الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المصريون.. هيبة وقوة الدولة!!

المصريون.. هيبة وقوة الدولة!!

واجهت مصر تحديات جسام في تاريخها المعاصر تجاوزتها بعد كفاح مرير لقادتها وقواتها وشعبها عام 1956، فبعد ثورة 1952 هاجمت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر وتصدت البلاد للعدوان الثلاثي (بقوة) 

وفي مقدمة الدول التي وقفت إلى جانب ذلك البلد المملكة التي وقفت إلى جانب أشقائنا المصريين حتى أنها قطعت علاقاتها الدبلوماسية بكل من بريطانيا وفرنسا ولم تعدها إلا بعد أن أعادت مصر علاقاتها بتلك الدولتين بأشهر. 

لم تقف الصعاب التي واجهتها مصر عند ذلك الحد، بل جاء ما هو أدهى وأمر (نكسة) 1967 عندما احتلت إسرائيل كامل سيناء بدعم صارخ أمريكي وغربي، فجاءت الوقفة الشجاعة للملك فيصل -رحمه الله- إلى جانب الشعب المصري، فكان مؤتمر الخرطوم الشهير ليكتب التاريخ سطراً جديداً بحروف من ذهب بين المملكة ومصر، فالملك فيصل -رحمه الله- كما يسرد لنا التاريخ السياسي، قدم للرئيس عبد الناصر -رحمه الله- الدعم المادي مبلغاً مبدئياً حوالي (500) مليون دولار آنذاك رغم أن أسعار البترول في تلك الفترة من تاريخه لا تتجاوز الـ (2) دولار للبرميل، أي أن الملك فيصل سخر جزءاً كبيراً من موارد بلاده لدعم مصر وجيشها وشعبها ناهيك عن الدعم اللوجستي وغيره. 

وخلال حرب الاستنزاف ضد العدو الصهيوني استمر الموقف الثابت السعودي داعماً قوياً لمصر، وفي حرب شهر رمضان المبارك 1973 كان التنسيق بين الملك فيصل والرئيس أنور السادات -رحمهما الله- قد بلغ حد قرار (المعركة) الفاصلة بعد بناء (القوة) بشروطها ومقوماتها المعروفة فقضت تلك المعركة التاريخية بشهر رمضان المبارك على غطرسة وأحلام وصلف وعناد وطموحات جيش الدولة العبرية الذي انكسر وتحطم على مطرقة القوة المصرية المضادة بدفع سعودي (بقوة) غير محدودة، جعلت السادات يطلق على الفيصل -رحمهما الله- (بطل المعركة) وخرج من رحم تلك الحرب عودة الأراضي المصرية إلى الحضن المصري، ثم جاء دور طابى بتحكيم عادل لتحرر مصر كل شبر من أراضيها. 

اليوم مصر بعد ثورة 25 يناير 2010 تواجه تحديات وأخطار يمكن وصفها بأنها أفدح وأعظم تهديداً للبلاد رغم أن مصر تبسط سيادتها على كل شبر من أراضيها، من التحديات الجسام التي تتعرض لها أنها منذ أول يوم لثورة التغيير لنظام قديم إلى نظام سياسي جديد والبلاد تعيش فوضى عارمة مظاهرات واعتصامات واضطرابات وعصيان مدني وتدمير لبعض المنشآت الحيوية والبنية الأساسية ومحاصرة بعضها. 

ماذا خرج ويخرج من رحم هذا؟ عدم استقرار أمني وسياسي ملحقاً الضرر الجسيم في الاقتصاد والتنمية، وامتد أثره لينتشر الفساد والفقر والبطالة ولترفع البلطجة رأسها عالياً تعوث فساداً في البلاد والعباد تحت ستار الفوضى السائدة في طول البلاد وعرضها. 

المهم أن البلاد ترزح تحت طائلة وضع خطير في ميدان الاستقرار الأمني والسياسي والوضع الاقتصادي المتردي الذي تؤكده الأرقام التي لا تكذب، فعجز الموازنة العامة حتى يناير 2013 بلغ حوالي 120 مليار جنيه، أي ما يعادل (6.7) في المئة من إجمالي الناتج المحلي، والديون الداخلية والخارجية أكثر من 1.3 ترليون جنيه، وهو مستوى يبلغه لأول مرة في تاريخ البلاد مما دفع الدولة إلى دخول في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لاقتراض (4.8) مليار دولار. 

ليس هذا فحسب بل تراجع الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية ليبلغ مستوى متدن (13.4) مليار دولار نزولاً من حوالي (36) مليار دولار قبل أكثر من عامين، وهذا الاحتياطي هو الضامن لدفع مستحقات المشتريات من الواردات خاصة الدواء والوقود والسلع الغذائية لتشهد السوق المصرية موجة غلاء أسعار غير مسبوقة زاد من حدتها انخفاض العملة المصرية أمام الدولار. 

وإذا كان الاحتياطي في نضوب مستمر، والميزانية تواجه عجزاً غير مسبوق والدين العام في وضع خطير، فإن قطاع السياحة الذي انخفضت مساهمته في عام 2012 لتبلغ (10) مليار دولار هو الآخر نال نصيبه من التدني ليؤثر على اقتصاد الدولة بل ومنسوبي ذلك المورد الهام الذي يضخ أموالاً طائلة في عروق الاقتصاد ويضم نسبة كبيرة من العمالة المصرية المدربة والمؤهلة. 

