الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » سوريا والعراق وما بينهما

سوريا والعراق وما بينهما

أين يقف العراق من سوريا الراهنة؟ وكيف يعكس الجوار السوري نفسه على الساحة العراقية؟ وفي أي سياق يُمكن قراءة الموقف العراقي؟

أولاً: السياق العام للتفاعلات العراقية السورية    

بين العراق وسوريا، ثمة ترابط جغرافي وتداخل اجتماعي، ومصالح مشتركة. وهذا فضلاً عن وحدة الإطارين الثقافي والحضاري. إن العوائل السورية والعراقية تتداخل فيما بينها على نحو وثيق في منطقة الجزيرة، بين نهري دجلة والفرات، حيث تنتشر قبائل شمر، التي يتوزع أبناؤها بين محافظتي الحسكة ونينوى، في كل من سوريا والعراق على التوالي. وينطبق الأمر ذاته على منطقة وادي الفرات، حيث دير الزور والأنبار. وربما بدا تداخل العوائل في هذه المنطقة أكثر تأثيراً على مجريات الحياة العامة في البلدين. ولعل هذا ما أثبتته تطورات الأحداث في العراق منذ العام 2003، على الأقل.

وتعتبر كل من الأنبار ودير الزور محافظتين رئيسيتين في العراق وسوريا، على التوالي. فالأولى تشكل أكبر المحافظات العراقية من حيث المساحة، (ثلث مساحة العراق البالغة 438.3 ألف كيلومتر مربع)، والثانية تُعد مركز الصناعة النفطية السورية، وهي ثاني أكبر محافظات سوريا مساحة، بعد حمص.

ويعتبر معبر القائم/ البوكمال المنفذ الأهم على مستوى الحركة البشرية بين العراق وسوريا، في حين يُعد منفذ الوليد الممر الرئيسي لحركة السلع والبضائع بين البلدين. وهو يقع بالقرب من مثلث الحدود العراقية الأردنية السورية، ويعتبر الأقرب إلى دمشق، بيد أنه ذو طبيعة صحراوية في الغالب.

وقد عانت العلاقات السورية العراقية من قطيعة تاريخية مديدة منذ العام 1970، بسبب انشقاق حزب البعث العربي الاشتراكي إلى جناحين متخاصمين، حكم الأول دمشق والثاني بغداد. ونظر كل منهما إلى الآخر باعتباره مرتداً عن مبادئ الحزب.

وتحسنت العلاقات نوعاً ما، قبل سنوات قليلة من سقوط حكم الرئيس صدام حسين، إلا أنها عادت وتوترت على خلفية الموقف السوري من الغزو الأميركي للعراق عام 2003، بيد أنها ظلت إجمالاً محافظة على حد أدنى من الهدوء، بسبب التداخل الشديد والمعقد بين قضايا البلدين، ووجود جالية عراقية في سوريا، كان تعدادها يوماً يفوق المليون نسمة، نزحت تحت وطأة اقتتال أهلي، عصف بالدولة والمجتمع.

ومن المنظور الإستراتيجي، وبغض النظر عن السلطة التي تحكم في بغداد أو دمشق، يشعر البلدان بأن كلاً منهما في حاجة للآخر، فالعراق يحتاج إلى سوريا لتؤمن له منفذاً على البحر الأبيض المتوسط، وسوريا بحاجة إلى العراق ليهب لها توازناً في معادلة النفوذ والقوة، على الصعيدين العربي والشرق أوسطي.

ثانياً: سوريا والعراق بين مشهدين

على خلفية ذلك كله، كان من البديهي أن يتفاعل العراق مع أية تطوّرات سياسية أو اجتماعية في سوريا. بل من المنطقي تماماً أن يكون في طليعة المعنيين بها. وتشير تجارب العقود الماضية إلى أنه غالباً ما كانت الساحة العراقية الصدى الأكثر سرعة لمجريات الأحداث السورية، فقد كانت التظاهرات والمسيرات تخرج في بغداد مع كل حدث يقع في دمشق. ولم تكن ردود الفعل هذه مقتصرة على الثورات والانقلابات، بل عنت أيضاً بمواقف سوريا وخياراتها في الساحتين العربية والدولية.   ولازال العراقيون يحفظون بعض الشعارات التي وَصَّفت أحداثاً وشخصيات سورية بعينها.

هذا التفاعل، كما سبقت الإشارة، نتيجة بديهية لخصوصية العلاقات العراقية السورية. كما أنه عبر، في بعض محطاته، عن تقاطب أيديولوجي وسياسي على مستوى النخب الحاكمة، في كل من دمشق وبغداد، إلا أن هذا البعد لم يُكن هو الأصل.

