الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بين الاعتدال والتشدد.. س وَ ص نموذجاً

بين الاعتدال والتشدد.. س وَ ص نموذجاً

تستحوذ العادة في الغالب على النصيب الأكبر في تشكيل الشخصية؛ شخصية الأسرة تنسحب بطبيعة الحال على الأفراد وقد يُعزى تغلغل العادة في النسيج الاجتماعي في السابق إلى محدودية المعرفة قياساً على عدم توافر الإمكانات المعرفية فضلاً عن عدم الاحتكاك بالعالم الخارجي، مما يتيح لسطوة العادات التربع على الخلفية الفكرية للشخص والتي غالباً لا تعدو عن كونها تقليداً لا فهماً للمعطيات التي في ضوئها يتم الرفض أو القبول ووفق دراية بالسياقات الدلالية للمعنى المراد تطبيقه. 

وللاستمالة نحو حب الشيء والحث على فعله فإن هناك شقين في هذه المسألة، الرغبة والرهبة فيتم الاتكاء على الرهبة كمعيار مع وجود الرغبة أو بمعنى أصح الترغيب إلا أنه أقل حظاً، مع أن المفترض العكس هو الصحيح. قال تعالى: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)، فتقدمت الرغبة على الرهبة، وربما يكون أيضاً لافتقار أدوات الإقناع لعدم توافرها أو الخوف المبالغ فيه فضلاً عن ارتباط الموروث بهذا النسق من صفات تغلّب فيها العاطفة على العقل في قياس بعض الامور، وسأسوق مثالًا لشخصيتين يعيشان في منزل واحد اي انهما اشقاء والحوارات التي تدور بينهما وسأرمز اليهما ب س وهي الشخصية المتوازنه والتي تميل الى الاعتدال وص الذي يميل الى الغوص في الشكل دون المحتوى او بالأحرى التحليل، نشأ هذان الشابان س وص ونسبة ليست باليسيرة من الخوف تسيطر على مشاعرهما، كبر س وكبر ص ومع هذا الكبر اتسعت المدارك لتضيف إلى الذهن مساحات أكبر من حيث التفكير والتحليل والاستنتاج، اتجه س وص إلى المدرسة وانخرطا في المسيرة التعليمية والتي رفعت من مستوى الإدراك والفهم، إلا أن الجو العام تغلب عليه الصفة المتوارثة وهي الترهيب بهذا الخصوص غير أن الأذهان بدأت في التحرر نوعاً ما من الوصاية وتفعيل الطاقة الذهنية.

 بدأت ملامح التشكيل في الشخصية تتضح إلى حد كبير بين س وص خصوصاً بعدما اجتازا المرحلة الثانوية، كان س نوعاً ما أكثر انطلاقاً من ص الذي يفضل الانطواء والعزلة، نتيجة للشعور بالذنب على التقصير الذي بات يلازمه كنتيجة طبيعية لسيطرة الخوف على الشعور الذي بات يحاصره وتكليف النفس ما لا طاقة لها به وتنحية لواحة التسامح الوارفة ومغفرة المولى تبارك وتعالى للمستغفرين، قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) وعندما تكون القراءة خاطئة وأقصد الفهم فإن التصرف ينسحب على ذات الخطأ عن حسن نية وسوء فهم، س شق طريقه في الدراسة وكذلك أخوه ص وكان يدور الحوار بينهما

س – لماذا يا أخي أراك حزيناً دائماً، لا تفرح ولا تخالط الناس؟

ص – كيف أفرح ألا تخاف الموت؟

إبراهيم – ومن منا لا يخاف من الموت، كل يخاف من الموت ولكني مؤمن بأن لكل نفس أجلاً، وهذا لا يمنع بأن أستمتع في حياتي وأعيش مع حفاظي على الواجبات، وحرصي على ديني أي أن التمتع في الأسباب التي خلقها الله واباحها لايضعف من يقيني

سالم – ولكن نحن مقصرون.

إبراهيم – ومن قال لك غير ذلك ومن يبلغ صفة الكمال والكمال لله وحده، وأنت بجلدك ذاتك تجنب نفسك أموراً يسرها الخالق لك.

سافر س إلى الخارج للدراسة، وكان بين الحين والآخر يكلم أخاه ص، ونظراً لتكلفة المكالمات فإن الحديث يكون عن الأحوال دون الغوص في المسائل الأخرى، عاد س إلى وطنه بعدما انهى دراسته وص لم يكن يعجبه س حينما يتحدث عن الحياة هناك، والبساطة والألفة التي ساهمت في مواصلة تحصيله العلمي، حيث أن الكل كان متفهماً لظروفه وكانوا يحترمون تمسكه بمبدئه وعقيدته من حيث المحافظة على الصلوات، والصيام، وغير ذلك من الواجبات، وكان ص يتحدث عن هؤلاء الناس وأنهم كفرة، فيدور الحوار التالي:

ص- يا أخي أنا لا أعرف كيف تحملت البقاء مع ناس من غير دينك وملتك.

س – وكيف لي ألا أتحمل وأنا أتعلم خصوصاً وأنهم يحترمون أفكاري ولا يحتقرونها بل ويقدرون هذا الشيء، ثم إلى متى نظل نعتمد عليهم في كل شيء، أما آن الأوان بأن نتعلم وننقل ما عرفناه وتعلمناه إلى أبناء وطننا، ثم يا أخي يجب أن تخرج من تفكيرك السلبي تجاه الآخرين ألم تقرأ سورة الكافرون؟ ألم تقرأ الآية الكريمة: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) وهل الأولى دعوة هؤلاء الناس إلى الإسلام، أم عدم الذهاب إليهم وتعريفهم بهذا الدين، لا سيما ونحن بحاجتهم خاصة في المجالات العلمية، فهل هناك أفضل من أن تتعلم وتدعو الناس إلى دين الرحمة دين الإسلام الخالد.

تسطيح العقول بفرضيات تجانب المنطق الصحيح ينحي الجوانب الإيجابية ويخنق فرص الإصلاح ويئد الاعتدال في مهده، بدأ س يؤثر إيجاباً على ص في اطار واحة التسامح الغنية بالمفردات والمعاني الدالة على عظمة الإسلام الخالد وخدمة الدين عن وعي ودراية وسعة إطلاع وادباً يمنحه الأدوات اللازمة في التأثير والإقناع استناداً على كتاب الله وسنة رسوله وفي اعتدال يؤسس للمقاربة بين العلوم المختلفة وهكذا التقى س وص في واحة التيسير والتسامح لأن الهدف واحد للجميع، غير أن لكل رؤيته في تحقيق الهدف وتبقى الوسيلة في التحقيق حجر الزاوية فكلما كانت الوسيلة أكثر مرونة وليونة، كلما اخترقت الأحاسيس والمشاعر وخاطبت الوجدان لتأصيل الفهم لا مجاوزته والقفز عليه.

————–

نقلاً عن الرياض

-- حمد عبدالرحمن المانع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*