الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أحداث مالي.. بين خطورة الوضع وتعدّد المواقف

أحداث مالي.. بين خطورة الوضع وتعدّد المواقف

ولّد الفراغ الأمني وضعف الدولة المركزية في منطقة الساحل، مشاكل وتداعيات عديدة تتجاوز في خطورتها حدود الدول، منها التهريب وتجارة السلاح والجريمة المنظمة وتموقع وانتعاش الجماعات المسلحة وإجراؤها للتدريب وتجنيد المقاتلين.

لم تستوعب دول المنطقة بعد أن التعاطي الفعال مع قضايا الأمن والبيئة والجريمة المنظمة والتهريب والهجرة، لا يتأتّى بفعالية دون الدخول في تنسيق إقليمي ودولي من خلال تبادل المعلومات وتوحيد الرؤى والجهود.

ويبدو في هذا السياق أن فشل دول الساحل الإفريقي والدول المغاربية في بلورة تصور موحد كفيل بالتعاطي مع المشكلة في مالي بكفاءة ونجاعة في إطار من التنسيق والتعاون، هو الذي فتح الباب أمام فرنسا وأطراف خارجية أخرى لتلعب دوراً محورياً في الأزمة حالياً، إلى الحدّ الذي دفع الكثير من المهتمين والباحثين إلى الإقرار بأن تطور الأحداث في مالي يتحمله طرفان أساسيان: فرنسا الساعية إلى حماية مصالحها الحيوية في إفريقيا، وتنظيم القاعدة الراغب في إثبات الذات بعد سنوات من التواري من جهة ثانية.

محاولة لفهم ما يجري في مالي

راكمت مالي في السنوات الأخيرة تجربة ديمقراطية فتيّة وواعدة؛ غير أن انقلاب الجيش على نظام الرئيس “أمادو توماني” في مارس 2012 أحدث فراغا أمنيا بالبلاد وأربك مسارها السياسي.

استثمرت بعض الحركات المتمردة من الطوارق ضمن الحركة الوطنية لتحرير إقليم”أزواد” الذي يمثل ثلثي مساحة البلاد ويضم الطوارق والعرب؛ ويحتضن مدنا كبرى كتومبوكتو وغاوو وكيدال.. هذا الفراغ لتسيطر على جزء كبير في شمال البلاد وتعلن استقلاله؛ مما أدخل البلاد في متاهات سياسية وعسكرية خطيرة.

وقد زاد من تعقّد الأمر ضعف الجيش المالي الذي تمزّقه الإثنية وانخراطه في انقلاب عصف باستقرار البلاد؛ ووجود تنسيق بين الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” التي تسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المنطقة وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعات مسلّحة أخرى؛ بعدما ظلت منكفئة على نفسها خلال السنوات الأخيرة؛ نتيجة الضغوطات العسكرية والاستخباراتية التي قادتها بعض دول المنطقة في مواجهتها؛ حيث وجدت في أحداث مالي فرصة جيدة للعودة إلى الواجهة من جديد.

تعقّد الوضع السياسي والأمني

أسهمت الكثير من العوامل الداخلية الإقليمية والدولية في تعقد الأوضاع السياسية والأمنية في مالي؛ ويمكن إجمال هذه التعقيدات فيما يلي:

– أضحت مالي المعروفة بتنوعها العرقي(عرب؛ زنوج؛ طوارق..) محجّا لمقاتلين و”مجاهدين” من جنسيات مختلفة(النيجر والجزائر وموريتانيا والصومال وغامبيا..) وبتوجهات وخلفيات متباينة بين من يسعى إلى استقلال الإقليم بدوافع اجتماعية وعرقية، وبين من وجد في الوضع مناسبة لإثبات الذات في مواجهة القوى الغربية و”الدفاع عن الإسلام والمسلمين”؛ ومن وجد فيها فرصة للتّموقع في منطقة استراتيجية..

– تضارب المواقف الإقليمية والدولية بصدد التعاطي مع الأزمة؛ وضعف المبادرات والتدابير الإقليمية باتجاه بلورة حل صارم وناجع للأزمة

– تهافت القوى الدولية على المنطقة (فرنسا؛ والصين؛ والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا..)