ولكن ما هو الفرق بين الأمس واليوم؟

الفرق بين الأمس واليوم هو تحوّل سوريا في الحسابات العراقية إلى شأن داخلي عراقي. إن سوريا لم تعد مجرد “عضد” قومي، أو “خطر” قومي، كما كان يُردد في بغداد على مدى عقود من الزمن. 

هذا الفرق بالطبع فرق جوهري إلى حد بعيد. إنه يُشير إلى إدراك العراقيين بأن مستقبلهم أضحى مرتبطاً، بمعنى من المعاني، بمستقبل سوريا ذاتها. هذا هو تشخيص العراق الشعبي، قبل الرسمي. أو لنقل هذا هو الإدراك السائد لدى الرأي العام العراقي. ولا تبدو ثمة مبالغة في هذا التشخيص، أو هذه القراءة العراقية، فالتطوّرات الجارية واضحة، لا غبار عليها.

ثالثاً: مرحلة جديدة في العلاقات العراقية السورية

في العام 2011، دخلت العلاقات العراقية السورية مرحلة جديدة، اعتباراً من اليوم الأول لاندلاع التظاهرات في محافظة درعا، بالجنوب السوري. 

لقد اتخذت بغداد موقفاً حذراً حيال التطوّرات الجارية من حولها. هذه التطوّرات التي بات بمقدور بعض العراقيين اليوم رؤية تفاصيلها من على سطوح منازلهم. وقالت بغداد إنها تقف على الحياد بين الحكومة والمعارضة، وتدعم في الوقت نفسه التطلعات المشروعة للشعب السوري، في الحرية والديمقراطية، وبناء دولة العدالة الاجتماعية.

وحذر العراقيون من أن الأحداث في سوريا قد “تتدحرج خارج الحدود لتشعل حروباً طائفية”، في أكثر من دولة، بما في ذلك في العراق نفسه.

وفي مناخ من التطوّرات الضاغطة، أقدم العراق على إغلاق حدوده مع سوريا في معبر القائم / البوكمال، فور سيطرة المعارضة السورية على الجانب السوري منه. وفي الثالث من مارس/آذار 2013، أغلق معبراً حدودياً ثانياً، هو معبر ربيعة، الواقع في محافظة نينوى. وذلك بعد أن سيطر مقاتلو المعارضة السورية على الجانب السوري منه.

وفي وقت متزامن تقريباً، أقدمت مجموعة مسلحة على تفجير حافلة داخل محافظة الأنبار، كانت تقل نحو خمسين شخصاً، بينهم 42 جندياً سورياً، مما أدى إلى مقتلهم جميعاً، إضافة إلى الجنود العراقيين الذين كانوا يرافقون الحافلة، وهي في طريقها إلى معبر الوليد.

ووفقاً للرواية العراقية، فإن المجموعة التي فجرت الحافلة قد “تسللت من داخل الأراضي السورية”. هذا في حين قالت تقارير إعلامية إن المجموعة وفدت من الجانب العراقي لصحراء وادي الفرات. 

وسواء اعتمدت الرواية الأولى أم الثانية، فإن الحادثة تشير، على نحو لا لبس فيه، إلى نمط معقد من تداخل الأحداث، وتمددها على جانبي الحدود.

وعلى نحو مبدئي، يُمكن النظر إلى موقف بغداد من الوضع السوري باعتباره سياسة نأي بالنفس، تقترب من تلك التي أعلنها رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي.

ولأول وهلة، قد لا يلحظ المرء مخاطر محدقة بالعراق على نحو مماثل لتلك التي تواجه لبنان. بيد أن الحقيقة هي أن التحديات الماثلة أمام العراق كبيرة وواسعة، وتلامس صميم النسيج الاجتماعي العراقي، والوحدة الوطنية العراقية، بل وحتى وحدة البلاد الترابية. 

ومن هنا، يبدو مفهوماً تبني سياسة الحذر والنأي بالنفس، واقتصار تفاعلات العراق مع الوضع السوري على إغاثة النازحين، الوافدين في غالبيتهم من حلب والحسكة ودير الزور.

رابعاً: حتى لا يحترق العراق

وأياً يكن مسار الأحداث، يبقى العراق وسوريا توأما، كما هو حال القائم والبوكمال، لا تحول بينهما تلك الحدود، التي جرى تفصيلها يوماً بالمقص، ففصلت بين الأخ وأخيه.

وبالأمس، قال الشاعر الكبير بدوي الجبل: “ليس بين الشامِ والعراقِ حدٌ، هدمَ اللهُ ما بنوا من حدودِ”.

