الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » جِرَابُ عالمِ الجاسوسية

جِرَابُ عالمِ الجاسوسية

عالمُ الجاسوسية عالمٌ متوحشٌ مخيف مجردُ النطقِ به يُشعرك بالفزع والرعب.. فيقفز إلى الذهن ألفُ سؤالٍ وسؤال.. ما الذي يدفع إنساناً ما لأن يوظف نفسه عميلاً لعدو ضد مصلحة وطنه ومجتمعه وأهله وتاريخه!!؟ أهو المال.. أهو الانتقام.. أم هو اختلال التوازن في الشخصية؟ هل هو انهيار القيم الأخلاقية لديه.. أم رغبة منه للوصول إلى الشهرة دون أي اعتبارٍ للأخلاق والولاء والوطنية.. أم غيره!!؟؟ 

على الرغم من السرية والغموض اللذين اقترنا وارتبطا دوماً في كل الأذهان بعالم المخابرات والجاسوسية.. ومع تصور البعض بأنه عالمٌ سريٌ محظور تدور أحداثه خلف أبوابٍ مغلقة وفي صمتٍ تام وتعتيمٍ بالغ وسكونٍ ينافسُ سكون القبور.. إلا أن عشرات الأقلام تجاوزت كل ذلك.. واخترقت جدار الصمت والسرية وكسرت حاجز الغموض لتمنحنا عشرات بل مئات الكتب والمطبوعات التي تتحدث عن ذلك العالم الخاص الغامض والمتناقض.. وحين كتب الروائي [جورج أورويل] روايته الشهيرة والمسماة تاريخاً [1984] أو الأخ الأكبر.. والتي تُصوِرُ أحداثها نظاماً شمولياً يتجسس ويراقب ويرصد كل صغيرة وكبيرة تحدث في العالم.. فهل كان يتصور عندها أن مجرد فكرة في روايته ومن وحي الخيال.. ستصبح في يومٍ من الأيام حقيقة مجسدة نلمسها على أرض الواقع.. فما هي الجاسوسية؟ وهل الجاسوس خائنٌ أم بطل.. أم هو الاثنان معاً؟ ثم ما الذي لعبه ويلعبه الجاسوس عبر التاريخ..!!؟ 

أعتقد أن القارئ الكريم ليس بحاجة لإعطائه معنى مرادفاً لكلمة جاسوسية.. فالكلمة أشهر من أن تُعطى مرادفاً أو وصفاً للتعريف بها.. فالتنصت واستقراء المجهول وكشف الأسرار التي قد تُشكلُ خطراً لم يكن شيئاً جديداً.. لقد مارسه الإنسان داخل المجتمعات البشرية منذ بدء الخليقة.. وعلى مر العصور ظهر الملايين من الجواسيس.. لكن قلة منهم من استطاع أن يحفر اسمه في ذاكرة التاريخ لما لعبوه من أدوار في حياة العديد من الأمم والشعوب.. ولعل أشهر جاسوسين ذاع صيتهما في القرن العشرين هما [الجاسوس الإسرائيلي في سوريا واسمه الحقيقي [إيلي كوهين وعُرِف في سوريا باسم كامل أمين ثابت أما الثاني فهو المصري [رأفت الهجان والذي عُرِف في إسرائيل باسم جاك بيتون أما اسمه الحقيقي فهو رفعت سليمان الجًمال] الأول كان يتجسس لصالح إسرائيل.. أما الثاني فقد كان يتجسس لصالح مصر. تجدر الإشارة إلى أن بعض الروايات تذكر بأن الهجان كان يلعب دورين في آنٍ واحد عميلاً لمصر وعميلاً لإسرائيل. لكن اللافت أن كوهين والهجان تربط بينهما صداقة ومع ذلك فإن الهجان هو من أوقع بإيلي كوهين أخطر جاسوس إسرائيلي. 

ومهما يكن من تناقضات في عالم الجاسوسية.. فخائنٌ ذاك الذي يظن أنه قد اتشح بوشاح البطولة.. يرى ويسمع.. يرصد الحركة وينقل ويصف.. خائنٌ ذاك الذي يتنكر لهويته ووطنه ومجتمعه ويظهر بمظهر البطل الذي يستبسل ويجند نفسه عميلاً ويبيع وطنه وولاءه ومجتمعه للأعداء.. يمدهم بحصيلة من الأسرار والمعلومات الخاصة والعامة عن وطنه وحكومته. 

إن من يقرأ أحداث القرن العشرين وما بعده سيلحظ طفرة هائلة قلبت النظم في عالم الجاسوسية وذلك بسبب تطور أجهزة الاستخبارات بما يتناسب والتقنية الحديثة التي أذهلت أدمغة البشرية.. وعلى ضوئها تغيرت نظريات التجسس التي كانت قديماً تهتم في المقام الأول بالشأن العسكري.. لتشمل دائرة التحليل الإستراتيجي والتسلح والأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية… إلخ. كل ذلك شكل قاعدة هامة لكمٍ هائل من المعلومات الحيوية والتي بتحليلها تتضح أسرار شائكة لمنظومة معلوماتية واسعة ومتكاملة يستفيد منها العدو. 

فإذا كانت الجاسوسية قد بلغت شأواً عظيماً في رسم خرائط سياسة الأطماع والمصالح والنفوذ في كثير من دول العالم فإن منطقتنا العربية لا تخلو من شرائح متباينة لبعض الخونة الذين غلفتهم نشوة الثقة الكاذبة.. وأوهام الطمأنينة ففقدوا نخوتهم وتخلوا عن وطنيتهم وعروبتهم وطوعوا أنفسهم رهن إشارة الأعداء.. ولعل شبكات التجسس والخلايا السرية التي تزرع من وقتٍ لآخر خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي ليست أوهاماً أو تخرصات فشبكات التجسس الإيرانية وجِرابُها التي تحوي ألف ثعبانٍ وثعبان لازالت محاولاتها البائسة الفاشلة تتكرر.. تستثمر خبثها التاريخي الموروث في توظيف عملائها لتحقيق مآربها.. لكن والحق يقال: بوركت جهود رجال الأمن والاستخبارات في وطني المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون فقد برعوا في الصيد أيما براعة. 

zakia-hj1@hotmail.com 

Twitter @2zakia 

—–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- زكية إبراهيم الحجي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*