– رغم الالتباس الحاصل في تقارب القاعدة مع جماعات محلية أخرى بالمنطقة؛ إلا أن هناك مجموعة من العوامل التي تدعم أهدافهما المشتركة؛ من قبيل مواجهة القوى الغربية ومصالحها واستثمارها للفراغ الأمني الحاصل في مالي

– وجود عوامل جغرافية (صحاري؛ جبال..) تعقّد أمر حسم المعركة بشكل نهائي في مواجهة الجماعات المسلحة الداعية للانفصال؛ وبخاصة وأن الكثير منها اعتادت التدرّب على القتال في مثل هذه المناطق..

– وجود ارتباطات عرقية وإثنية بين دول المنطقة(الطوارق في مالي والنيجر وليبيا..)؛ تجعل من انتقال العدوى إلى مناطق أخرى؛ أمرا واردا في كل حين؛

– وجود فراغ أمني في منطقة الساحل بفعل ضعف الدولة المركزية في المنطقة وضعف الاتحاد الإفريقي وعدم قدرته على بلورة تدخل زجري صارم في مواجهة المشكل

– وجود تناقض في مواقف الفرقاء داخل مالي؛ بين رفض القوى المحسوبة على الجيش المالي تنظيم انتخابات رئاسية جديدة في غضون سنة؛ ورفض الكثير من القوى الإقليمية إعلان استقلال منطقة الشمال وإعلانها عن استعدادها لصدّ هذا التوجه بكل الوسائل الزجرية حماية لسيادة مالي ووحدتها الإقليمية؛ وإصرار الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” والجماعات الداعمة لها على خيار الانفصال..

– استفادة الجماعات المسلحة في المنطقة من أسلحة هامة(من بينها صواريخ مضادة للطائرات) في أعقاب انهيار النظام الليبي السابق.

تداعيات الأوضاع على المنطقة المغاربية

رغم أن الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” تحاول طمأنة دول الجوار بالتأكيد على احترام سيادتها وحدودها؛ إلا أن حدوث الانفصال أو استمرار الوضع عمّا هو عليه حاليا؛ سيفتح الباب أمام مجموعة من المخاطر يمكن أن تطال دول المنطقة المغاربية.. ذلك أن التدخل الأجنبي في المنطقة شكل في العقدين الأخيرين ذريعة لشن عمليات عنيفة من قبل الجماعات المسلحة؛ كما أن نجاح الانفصال سيفتح باب من الاضطرابات في المنطقة بما يهدّد وحدة الدول واستقرارها.

إن استمرار عدم الاستقرار في مالي سيعزز من قوة الجماعات المسلحة في المنطقة ويوفر لها ملاذا آمنا للانتعاش والتطور والانتشار.. ومن جهة أخرى؛ يمكن أن يشكل العمل العسكري الفرنسي في مالي مبررا لاستهداف المصالح الغربية والفرنسية في المنطقة المغاربية.. علاوة على الانعكاسات الإنسانية في علاقتها بتدفق اللاجئين وتنامي الهجرة إلى دول المنطقة (الجزائر وموريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وليبيا ).

تباين المواقف بصدد تطوّر الوضع في مالي

منذ البدايات الأولى لظهور أزمة مالي؛ تبين أن هناك ارتباكا واضحا في التعاطي معها من قبل بعض القوى الإقليمية والدولية؛ بين من كان يفضل المقاربة الدبلوماسية والسياسية؛ وبين من أكد على ضرورة وأهمية المقاربة الزجرية العسكرية.

اعتبرت فرنسا أن تدخلها العسكري في مالي؛ لا ينطوي على تحقيق مصالح خاصة؛ بل جاء تلبية لدعوة رئيس مالي المؤقت وانسجاما مع قرار مجلس الأمن 2085/ 2012 لأجل محاصرة النزاع وقطع الطريق على المقاتلين المسلحين ومنعهم من فرض سيطرتهم على كامل التراب المالي.. علاوة على السعي لإضعاف الجماعات المسلحة في المنطقة بعد تصاعد قوتها نتيجة للاستقرار في منطقة آمنة والاستفادة من السلاح الليبي المسرّب.

ومعلوم أن التدخل الفرنسي في مالي بدأ قبل الموعد المقرر لتدخل القوات العسكرية المشتركة لدول غرب أفريقيا بناء على دعوة من السلطات المالية. حيث ينتشر حوالي أربعة آلاف جندي فرنسي في منطقة الشمال المالي مدعومة بقوات عسكرية مالية وأخرى تشادية إضافة إلى قوات محسوبة على الاتحاد الإفريقي.

