الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحوار بين أصالة المبدأ وسوء المقصد

الحوار بين أصالة المبدأ وسوء المقصد

إن الحوار أسلوب من أساليب الاتصال، ووسيلة من وسائل الإقناع، وسبيل من سبل إحقاق الحق وإقامة العدل، لكنه لا يكون مثمرا إلا إذا صدقت فيه النيات، وحسنت له الغايات.

والحوار في أصله مشروع بالكتاب والسنة، ومندوب إليه لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإزالة الشبهة وإقامة الحجة وإظهار الحكمة.

وقد كثرت الحوارات في القرآن الكريم خاصة، فمنها حوارات بين الخالق سبحانه وتعالى وخلقه، وحوارات بين الرسل وأقوامهم، وحوارات بين دعاة الحق ودعاة الباطل، وغير ذلك. وكثير من الحوارات جاءت في السنة النبوية، ومضى الناس على ذلك الأئمة والمصلحون والمربون والمفكرون كلهم يحاور ويستخدم الحوار كوسيلة للاتصال والإقناع والتصالح.

فمن حوار الخالق سبحانه وتعالى مع خلقه حواره جل جلاله مع ملائكته حول استخلاف الإنسان في الأرض بعد خلقه، قال الله عز وجل:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.

قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.

قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ.

فَقَالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

قَالُوا: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.

قَالَ: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ. فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ،

قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة:30-33].

لقد سمح الله عز وجل لملائكته أن يبدوا رأيهم في استخلاف آدم عليه الصلاة والسلام وذريته في الأرض، فأبدوا رأيهم الناتج عن علمهم القاصر ليس اعتراضا على الله تبارك وتعالى ولا اعتراضاً على حكمه، ولكن إبداء للرأي حسب العلم كما أراد الله عز وجل منهم، وأراد الله عز وجل من وراء ذلك إظهار علم آدم عليه الصلاة والسلام وبيان منزلته وفضله.

وحاور الله عز وجل من رسله نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم عليهم الصلاة والسلام، قال الله عز وجل في حوار مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام:

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى.

قَالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟

قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.

قَالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260].

وأعظم من ذلك كله في الدلاله على أهمية الحوار وعناية الله به أن الله عز وجل حاور أشد خلقه كفرا به وأكثرَهم معصية له إبليس الرجيم، قال الله عز وجل:

{قَالَ: يَا إِبْلِيسُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ؟ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ؟

قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.

قَالَ: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

قَالَ: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.

قَالَ: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ.

قَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.

قَالَ: فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ. لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 75 – 85].

فهذا حوار من الرب العزيز الجبار جل جلاله مع هذا الشيطان الرجيم من أجل إقامة الحجة وبيان المحجة.

وأما حوارات الرسل مع أقوامهم، وحوارات دعاة الحق مع دعاة الباطل فشيء كثير.

وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحاور المشركين في مكة، ثم بعد هجرته إلى المدينة حاور أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أما اليهود فكانوا من سكان المدينة، وأما النصارى فقدموا عليه من نجران، فكان له معهم حوار طويل نزل ببيان قضاياه آيات من القرآن الكريم، وذلك في نحو مائة آية من سورة آل عمران.

وقد بين الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم الأدب في مجادلة أهل الكتاب فقال جل جلاله: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]. وهو أدب عام يجب أن يتأدب به المحاور مع من يحاوره من أي صنف كان.

بل إن الله عز وجل قد جعل المجادلة والحوار إحدى أهم وسائل الدعوة إلى دينه فأمر بها رسوله الكريم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، قال الله عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].

فالحوار لا شك في مشروعية أصله، ولا جدال في أهمية استعماله؛ بل إن الحوار وسيلة ضرورية للاتصال بالآخرين من الموافقين والمخالفين للإقناع أو التصالح، أو تحقيق أي غاية أخرى محمودة من غايات الحوار، غير أن الحوار لابد له من توافر شروط ليكون حوارا حقيقيا منتجا لا جدلا عقيما، أو اسما لا حقيقة له.

لاسيما الحوار بين المسلمين لابد أن تتوافر فيه شروط تنسجم مع عقيدتهم وشريعتهم:

فأول هذه الشروط: صدق النية وحسن القصد:

قال الله عز وجل: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]. فإذا صدقت الإرادات وصلحت النيات وفق الله عز وجل لإصلاح ذات البين، وحسم مادة الخلاف.

وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي اللع عنه قال: قال رسول الهدى صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» [رواه البخاري ومسلم].

فالهجرة وإن كانت من الأعمال الصالحة إلا أنها بسبب سوء المقصد تتحول إلى مجرد صورة هجرة وليست هجرة حقيقية، وكذلك الحوار يتحول بسبب سوء المقصد إلى مجرد صورة حوار لا حوارا حقيقيا.

وأعظم من ذلك أن يستخدم الحوار كوسيلة للالتفاف على المحاور، والاستفاده من حضوره لإضفاء الشرعية على الحوار، وتمرير بعض القرارات التي لم تكن لتمرر لولا حضوره. فهذه لعبة قذرة كثيرا ما يستخدمها المتنفذون الذين يخططون تخطيطا رهيبا، ويمكرون مكرا كبارا.

والشرط الثاني:

أن يكون الكتاب والسنة هما المرجع عند التنازع والاختلاف: قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].

روى الإمام الطبري رحمه الله تعالى عن مجاهد: ” في قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59] قال: {إِلَى اللّهِ} إلى كتابه، وإلى {الرَّسُولِ} إلى سنة نبيه “. وهذا معنى متفق عليه.

