الجمعة , 2 ديسمبر 2016

الإخوان في أزمة

الحكم الذي أصدرته محكمة الاستئناف في القاهرة بشأن قضية النائب العام (المقال والمعيّن ) أحدثت هزة جديدة في الأوساط القضائية والقانونية، وعمّقت في الوقت ذاته الأزمة السياسية المتراكمة طوال الأشهر الماضية، والتي كان منصب النائب العام محورا رئيسيا فيها، وبالتالي فإن الجدل كان جدلاً قانونياً ودستورياً بامتياز، 

ابتدأت سخونته عند الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس والذي تسبب بأزمة وشرخ اجتماعي وسياسي كبير، وبعد الضغط الشعبي تم التراجع عنه وتمت محاولة تحصين آثاره بالدستور الأخير، إلا أن كل تلك المحاولات لم تنأى بأن تحصن ذلك الإعلان من أن يمثل أمام القضاء وإن بصورة غير مباشرة من خلال قضية عزل النائب العام السابق وتعيين النائب الحالي . 

قد تكون تلك الأحداث عند النظر لها للوهلة الأولى تفاصيل صغيرة خاصة بالشأن المصري إلا أنها في الحقيقة لها علاقة أيضا في التعرف على طريقة جماعة الإسلام السياسي في التفكير ومدى علاقتهم بالقيم التي ينادون بها والتي يأتي على رأسها فكرة سيادة القانون وكيف يتعاطى قادة تلك الجماعات مع القانون بحكم أن أزمة النائب العام في مصر لم تبدأ عند النطق بالحكم الأخير وإنما الحكم جاء نتيجة تخبطات متواصلة من جماعة الإخوان المسلمين الذين وجدوا أنفسهم يديرون دولة عريقة في القضاء والقانون، ووجدوا أنفسهم فجأة ومن دون سابق إنذار أمام أدوات مدنية لا علاقة لهم بها مثل الأدوات والوثائق القانونية التي بدأوا يتخبطون في استخدامها من أول يوم جلسوا فيه على سدة الحكم، ومن ثم توالت تلك الخطايا القانونية حتى وصل الأمر إلى حالة الانسداد السياسي التي يشاهدها الجميع هناك، والسبب من وجهة نظري أن كل تلك التخبطات القانونية التي وقعت بها الجماعة كانت بسبب أن القانون لا تأخذه تلك الجماعات الدينية على محمل الجد، وإنما تطوّع القانون لتغطية تجاوزاتها وشرعنة أحلامها الأيدلوجية، لكنها في حالة مصر لم تستطع أن تفعل ذلك لأنها اصطدمت بمجتمع يضم نخبة من العقول القانونية الجبارة في العالم العربي، إضافة إلى مؤسسات مدنية كانت واعية لهذا التلاعب الإخواني المفضوح؛ فأسقطت أحلامهم قبل أن يشرعنوها بالقانون، وواجهوها أمام القضاء الذي فشل الإخوان في ابتلاعه وتطويعه بل كان سياجاً منيعاً ضد أخونة الدولة والمجتمع. 

الأداء القانوني الرديء الذي ظهرت به جماعة المقطم منذ توليها الحكم كان نتيجة طبيعية لتباين المرجعيات الفكرية بين فلسفة القانون وفكر الجماعة؛ فالقانون يرتكز على التحليل العقلي وإعمال المنطق وهذا لا يتأتى إلا من خلال فكر حر يتحرك في فضاءات مفتوحة، بينما فكر جماعات الإسلام السياسي – بما فيها جماعة الإخوان المسلمين- قائمة على التسليم والانقياد الأعمى والإيمان بقوالب فكرية مسبقة الصنع لا تقبل الجدل حولها، لذا من الطبيعي أن يمارس خريج تلك المؤسسات المصمتة تلك التخبطات لأنه يركض على غير هدى في ميدان لم يدربوها مشائخه ولا قادته أن يهرول فيه. 

أزمة النائب العام والحكم الأخير لن يكون نهاية الأزمة بل هي مرشحة لمزيد من التداعيات إذا ما قرأنا ما نشر من حيثيات الحكم، حيث نفذ الحكم ومن خلال تظلم النائب العام السابق إلى الإعلان الدستوري ذاته وحكم بعدم شرعيته، وبالتالي عدم شرعية آثاره القانونية، حتى ولو نص على حصانتها الدستور الجديد، ومن المعلوم أن أثار الإعلان الدستوري لا تتوقف عند تعيين النائب العام الجديد، وإنما تتجاوزها إلى الكثير من المراكز القانونية التي أنشأها والتي أصبحت الآن وبعد الحكم القضائي الصادر من محكمة الاستئناف؛ في مهب الريح، لأن ما ينطبق على تعيين النائب العام ينطبق عليها حذو القذة بالقذة، وستكون الجماعة ومريدوها في الخليج والعالم العربي في مأزق حقيقي لأن بنيانهم تهاوى في أول تجربة حقيقية له وسقطت لافتات الزمن الجميل. 

aallahem@gmail.com – @allahim 

محام وكاتب سعودي 

—————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- *عبدالرحمن اللاحم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*