وإذا كانت مصر اليوم تواجه تحديات جسام جئنا على بعضها فإننا لابد أن نبرز دور الاستثمار في الدول التي تنعم في مناخ استقرار أمني وسياسي، فالاستثمار سواء كان أجنبياً أو وطنياً يبحث عن تلك العنصرين الهامين، ويبتعد عن الأسواق المحفوفة بالمفاجآت والمخاطر، ناهيك الهزات العنيفة التي تعرضت لها سوق الأوراق المالية وخروج البعض مغردين خارج عباءتها، والضمانة الوحيدة لجذب الاستثمار توفر الأمن والاستقرار بمفهومها الواسع ودعم حلقته بالقوانين والتشريعات. 

ما هو الحل؟ إنه بيد المصريين حكومة ومعارضة لا بيد غيرهم، فالاضطرابات السياسية المستمرة واهتزاز صورة الأمن إلى مستوى شديد الخطورة، من يوقف اندفاعه إلى الهاوية؟ .. هم أهل مصر.. قادته.. أهل الحل والعقد والعقلاء والحكماء من العلماء والمفكرين والأكاديميين والسياسيين والمثقفين والإعلاميين والدبلوماسيين والعمال والفلاحين وكل الأحزاب..الخ، فوحدة صفهم وتعاضدهم وتوحدهم على كلمة الحق هي طوق النجاة، قال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) آل عمران 103. 

مصر التي مدحها الله جلت قدرته وطهرها من المستبد فرعون قال تعالى (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) الدخان 25، الله سبحانه وتعالى أراد لمصر الخير فأنجاها من فرعون وزمرته، فحري بأهل ذلك البلد الشقيق منبع العلم والثقافة والفكر أن يتحدوا ويتآزروا صفاً واحداً كأسنان المشط، فالرسول صلى الله عليه وسلم وصف أهلها بالكرم والطيبة وعلو الطباع فقال صلى الله عليه وسلم (إذا فتحتم مصراً فاستوصوا بأهلها خيراً). 

إن مصر واحدة من أغنى بلاد العالم ثروة في العنصر البشري من سكانها الذين تخطوا الـ (90) مليون نسمة، وتزخر أراضيها ومياهها بالثروات الطبيعية من النفط والغاز والمعادن النفيسة، وهي محطة كبرى للسياحة في العالم بمعالمها وآثارها وحضارتها التي تعود لأكثر من (6) آلاف عام، وقناتها الشهيرة ذات الموارد السنوية التي تزيد على (5) مليارات دولار، وقطاعها الزراعي الكبير، وتحويلات المصريين في الخارج الذين يزيد عددهم عن (8) ملايين، هي مصر التي قال عنها تعالى (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) البقرة 61. 

المصريون بلادهم بلاد خيرات ونعم كثيرة لا ينقصها إلا الأمن والاستقرار السياسي، فالأمن نعمة عظيمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها وهو مطلب الناس أجمعين، قال تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) الانعام 82، وفي ظل الأمن يذوق الإنسان طعم الحياة الاجتماعية، يستطيع تبادل المنافع مع الناس بكل حرية وطمأنينة، بل إن سعادة الدنيا ونعيمها في تحقيق الأمن تصديقاً لقول نبينا صلى الله عليه وسلم (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) أخرجه ابن ماجه في السنن. 

إن مصر تتعرض لفتن داخلية ومؤامرات خارجية، فالكثيرون هم الذين يتربصون ببلد الخيرات، وأهل مصر هم الذين يتصدون لتلك التحديات بتجنيب خلافاتهم بالحكمة التي هي ضالة المؤمن فأين وجدها فهو أحق بها من غيره، وهم يعلمون علم اليقين قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ومن معه (تطاوعا ولا تختلفا)، هذا قول شريف وحكمة عظيمة، وفي التلاحم والوقوف صفاً واحداً ونبذ الخلافات بالاجتماع على كلمة واحدة والوئام والصبر والعمل والتضحيات من أجل الوطن والتسامح والصفح هو من شيم الرجال المؤمنين المخلصين لدينهم ووطنهم المغلبين مصلحة الأمة على مصلحة الفرد وبلوغ المجد (والقوة) على مال أو منصب أو جاه ينتفع به. 

إخواننا وأشقاؤنا في مصر في هذا الوقت العصيب من تاريخهم المضيء سيجدون ضالتهم في الحوار الجاد البناء، فهو اختبار للحقيقة والكشف عنها، فالحوار على مدى عصور التاريخ الإنساني ظل مؤثراً في حركة التاريخ والأمم وعنصراً مساعداً على استتباب الأمن الداخلي والاستقرار السياسي على أرض الواقع، وهو قوة دفع حقيقية لاستقرار الاقتصاد والتنمية والاستثمار والسياحة وجني لثمرات ثروات البلاد والازدهار والرقي، وبه تبادل للآراء والرؤى والأفكار وهو الأمل المنشود، وهو الترياق الشافي من الأمراض والعقد الفكرية والثقافية التي تسبب الاختناقات السياسية وتؤدي إلى الاضطرابات والتجاذبات والتباينات والتناحر والصراعات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية، إنه رسالة الأمن والاستقرار في كل جوانبه والبعد عن العنف والفوضى والاحتراب وضمان هيبة وقوة الدولة في ظل أحداث سريعة خطيرة تمر بها بلاد (أم الدنيا) لتعلن آفاقاً جديدة شهدتها وتشهدها البلاد لا يعلم مداها إلا الله. 

dreidaljhani@hotmail.com 

رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الاستراتيجية 

===================

نقلا عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.عيد بن مسعود الجهني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*