الإثنين , 5 ديسمبر 2016

جراح اليمن المفتوحة

كان مطهر الإرياني -الناشط القيادي في حزب اليمن الاشتراكي في الحديدة الواقعة على ساحل البحر الأحمر والبالغ من العمر آنذاك 41 عاما- يخشى على سلامته قبل اختفائه بعدة شهور. 

هكذا قال لي ابن عمه، عبد الغني الإرياني، بينما كما نجلس مسترخيين وقت الظهيرة مؤخرا في غرفة المعيشة في منزل أسرته. كان ابن عم صديقي قد أخبر أسرته ألا يأملوا خيرا إذا اختفي لأكثر من 48 ساعة. وفي أحد أيام أكتوبر/تشرين الأول 1982، رجعت الأسرة إلى المنزل لتجد كلمة “وداعا” مكتوبة على ملصق بالحبر الأزرق على حائط غرفة النوم فوق السرير.

يجري اليمن الآن “حوارا وطنيا” للتعاطي مع التحديات الرئيسية التي يواجهها البلد بعد مرور أكثر من عام على الإطاحة بعلي عبد الله صالح الذي حكم فترة طويلة. ومسودة قانون العدالة الانتقالية المعروضة حالياً على البرلمان خير مؤشر على صعوبة هذه التحديات.

يقدم القانون القليل من العدالة لأسر ضحايا ثلاثة عقود من الديكتاتورية التي استفحلت فيها انتهاكات حقوق الإنسان. تضمنت هذه الانتهاكات موجات متعددة من حالات الاختفاء القسري ولا سيما من بين الاشتراكيين والناصريين الذين راحوا ضحية النزاع السياسي الشمالي الجنوبي في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. تفيد تقارير الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري بالأمم المتحدة عن إحالة 102 حالة اختفاء قسري إلى الحكومة بحلول عام 1999. 

“تنص مسودة القانون على إنشاء لجنة تحقيق يكون من مهامها تحديد مصير المختفين منذ انتفاضة عام 2011، لا ما قبل ذلك”

مصير المختفين

تنص مسودة القانون على إنشاء لجنة تحقيق يكون من مهامها تحديد مصير “المختفين” على أن يقتصر نطاق عملها على النظر في حالات الأشخاص “المختفين” منذ انتفاضة عام 2011، مما يغض النظر عن أمثال ابن عم صديقي الذي توضح لنا قصته أدناه أن النظر بصدق إلى العقود الماضية أمر جوهري. 

على الرغم من مطالبة أسرة مطهر الإرياني على الفور بتحقيق جنائي، إلا أن رئيس جهاز الأمن السياسي اليمني طلب منهم بعد عدة أسابيع صرف النظر عن التحقيق، قائلا إن مطهر سيعود إليهم في نهاية الأمر. كان ذلك وفق الأسرة إقرارا ضمنيا من الجهاز الأمني بدوره في اختفاء مطهر. 

على مدار الأعوام استمرت الأسرة في الاستعلام عن مصير مطهر، وكان البعض منهم يُحتجز عندما كانت مثابرته في السؤال تزيد عن اللزوم، ولم يحصل أي من أفراد الأسرة أبدا على معلومات حول ما إذا كان مطهر محتجزا أو لا يزال حتى على قيد الحياة. ولكن ندى العرياني، ابنة مطهر، لم تفقد الأمل أبدا في أن أباها لا يزال حيا يرزق. 

وفي يناير/كانون الثاني 2013، أخبر شخص بجهاز الأمن السياسي ندى أن بعض الأشخاص الذين كانت الوكالة قد احتجزتهم في تلك الأعوام نقلوا لمركز دار السلام الطبي بالحديدة. ذهب زوج ندى فورا إلى المركز مع صورة لمطهر، وبالفعل لاحظ أحد العاملين تشابها بين الصورة وأحد المرضى: رجل له أربعة أسماء مختلفة على ملفه يعاني من فقدان ذاكرة كامل، وتظهر سجلاته أنه أحُضر لمركز الحديدة عام 1994 من مستشفى تعز الثورة، ولكنها لا تتضمن أية معلومات أخرى. 

تبين لأفراد الأسرة من خلال ندوب على جسده أنه هو، وهو يعيش الآن مع ندى. وعلى الرغم من عدم استرداد ذاكرته وعدم قدرته على التحدث مع الآخرين، فإنه يستجيب للموسيقى بل ويندمج في الغناء مع الأغاني القديمة المحببة كلما شجعه الزائرون على ذلك.

“عاد مطهر بعلامات على ظهره تبدو كآثار حروق أعقاب سجائر، وندوب أفقية طويلة على شكل قضيب معدني أسفل ظهره، وثمة ثقب في كاحله الأيسر يبدو أنه ناتج عن مثقاب”

تعذيب وحشي

لا يتفوه مطهر إلا بكلمات قليلة: “صالح”، “إعدام”، وحفنة من أسماء المدن اليمنية. وفي المرات التي رأى فيها أشخاصا بزي عسكري، كما أخبرتني أسرته، كان يرتعد من الخوف ويصبح عدوانيا. وتصف الأسرة علامات على ظهره تبدو كآثار حروق أعقاب سجائر، وندوب أفقية طويلة على شكل قضيب معدني أسفل ظهره. وثمة ثقب في كاحله الأيسر يبدو أنه ناتج عن مثقاب. كذلك خلص الطبيب من مطالعة الأشعة المقطعية إلى أن هذا الرجل تعرض للعديد من الضربات القوية على رأسه مما أدى إلى شلل النصف الأيمن من الجزء العلوي من جسمه والجزء السفلي بداية من خصره. 

لاتزال الأسرة تضغط على الحكومة لإجراء اختبار الحمض النووي للتأكد تماما من هويته. وبمجرد الحصول على نتائج إيجابية، تفيد الأسرة أنها قد تطالب الحكومة على نحو حاسم بفتح تحقيق مستقل وموثوق في القضية، على الرغم من تشكك ندى من أن التحقيق قد يقدم يوما إجابات حقيقية عن اختفائه. 

توفيت فوزية، زوجة مطهر، منذ تسعة أعوام، وحتى نهاية أيامها كانت تعتقد -وفق أسرتها- أن مطهر ببساطة قد هجر المنزل وأنه بدأ حياة جديدة في مكان آخر بعيد. 

مؤخرا قامت العديد من أسر مئات المختفين باليمن بالعقود الماضية، والتي لا تزال تشعر بألم الاختفاء وكأنها جروح مفتوحة، برسم وجوه أحبائها المفقودين على الحوائط في شتى أنحاء صنعاء كجزء من حملة احتجاجية. فقد أعاد اكتشاف الإرياني الأمل من جديد ودفع هذه العائلات إلى البدء في البحث مرة أخرى عن أحبائها من مركز إلى مركز في جميع أنحاء البلد. وتبقي حقيقة واضحة وهي أن هذه الأسر لا تزال تبحث عن الحقيقة.

***********

المصدر:الجزيرة

-- بلقيس واللي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*