الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إعادة هيكلة العمل الخيري وتوسيع مجالاته

إعادة هيكلة العمل الخيري وتوسيع مجالاته

الكرم والعطاء والإحسان من الصفات الجميلة المحببة إلى النفس، التي يود الأفراد والشعوب الاتصاف بها. وقد طورت جمعية بريطانية غير هادفة للربح معياراً للإحسان أو العطاء وسمّته مؤشر العطاء الدولي. ويقارن هذا المؤشر بين دول العالم في درجة العطاء، محاولاً إظهار مساعدة الإنسان لأخيه الإنسان. ويأمل أن يؤدي وضع مؤشر للعطاء وترتيب شعوب العالم في هذا المجال، إلى تحفيز شعوب العالم للتنافس في مجال العطاء وزيادة البذل في أعمال الخير. ولا شك في أن هناك بعض الثغرات التي تؤثر في دقة هذا المؤشر الذي يرتب شعوب العالم في العطاء، إلا أنه قد يكون الوحيد الموجود في هذا المجال. وهو مؤشر بسيط يعطي علامة أو درجة لعطاء شعوب معظم دول العالم، ويبنى على نتائج إجابات عينة من مواطني دول العالم. وتوجَّه في المؤشر ثلاثة أسئلة بسيطة لمجيبي المسح الإحصائي، ثم تحدد نسبة أو مؤشر للمجيبين بإيجاب لكل سؤال، ومن ثم يؤخذ متوسط بسيط للمؤشرات الثلاثة، وبعدها ترتب دول العالم على هذا الأساس.

وغطى مؤشر العطاء الدولي 146 بلداً في آخر تقرير لعام 2012، وشارك في الإجابة عن أسئلة استبيانه نحو 155 ألف شخص على مستوى العالم. ويسأل المشاركون عن الأساليب التالية من أعمال الخير التي بذلوها في غضون شهر:

1- التبرع بالمال لأغراض الخير.

2- التبرع بالوقت من أجل أعمال الخير.

3- مساعدة الأغراب أو الأشخاص غير المعروفين والمحتاجين إلى المساعدة.

وجاءت مساعدة الأغراب كأكبر نسبة من أعمال الخير قامت بها البشرية، وجاء التبرع بالمال في المركز الثاني من أوجه أعمال الخير، ثم جاء تخصيص الوقت كأقل أوجه الخير بذلاً. 

ولم يسأل المجيبون على المسح عن كمية المال أو الوقت أو عدد الأشخاص المساعدين؛ لأن الهدف من المسح معرفة رغبة واستعداد الناس لعمل الخير وليس حجمه.

وقد جاءت أستراليا (60 نقطة) وأيرلندا وكنداً ونيوزيلندا والولايات المتحدة في المراتب الخمس الأولى وعلى الترتيب في أعمال الخير، وذلك في آخر تقرير. 

وكنت أتوقع أن تأتي المملكة في مركز متقدم، لكنها جاءت في المرتبة 87، وحصلت على 26 نقطة كمتوسط للمؤشرات الثلاثة، حيث تبرع 25 في المائة من المجيبين في المملكة بالمال في شهر الاستفتاء، بينما تبرع بالوقت عدد أقل أو 9 في المائة من إجمالي المجيبين، ثم جاءت نسبة مساعدة الأغراب كأفضل وجه من أوجه الخير في المملكة بنسبة 44 في المائة من المجيبين. 

وجاءت دول فقيرة نسبياً في مراكز متقدمة، فهذه إندونيسيا في المركز السابع عالمياً، وليبيريا في المركز الحادي عشر. وكانت قطر أفضل الدول العربية والخليجية في مؤشر العطاء، حيث جاءت في المركز 14 تلتها عمان في المركز 19 عالمياً.