وفي مقابل المبررات الفرنسية؛ أكّد الكثير من المهتمين والمراقبين أن التدخل العسكري الفرنسي في المنطقة ينطوي على الرغبة في تحقيق مجموعة من الأهداف المضمرة؛ وعلى رأسها الانتقام للأسرى والمختطفين الفرنسيين الذين كلّفوا فرنسا إمكانيات مالية كبيرة دفعت للجماعات المسلحة في المنطقة؛ قدّرها البعض في حدود 17 مليون دولار؛ علاوة على محاولة إبراز صرامة وكفاءة الرئيس الحالي الفرنسي لحماية المصالح الفرنسية؛ والرغبة في الحدّ من مخاطر انتقال النزاع إلى مناطق نفوذ فرنسي أخرى مثل تشاد والنيجر؛ والسعي لإحداث قواعد عسكرية بالمنطقة. ثم حماية مناطق نفوذها وضمان مصالحها(نفط وغاز ويورانيوم..) وتـأمين شركاتها الاستثمارية في منطقة تعتبرها حيوية بالنسبة لها؛ بعد تزايد الاعتداء عليها وعلى العاملين بها.

بل إن هناك من ذهب إلى حدّ اعتبار التدخل محاولة من الرئيس الفرنسي لتصريف الأزمات الاقتصادية(ضعف التنافسية الاقتصادية تراجع الصناعات وارتفاع الإنفاق العام) والاجتماعية(ارتفاع نسبة البطالة) الحقيقية التي يعيشها المجتمع الفرنسي نحو الخارج.

أما الجماعات المسلحة فترى في تواجد القوات الفرنسية بالمنطقة عودة جديدة للاحتلال لمناطق نفوذ قديمة؛ على اعتبار أن فرنسا الحريصة على مصالحها وبعض دول المنطقة الرافضة لأي إصلاح سياسي؛ تسعيان للحدّ من “تحولات الربيع العربي” وصدّ تصاعد الإسلاميين في المنطقة؛ بل ذهبت هذه الجماعات إلى حدّ اعتبار أن الحرب في مالي هي “حرب صليبية” ضد المسلمين؛ واعتبرت ذلك مبررا لتصعيد أعمالها وتبرير انتشارها.

فقد قامت القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بإصدار بيان بتاريخ 17 مارس 2013 دعت فيه “شباب شمال إفريقيا لمحاربة العلمانيين في بلدهم وشنّ الجهاد في مالي.. وصدّ هجمة فرنسا الصليبية ودحر عملائها في المنطقة..، ويأتي هذا البيان ليؤكد رغبة التنظيم في تجنيد عناصر جديدة من المنطقة لدعم حضورها وقدراتها؛ كما يعكس رغبتها في توسيع نطاق ضرب المصالح الفرنسية بالمنطقة. كما حمل البيان رسالة لمختلف الحركات الإسلامية المعتدلة في المنطقة من أجل دعم الحركات الجهادية وعدم ترك الساحة للتيارات “العلمانية” بعدما عبرت الكثير من هذه الحركات عن التدخل في العسكري في شمال مالي.

مواقف الدول المغاربية

تباينت مواقف دول المنطقة إزاء القضية بين من أكّد على رفض التطرف و”الإرهاب” ودعا إلى مواجهته بكل الوسائل الزجرية المتاحة؛ مع الحرص على وحدة مالي؛ وبين من أكد على المقاربة السياسية ورفض التدخل الدولي باعتباره سيسهم في تدهور الأوضاع؛ ومنح الجماعات المسلحة ذرائع للانتشار واستهداف المصالح الغربية في المنطقة.

فيما برز رأي آخر؛ فضّل طرح القضية أمام مجلس الأمن؛ باعتباره المسؤول الرئيسي عن حفظ السلم والأمن الدوليين؛ كسبيل لتجاوز التضارب في المواقف بشأن التعاطي مع المشكلة؛ ولاعتماد تدابير صارمة في مواجهة الجماعات المسلحة.

منذ اندلاع الأزمة؛ عبّر المغرب رسميا عن رفضه إعلان الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” استقلال الشمال المالي؛ وأصدر بلاغا يدين الانقلاب الذي شهدته البلاد؛ كما دعا الأطراف المتصارعة للعودة إلى الشرعية الدستورية؛ ونتيجة لتصاعد لتعقد النزاع؛ اتجه إلى تأييد التدخل العسكري الفرنسي لاحترامه للوحدة الترابية المالية ولدوره في تلافي انهيار الدولة.