ولا ريب، إن تعزيز التفاعل الإيجابي، والتأكيد عليه، يُعد أمراً مطلوباً، وهو يعكس الوجه الطبيعي للحياة، ويعبر عن حقيقة وحدتنا القومية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن البلاد لا مصلحة لها في استحضار مجريات الوضع في سوريا على نحو يهدد وحدتها الوطنية، ويزرع فيها بذور الشقاق الأهلي. كما لا يجوز، في السياق ذاته، مقاربة الأحداث في إطار عشائري أو مذهبي، فذلك هو النقيض التام والنهائي للرابطة الوطنية والقومية.

ولنتذكر جميعاً بأن الشعب العراقي قد تفاعل على مر التاريخ مع بيئته القومية من المحيط إلى الخليج، وكان نصيراً دائماً لقضايا العرب. إلا أن مقاربته لهذه القضايا لم تكن يوماً عشائرية أو مذهبية.

كذلك، فإن بغداد كانت منذ آماد طوال ساحة متقدمة للرواد العرب. وقد ساهم هؤلاء الرواد في بناء ماضي العراق وحاضره، وكان لهم دورهم في تكوين مشهده الأدبي والعلمي. كما ساهموا في تشكيل الأحزاب العراقية الحديثة، القومية منها على وجه خاص.  

هذا التفاعل بين شعب العراق ومحيطه العربي كان تفاعلاً إيجابيا وبناء, استند إلى القواسم المشتركة للأمة، وانسجم مع تطلعاتها السامية. ولم يخبرنا التاريخ أنه نزع يوماً نزوعاً عشائرياً أو مذهبياً. ولو حدث ذلك لافتقد مبرر وجوده، وأصبح ضاراً ومدمراً. 

إن تذّكر التاريخ يبدو اليوم ضرورة بالغة بالنسبة لنا جميعاً. علينا أن نتذكر صورة بغداد في العقل والوجدان العربي. وعلينا أن نحافظ على هذه الصورة، لأنها بداية الحفاظ على الوطن ذاته.

وإذا كنا نتحدث عن التفاعل الأهلي بين سوريا والعراق، علينا أن نتذكر أولئك الرواد الأوفياء، الذين رفدوا هذا التفاعل وشيدوا بناءه الفكري والمادي، ولم يزيغوا يوماً، ولم يجنحوا جنوحاً انعزالياً أو مذهبياً، بل وجدوا في الانعزالية والمذهبية عدواً أشد خطراً من الدبابة والمدفع، فقاوموه وحصنوا الناس ضده.

إن أحداً منا اليوم لا يجوز له أن يزايد على الآخر، ففي ذلك بداية التشرذم وطريق الشقاق. ومن كان حريصاً حقاً على أهلنا في الجانب الآخر من الحدود، عليه أن يوفر الجهد والطاقات، ويذهب لإغاثة النازحين في القائم وربيعة ودوميز، وفي كافة أقضية ومحافظات البلاد.

إن إغاثة أهلنا النازحين لا بد أن تكون في طليعة الأولويات، ولا بد أن تسخر لها الجهود الخاصة والعامة. وإذا كان هناك من تنافس من أجل سوريا داخل البلاد، فليكن تنافسا على إعانة وحماية هذه الأسرة الكريمة، التي فقدت أمنها وأقواتها في طرفة عين.

إن أبناء هذه الأسر، كما أهلنا في سوريا عامة، لا يعني لهم شيئاً سوق المزايدات السياسية التي تقام هنا أو هناك، ولا تنفعهم قيد أنملة المباريات الخطابية التي تُسجل فيها النقاط.

وبالتأكيد، ليس هناك بين أهلنا السوريين، المعارضين أو الموالين، من يرضى بأن تكون مجريات الأحداث في سوريا سبباً لحريق جديد في العراق، قد يغدو أشد لهيباً من القذائف والعبوات الناسفة، لأنه يمزق الوحدة الوطنية، ويؤسس لاقتتال أهلي، يخسر فيه الجميع، ويسقط معه الوطن على رؤوس كافة أبنائه.

نحن اليوم في لحظة استثنائية ومفصلية، كما عموم هذا الشرق، وعلينا أن نستذكر ماضينا القريب، والأكثر قرباً، ونجعل من مجريات الأوضاع في سوريا سبباً إضافياً لتعزيز الوحدة الوطنية، وصيانة السلم الأهلي في ربوع البلاد. ومتى كسبَ العراقُ نفسه كسبه العرب جميعاً.

المصدر:الجزيرة

-- عبد الجليل زيد المرهون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*