وأدت الظروف الاقتصادية الصعبة بعد الأزمة المالية العالمية وكثرة الحروب والكوارث إلى ازدياد عدد المحتاجين، وازدياد الحاجة إلى مزيد من العطاء والإحسان. وعلى الرغم من ازدياد الحاجة إلى مزيد من أعمال الخير، إلا أن تقرير مؤشر العطاء العالمي لعام 2012، أشار إلى أن هناك تراجعاً في أعمال الخير، حيث تظهر بيانات المؤشر للسنوات الثلاث الماضية تراجعاً في رغبة الناس في العطاء؛ ما قد يكون نتيجةً للمصاعب الاقتصادية التي يمر بها كثير من دول العالم، أو نتيجة لتراجع قدرة الداعمين للعطاء وأعمال الخير على إقناع الناس بضرورة التبرع وبذل المزيد لأعمال الخير.

وجاء ترتيب المملكة في هذا المؤشر مخيباً للآمال، وإن كنت أعتقد، وعلى درجة كبيرة من الثقة، أننا من أكرم شعوب العالم ومن أكثرها استعدادا للعطاء وعمل الخير. ومع هذا هناك عدد من العوامل التي تقف خلف تراجع ترتيب المملكة في مؤشر العطاء مقارنةً بشعوب العالم الأخرى، وأول تلك العوامل قيام الدولة في المملكة بتولي كثير من أعمال الخير التي تقوم بها الشعوب في دول العالم. 

وقد يتقاعس كثير من الناس عن فعل الخير؛ لأنه يتوقع أن تقوم الحكومة بالتكفل والصرف على أوجه الخير كافة، فالصرف على المساجد تتكفل بتغطيته الدولة، بينما تعتمد أماكن العبادة في عدد كبير من دول العالم أو معظمها على التبرعات الشخصية، وهذا يقلل من عدد المتبرعين لأعمال الخير. وظهرت الدول التي تدعم فيها الحكومات أعمال الخير في مراتب متأخرة في مؤشر العطاء، وذلك مقارنةً بالدول التي لا تدعم أعمال الخير. 

وتقوم الدولة في المملكة بكثير من أعمال الخير التي يمكن أن يقوم بها الأفراد، فهي تقدم دعما كبيرا للفقراء والأيتام والأرامل والمحتاجين بأصنافهم كافة، وهذا يقلل من حاجتهم إلى دعم الأفراد والجمعيات الخيرية. 

وتقدم الدولة أيضاً دعماً للجمعيات الخيرية التي يعمل فيها في العادة موظفون بأجر، بينما يتبرع الناس في كثير من الدول بأوقاتهم الخاصة لتشغيل الجمعيات الخيرية؛ ولهذا جاء التبرع بالوقت في أعمال الخير في المملكة منخفضاً للغاية، حيث جاءت المملكة في المركز 111 عالمياً في هذا المجال. 

ويرجع تأخر المملكة في ترتيب أعمال الخير إلى أن كثيراً من الناس يقدمون الخير، لكن يفضلون التكتم عليه، كما قد يعود إلى ضعف البنية الأساسية للعمل الخيري المنظم وتراجع قدرات وطاقات الجمعيات الخيرية في حث القادرين على التبرع بالمال أو الوقت والجهد لأعمال الخير. 

وأثرت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) سلباً في العمل الخيري في المملكة، وتسببت في تخوف الكثير من التبرع لأعمال الخير خوفاً من الملاحقات القانونية المجحفة. إن هناك حاجة ماسة إلى إعادة هيكلة العمل الخيري في المملكة وتوسعة مجالاته ليشمل مجالات لم نسمع بها قبل الآن، ولترفع كفاءة الصرف والعمل فيه ويتصفا بشفافية ومصداقية عاليتين. 

كما ينبغي تطوير موارده البشرية لتكون قادرة على مواكبة التطورات الحديثة والتقيد بالمعايير عالية الجودة، وتشجيع ذوي الكفاءات على التبرع بالوقت والانخراط في العمل الخيري.

————

نقلاً عن الاقتصادية

-- سعود بن هاشم جليدان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*