حيث اعتبر أن الحركات الانفصالية والجماعات المسلحة تهدّد للسلم والأمن الإقليمي والدولي؛ كما قام بمبادرات إنسانية قدّم خلالها مساعدات لضحايا الصراع الدائر في البلاد؛ وقاد تحركات دبلوماسية دولية داخل مجلس الأمن المسؤول الرئيسي عن حفظ السلم والأمن الدوليين بحكم عضويته غير الدائمة به حاليا لبلورة مبادرات تدعم الاستقرار في هذا البلد الإفريقي.

أما الجزائر فقد ظلت تؤكد على أهمية اعتماد مقاربات دبلوماسية لحل النزاع ومنح الوقت الكافي لمختلف الفاعلين لبلورة حل يضمن الاستقرار في المنطقة؛ غير أن تعقّد النزاع وتصاعد مخاطره؛ وتزايد الضغوطات الدولية بشأن اعتماد الحل الزجري.. دفع الجزائر إلى تغيير موقفها.

ويبدو أن الموقف الجزائري الذي كان يقضي في البداية بعدم التّدخل العسكري في النزاع يعكس قدرا من التخوف من التورط في مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج.. إضافة إلى التعامل الحذر مع المبادرات الفرنسية بالمنطقة خوفا من استهداف مصالحها الإقليمية.

فيما ظلت تونس تردّد رفضها لأي تدخل عسكري في مالي؛ والدعوة إلى اعتماد “حل إفريقي” لهذا النزاع؛ قبل أن تتراجع عن ذلك وتبدي احترامها “للشرعية الدولية” التي يجسّدها قرارا مجلس الأمن رقم 2071 و2085؛ وتفهّمها للقرار السيادي الذي اتخذته الحكومة المالية؛ بشأن التدخل العسكري الفرنسي بعد تنامي الضغوطات الإقليمية والدولية في هذا الشأن.. حيث عبّرت عن دعمها للوحدة الترابية لشعب مالي وإدانتها لكل أشكال التهديد الذي يتعرض له من طرف “المجموعات الإرهابية” مع الدعوة لبلورة حوار وطني للخروج من المأزق الحالي.

وفي هذه الأجواء؛ قام “أبو عياض” زعيم السلفية الجهادية في تونس بإطلاق تصريح قويّ وجهه إلى الجيش والحكومة التونسيين يحذر فيه من تبعات دعم القوات الفرنسية المتدخلة في مالي بتسهيلات العبور فوق التراب التونسي أو باستخدام المطارات التونسية أو تقديم أي دعم تقني أو لوجستي آخر.. يستهدف “قتل المسلمين في مالي”..

ومن جهتها؛ أكدت موريتانيا على وحدة مالي وعلى ضرورة مواجهة “الإرهاب” والجريمة المنظمة بكل السبل؛ مع الدعوة إلى فتح حوار بين جميع الفرقاء في مالي لاحتواء النزاع.

أما ليبيا فأعلنت من خلال رئيس حكومتها المؤقتة في منتصف شهر يناير من عام 2013 أنها ظلت تؤكد على خيار الحوار وتلافي الخيار العسكري في التعاطي مع المشكل؛ وأن اللجوء إلى القوة العسكرية في التعامل مع المشكل فرض على ليبيا اتخاذ كافة الترتيبات والتدابير اللازمة لحفظ أمن وسلامة حدودها؛ مع التأكيد على التنسيق مع الدول المغاربية والنيجر لدعم الاستقرار بالمنطقة.

مخاطر الارتباك في التعاطي مع الأزمة

إن تداعيات الوضع في مالي ستصل حتما إلى دول الجوار في حال استمرار الاضطراب على مستوى التعامل مع المشكلة؛ واستحضار المقاربات الانفرادية بدل التّنسيق والتعاون والشمولية في التعاطي معها؛ باعتبارها تطرح تحديات على السّلم والأمن الدوليين.

ومن هذا المنطلق؛ يمكن القول إن استمرار هذا الارتباك الإقليمي؛ سيعقّد الأمر أكثر مع تنامي دور القاعدة وعدد من الجماعات المسلحة الأخرى التي تنتعش من مثل هذه المناسبات.

