ميؤوس منه؛ لأنه من السهل عليهم أن يخطؤوا عليك ويشتموك. الحوار مظهر حضاري راق، يتطلب راقين في علمهم وفكرهم يحترمون الآخرين، والآخرون يحترمونهم.

نحن كمثقفين ومتحاورين ومواطنين، نتحاور ونتجادل ونختلف ونتفق، وتكون لنا رؤى مختلفة وآراء متباينة، ووجهات نظر متنوعة.. كل ذلك وارد، بل مطلوب، لأنه عادة ما يظهر الرأي الحصيف المناسب من اختلاف وجهات النظر من خلال العصف الذهني المصاحب للنقاش، الذي عادة ما يقف كل فرد على منظور خاص به، ويقدم رأيا مختلفا، وتجتمع في النهاية النقاط الإيجابية من كل رأي، ليتم الخروج برأي قوي شامل يمثل وجهات النظر مجتمعة وكل الجهات المتحاورة. 

هذا هو المطلوب.. وإذا كان ذلك مطلوبا في الأحوال العادية، فإنه مطلوب بشكل أكثر إلحاحا في هذه الأوقات، التي يمر بها العالم بظروف حساسة جدا تتطلب الحكمة في كل ما نختلف فيه ومن أجله، وكيف نختلف، وذلك للحفاظ على وطننا ومكتسباتنا وأنفسنا. وأرى أنه إذا تعدى الأمر ذلك يجب أن يوقف عند حده من يشكل خطرا على وحدتنا ولحمتنا وأمننا، ليس من قِبل الدولة فقط، لكن أيضا من قبل المجتمع بكل فئاته ولكائنٍ من كان.

نعم لدينا مشكلات، ونعاني من سلبيات، ونواجه صعوبات.. كل ذلك موجود، لكن كيف نتعامل مع كل ذلك؟ هذا هو السؤال.. ظاهرة غريبة وعجيبة وخطيرة في نفس الوقت.. يجتمع مواطنون في مجلس، تجمع بينهم المواطنة، تقلهم أرض واحدة وتظلهم سماء واحدة، يشتركون في عامل مهم ومقدس: المواطنة، لكنك ترى جزءا في أقصى اليمين وآخر في أقصى الشمال.. يتحاورون، والحوار أمر مطلوب، وهو من توجهات وسياسات بلادنا التي تكرسها، لكن الخطورة في الأمر أن الحوار بين المتناقشين لا يضع أبعاد وخطورة الفجوة بين المتناقشين على الوطن وأمنه في عين الاعتبار، بل ينظر إلى الانتصار وكسب جولات المناقشة والحوار بصرف النظر عن أي ثمن. هذا ما يسمى اختلاف التضاد. وهذا ما يضعف أبناء الوطن والوطن نفسه. 

الاختلاف مطلوب لكنه اختلاف على الآليات المؤدية لأهداف، وليس اختلافا على الأهداف ذاتها. اختلاف على الآليات، اختلاف تنوع، وهو يثير الحوار ويثري النقاش، ويخرج منه المتحاورون بأفكار جديدة بناءة، لكن اختلاف التضاد إذا اتسعت شقته، كان شرا ووبالا على الوطن وأهله.

يجب أن ندرك ـ مهما اختلفت رؤيتنا أو فكرنا أو مذهبنا ـ أن الحوارات الرعناء لا تقلقنا فقط، لكنها تدمرنا، تدمر علاقاتنا، وتدمر أمننا، وتدمر أخلاقنا.. يجب أن نعرف أن المرء ذكرا كان أم أنثى هو ابن هذا الوطن وبنت هذا الوطن، ويعيشون بيننا.. صلاحهم يعود علينا ونفعهم يعم علينا والعكس صحيح.. سلبياتهم تعمنا وشرهم يصل إلينا.. فلماذا لا يحتوي بعضنا بعضا.. ويتحمل بعضنا بعضا؟.. إن الادعاء بامتلاك الصواب واحتكار الحقيقة فيه مغالاة وأمر غير مرغوب.

وخلاصة القول: إن وقوف أبناء الوطن الواحد في صفين متقابلين ومتضادين أمر ليس فيه مصلحة لأحد. وتقسيم أبناء الوطن الواحد وتصنيفهم، ثم التعامل معهم على أساس هذا التصنيف لا يخدم أحدا، وهو أمر خطير على المدى البعيد. 

اقرؤوا التاريخ ـ القريب منه والبعيد ـ لتعرفوا سبب ضعف الدول وأسباب انقساماتها وتفتتها. اقرؤوا التاريخ لتعرفوا العامل الأساسي للتخلف، وكيف تُخترق الأمم. إننا كمواطنين ومثقفين وعلماء يفترض أن ندرك بوعي كامل أن الأمر لا يقف عند إقصاء فرد أو جماعة.. إنها قضية تمس أمن وطننا ومستقبل بلادنا. 

من العيب أن نلتقي في مجلس واحد، مواطنين لبلد عرف عبر تاريخه بالسماحة والمثل والمبادئ والقيم السامية وننعت بعضنا، ونصنف بعضنا، ونقصي بعضنا البعض. 

حتى مع وجود الأخطاء والتجاوزات والممارسات التي لا نقبلها يجب أن نضع مصلحة الوطن أمام كل مصلحة. نقف صفا واحدا مهما اختلفنا، حفاظا على أمتنا، وحفاظا على وطننا. يفترض أن نعي أن ما بنيناه على مدى عمر بلادنا هو أمانة عندنا لأجيالنا القادمة. إن اختلاف التضاد بين أبناء الوطن الواحد أمر غير مقبول لكل عاقل، وإن تكريسه أمر خطير ليس في مصلحة أحد. 

وإن التقاءنا على المواطنة أمر لم يعد ترفا في هذا العصر. إن من يحضر بعض الحوارات في مجالسنا يصاب بالفزع بين الخلاف، وليس الاختلاف بين المتحاورين وكأننا من كواكب مختلفة. 

والأمر الذي يزيد حيرة أن هذا يتم بين طبقة المثقفين الواعية، الذين يفترض أن يكونوا على درجة كبيرة من الوعي بأن هذا الخلاف لا يصب في مصلحة أحد، ومن أولهم المتحاورون أنفسهم. لنكرس ثقافة اختلاف التنوع الذي يحقق لنا الاتفاق على الأهداف التي تحفظ أمتنا وتضمن تقدم بلادنا، وننبذ ثقافة اختلاف التضاد التي توسع الشقة وتفرق اللحمة، فنحن وبلادنا لا نستحق هذا ولا نستحق ما سيؤدي إليه، لا سمح الله.

————–

نقلاً عن الوطن أونلاين 

-- علي الخبتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*