السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مركز الحوار الوطني والإعلام الجديد

مركز الحوار الوطني والإعلام الجديد

ينتابني كثير من الحزن وأنا أتصفح موقع يوتيوب لما يحتويه من مقاطع يهدف ناشرها للإساءة لشخصية عامة أو أسرة، أو منشأة خاصة أو حكومية، أو هيئة أو جمعية أو جماعة أو طائفة بابتسار المقطع من سياقاته بطريقة حمل المتشابه على المُحكم ابتغاء الفتنة والتأويل لمصلحة الناشر بما يعزز موقفه أو رأيه ويضر بالطرف الآخر، والأمثلة كثيرة ولا حصر لها، والأمر ذاته ينطبق على موقعي تويتر وفيسبوك وغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي.

بل إن الأمر وصل إلى ما هو أسوأ من ذلك، حيث يستخدم بعضهم التقنيات الحديثة للكذب وتزوير الحقائق باستخدام حسابات مزورة واستخدام الفوتوشوب وغيره من البرمجيات لدمج الصور وإنزال الأصوات عليها بطريقة الدبلجة، وكل ذلك يأتي في سياق تضليل المتلقي ليتخذ مواقف وسلوكيات تتناسب وهوى ومصلحة الناشر أو جماعته أو حزبه وطائفته، وبالتالي فإن المتلقي اليوم الذي يتعرض لكم هائل من المعلومات بات أمام مشكلة كبيرة تتمثل في الكذب والتزوير والتدليس؛ ما يحمّله مسؤولية التثبت من صحة ودقة ما ينشر ليتخذ المواقف والسلوكيات الصحيحة ولا يتورط بما نصب له من فخاخ.

وإذا علمنا أن الإعلام الجديد، أو ما يسمى وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح مؤثراً بشكل كبير في نشر المعلومات والمعارف وتشكيل المواقف وتحريك الجموع لتكون داعماً للناشر وعائقاً لمخالفيه أو أعدائه لأدركنا مدى أهمية توعية أفراد المجتمع بأساليب الكذب والتزوير والتدليس والتضليل في هذه المواقع كي يستطيعوا تمييز الكاذب من الصادق والقطعي من الظني لتكون مواقفهم وسلوكياتهم صحيحة بما يتوافق وغايات الدولة في تحقيق التسامح والتعايش والوسطية والاعتدال عبر الحوارات الإيجابية الفاعلة التي تصب في مصلحة أفراد المجتمع والوطن بالمحصلة.

استمتعت بمشاهدة حلقة للشيخ عبد العزيز الفوزان حول المُحكم والمتشابه في القرآن الكريم حين شرح فضيلته معنى قول الله تبارك وتعالى في سورة آل عمران (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)، حيث بيّن أن الآيات المحكمات هن آيات قطعية الدلالة وواضحة، والمتشابهات آيات يحتملن التأويل، وبيّن أن المؤمنين يحملون المتشابه على المحكم ومن يريد الفتنة والتأويل لصالحه من ملل ونحل وتيارات وأفراد يفعلون العكس.

ومن جميل ما أضافه أن الضالين والمدلسين والكاذبين يفعلون ذلك مع الأفراد والجماعات والأحزاب، حيث إنهم عندما يريدون أن يخطئوا كاتباً أو داعيةً أو سياسياً أو مسؤولاً أو مفكراً ما يحملون المتشابه مما قيل أو ما نشر أو ما بث على المحكم أو يخرجون حديثاً أو مقطعاً أو جملةً مبتسرة من السياقات العامة ليتحقق لهم ما يريدون من طعن وهمز ولمز وإساءة للآخر الذين يكرهونه ويبغضونه ويريدون أن يتخذ الناس منه موقفاً وسلوكاً سلبياً. وللأمانة لطالما قرأت ورأيت وسمعت مثل هذا كثيرا، وظني أن هذا قدر كثير من الناجحين والعاملين والمبدعين من الكسالى والحاقدين والضالين والآفاكين الذين لا هم لهم سوى تتبع عورات وهفوات وزلات وأخطاء الآخرين وتضخيمها فإن لم يجدوا استخدموا حيل التدليس والتضليل والتزوير والكذب.

أما وأنه بات علينا أن نوعي المجتمع في التعاطي مع كل فاسق يأتينا بخبر، أو ينقل لنا مقولة أو خطابا ليتبينوا أفراده قبل أن يصيبوا قوماً بجهالة فالأسئلة المهمة التي تظهر أمامنا هي: من يوعي أفراد المجتمع بكيفية التعامل الإيجابي مع وسائل التواصل الاجتماعي ”الإعلام الجديد” الذي مكّن كل فرد من صناعة المحتوى ونشره أو بثه؟ من يرفع معرفة أفراد المجتمع بأساليب الكذب والغش والتدليس والتزوير في وسائل التواصل الاجتماعي ليصبحوا أكثر قدرة على كشفها وإخماد فتنتها وإضعاف آثارها السلبية على الفرد والمجتمع والوطن؟ مَن الجهة التي يمكن أن تتكفل بإعداد استراتيجية توعوية للحد من الآثار السلبية للإعلام الجديد ليكون لدينا مواطن واع قادر على التعاطي الإيجابي معها بما يجنب المجتمع والوطن آثارها السلبية؟

أعتقد أن مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني يمكن أن يكون رأس الحربة في توعية المجتمع بالتعاطي الإيجابي مع وسائل الإعلام الجديد وتوعيته لكشف الكذب والتزوير والتدليس الذي يمارسه كثيرون من خلالها، خصوصاً أن المركز يعمل على نشر ثقافة الحوار بين أفراد المجتمع، وجعله رافداً من روافد الشخصية السعودية، وتمكينها من قيم الحوار وآدابه ومبادئه ومهاراته للوصول للتسامح المثمر للتعايش والمعزز للوحدة الوطنية.

وأعتقد ذلك لأن غالبية ما يدور في وسائل الإعلام الجديد هي نوع من أنواع الحوار لكون هذه الوسائل تمكّن الأطراف من التواصل باتجاهين، ولا شك في أن غياب الوعي بمبادئ الحوار وآدابه وأهدافه، وكون الاختلاف سنة من سنن الله في الكون وأن الحوار الفكري والثقافي والعلمي وفق آداب الحوار هو الذي يصنع الحضارة ويحقق التقدم وليس الرأي الواحد الأقوى والمهيمن، أقول إن غياب ذلك الوعي يتطلب جهداً مؤسسياً مخططاً وفق رؤى استراتيجية وبرامج ابتكارية تتناسب والتطورات الحديثة وفكر الشباب وميولهم واتجاهاتهم الحديثة تنفذ بصرامة ودقة وفق جداول زمنية وتقيم وفق مؤشرات قياس دقيقة وبشكل دوري لتقويم الخطط مرحلياً، وأعتقد أن مركز الحوار يمكن أن يقود هذا الجهد المؤسسي.

ختاماً، نحن نمر بمرحلة إعلامية جديدة بات الإعلام الجديد فيها يقتطع الزمن الأطول فيها من أوقاتنا وبات يشكل الكثير من مواقفنا وميولنا واتجاهاتنا ويحفز سلوكياتنا، وهو إعلام ينتابه كثير من الغش والخداع والكذب والتزوير والتدليس، وما لم تتم توعية الشباب بذلك فقد يأتي وقت نفاجأ فيه بمواقف وسلوكيات لا تعجبنا وتضر ببلادنا وبخططها التنموية، والأمل أن يستجيب مركز الحوار الوطني لما طرحته، والله الموفق.

———–

نقلاً عن الاقتصادية

-- د. عبد العزيز الغدير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*