وقد أكدت التجارب الدولية أن التعاطي مع قضايا من هذا النوع؛ لا يمكن أن تتأتّى إلا بصورة شمولية تستحضر مختلف العوامل التي تغذّي الرغبة في الانفصال أو التوجه نحو التطرف والعنف؛ بعيدا عن المقاربات التي تستحضر المصالح الضيقة في أبعادها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية؛ فالسعي إلى تدبير التنوع المجتمعي بشكل ديمقراطي في المنطقة وتجاوز الفراغ الأمني ودعم جهود التنمية؛ يمكن أن يسهم في تراجع حالة الاحتقان الراهنة.

أما المراهنة على المدخل العسكري كحلّ وحيد؛ فلن يسهم إلّا في تعقّد الأمور والدخول في متاهات الفعل وردّ الفعل. ويمكن للتواجد العسكري الفرنسي أن يطول في المنطقة دون تحقيق أي تقدم في مواجهة جماعات تتقن حرب العصابات والتحرك في منطقة صحراوية شاسعة.. وبخاصة وأن فرنسا نفسها ربطت سحب قواتها وإيقاف العمليات بمآل المعارك وتحقيقها للأهداف المتوخّاة.

إن بلورة حلّ حقيقي للوضع في مالي؛ يتطلب في البداية استيعاب خلفيات الصراع وأسبابه؛ واستحضار تداعياته الخطيرة على الدولة والمجتمع في مالي وعلى السلم والأمن الإقليميين والدوليين؛ قبل بلورة تصور شامل لهذا الحل الذي يفترض أن ينبع من إرادة القوى السياسية والمجتمعية داخل مالي وتساهم في ترسيخه مختلف القوى الإقليمية والدولية بحسن نيّة.

مستقبل النزاع في مالي

دفعت خصوصية النّزاع في مالي وغياب توافق بصدد حلّ نهائي إلى بروز نقاشات داخل مجلس الأمن حول إمكانية نشر قوات حفظ للسلام في حدود عشرة آلاف في إطار الفصل السادس لميثاق الأممي بصلاحيات ومهام جديدة تتجاوز المهام التقليدية والمعتادة لهذه القوات في مناطق مختلفة من العالم، حيث ستنصب هذه العمليات على المساعدة في استعادة الدولة لوحدتها وبسط سلطتها على أقاليمها بتنسيق وتعاون مع الجيش المالي مع السعي لتطوير قدرات وخبرات هذا الأخير؛ والسعي أيضا إلى توفير الأجواء اللازمة لتنظيم الانتخابات الرئاسية.

وهو النقاش الذي وجد صداه الإيجابي في أوساط عدد من الأقطار الإفريقية المجاورة؛ التي رأت في هذه الخطوة عاملا مساعدا في بسط الاستقرار في المنطقة ومدخلا حماية حقوق الإنسان في الشمال المالي من ممارسات الأطراف المتصارعة.

لقد أكدت الكثير من التحليلات التي طرحها الخبراء على تعقّد النزاع في مالي مما يفتح الباب أمام استمراره لسنوات أخرى مع إمكانية دخول الجماعات المسلحة في حرب العصابات بالمنطقة.

كما تزايدت التقارير والأبحاث المحذّرة من إمكانية تحول المنطقة إلى “أفغانستان” جديدة؛ مع ورود لجوء هذه الجماعات إلى لغة الاختطافات والتفجيرات بالمنطقة؛ بما سيعقد الأوضاع من جديد، واحتمال انتقال النزاع إلى النيجر وموريتانيا نظرا لشساعة مساحة الدولتين ولعدم قدرتهما على إقرار الأمن بشكل فعال؛ بل إن هناك من يعتقد بوجود احتمالات واردة لتصدير الأزمة إلى ليبيا؛ “في ظل الارتباطات الدينية والإثنية للفاعلين في الصراعات الداخلية في ليبيا ومالي”.

ومن منطلق نجاعة التكتل في مواجهة المخاطر الأمنية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية.. نتساءل: هل يسمح النزاع القائم في مالي بحدوث تقارب مغربي- جزائري؛ وبتسريع وتيرة بناء الاتحاد المغاربي لمواجهة مخاطر مشتركة تتجاوز حدود الدول؟

 *مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات في المغرب.

————————

نقلاً من موقع أخبار موريتانيا

-- * إدريس لكريني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*