والشرط الثالث:

أن لا يكون الحوار بين المسلمين في المسلمات الدينية، والأمور القطعية التي أجمع عليها المسلمون أو جاءت فيها النصوص الظاهرة التي لا تحتمل تأويلا، فما قضى فيه رب العزة جل جلاله قضاء ظاهرا أو قضى فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قضاء ظاهرا فليس للمسلم خيرة ولا مجال فيه للحوار، قال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

وإنما يعرض للحوار المسائل الاجتهادية الخلافية، وتعرض على العلماء، و الأمور الإدارية والتنظيمية وتعرض على المختصين.

الشرط الرابع:

العدل: فالعدل شرط في المعاملة ولو مع المخالف المنازع والعدو المبغوض، قال الله عز وجل، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]. ومعنى {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا}: لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا.

وغير ذلك من الشروط.

وإذا ما تأملنا فيما يسمى بالحوار اليمني لم نجده قد التزم شرطاً واحداً من هذه الشروط الضرورية للحوار الحقيقي المنتج:

أما صدق النية وحسن القصد فأبعد ما يكون عن هذا الحوار، فهذا الحوار مرعي من قبل دول الكفر، ترعاه الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي جاء إلى اليمن ليعقد اجتماعا في صنعاء إعلانا للهيمنة، وضغطا على الحكومة والقوى السياسية، وحرصا على إقامة هذا المؤتمر، ولا شك أنهم لم يفعلوا ذلك حبا لنا ولا من أجل سواد أعيننا، وإنما من أجل تحقيق مصالحهم، وتمرير قراراتهم التي تمسخ المجتمع اليمني، ولست محتاجا إلى كثير جهد حتى أبرهن على سوء مقاصدهم وخبث طواياهم؛ لأن الله عز وجل قد نص على هذا نصا في كتابه العزيز فقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]. صدقت يا رب قد بينت لنا الآيات ولكن أين من يعقل؟

وأما الشرط الثاني: وهو أن يكون مرجع الحوار وفصل النزاع هو الكتاب والسنة كما أمر الله عز وجل فقد عرض ذلك على اللجنة الفنية للحوار الوطني من قبل العلماء فرفض الطلب، وقالوا: لا مرجع للحوار غير الحوار، ولا فصل غير قاعة الحوار.

وأما الشرط الثالث: وهو ألا تدخل الثوابت والمسلمات القطعية في قضايا الحوار، فهو شرط غير مقبول، وكيف يمكن أن يقبل هذا الشرط من اللجنة الفنية للحوار وهو تعرف مسبقا أن المقصود الأعظم من هذا الحوار هو تغيير بعض مواد الدستور التي ترفض كل من يخاف الكتاب والسنة من القرارات الدولية، تعرف مسبقا أن ثمة مواد غيرت صيغتها حتى تكون متوافقة مع قرارات الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها لاسيما فيما يتعلق بالمرأة، والقرارات التي صدرت من قبل مؤتمرات المرأة مما يتنافى مع دين الإسلام، ويتعارض مع الأخلاق والقيم.

وأما الشرط الرابع: فلم يكن العدل موجودا منذ بداية الترتيب للحوار فيما يتعلق بالتمثيل ونسب التمثيل، فقد همش العلماء من هذا المؤتمر ككيان من كيانات المجتمع مع أنهم بهيئاتهم واتحاداتهم، ورفض وجودهم فيه بالكلية، وهذا أمر يثير الريبة! لماذا يستعبد العلماء الذين هم أولى الناس على الإطلاق بحضور مؤتمر ستصاغ فيه كليات ومبادئ الشعب اليمني، وستصاغ فيه مواد الدستور اليمني؟ والعلماء هم «ورثة الأنبياء» كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

واستبعد من الحوار أعيان اليمن من مشايخ القبائل وكبار التجار وانتقي منهم فقط من هو مستبد ممن بيده أمر البلاد والعباد.

وهضم في نسب التمثيل الكثير من الأحزاب، وهضم كذلك شباب الثورة وشباب الحراك الذي رفض هذا الحوار بالكلية.

وقد اتسم التمثيل لمؤتمر الحوار بالانتقاية وإعطاء نسب مفروضة من قبل دول الكفر، وأعطي الحظ الأوفر من ذلك للمرأة، بقصد إفسادها.

وبهذا نعلم أن الحوار الوطني اليمني لم تتوافر فيه شروط الصحة التي يكون لها حوارا حقيقيا مثمرا، فلا ينتظر من هذا الحوار خيرا.

إننا لا نرفض أصل الحوار، وقد قررنا أهمية الحوار وضرورته، فهو المخرج الصحيح من المحنة، ولكننا نطالب بحوار حقيقي يتسم بحسن القصد والعدل، وتتوافر فيه شروط الصحة حتى ينتج ويثمر.

ونؤكد في الأخير أن كل طريق بعيدة عن الحوار والسلم هي طريق محفوفة بالمخاطر، ومرفوضة شرعا وعقلا، وأن الذين يستخدمون العنف طريقا للتغيير، أو طريقا لإقناع الناس برأيهم ليسوا على سداد، وإذا كان منطقهم هو الاعتداء على الأنفس والأعراض والأموال في حال ضعفهم فكيف سيكون الأمر في حال قوتهم؟

إن الاعتداء على الأنفس والأعراض والأموال ينذر بخطر، ولن يكون مقبولا من أحد تحت أي مبرر، وضد أي فئة كانت قال الله عز وجل: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة:87].

وقال جل جلاله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 204- 205]، فلنحذر كل الحذر حتى لا نكون من هؤلاء.

وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاحتراب الداخلي، والاعتداء على الاعتداء الأنفس والأعراض والأموال، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟، قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ “، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: “اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ” قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ، فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» [رواه البخاري].

—————

نقلاً من موقغ منبر علماء اليمن 

-- أبو مجاهد صالح محمد عبد الرحمن باكرمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*