الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » البحث عن الربيع العربي

البحث عن الربيع العربي

طوال ما يزيد مائتي عام من مسيرة النهضة أو الحداثة العربية، من مخاضاتها مع جهود رفاعة الطهطاوي ثم خير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم من وجوه هذه المسيرة، كان مطلب الإصلاح الديمقراطي ودولة الحداثة والمواطنة غايتها التي لم تتحقق حتى تاريخه، وكانت وعودها كاذبة في العهود الثورية التي رفعت شعار الحرية والتحرير والوحدة في العهد الثوري طوال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، أو عالقة كما هو في الربيع العراقي الموعود بعد إسقاط صدام حسين العام 2003 أو الربيع العربي المأزوم بعد سقوط أنظمة مصر وتونس وليبيا..تتشابه الوعود وتتشابه الأحداث وتتشابه العوائق وانحباسات النهضة من الطائفية والأيدولوجية الشعبوية الشعاراتية العاجزة حتى حينه عن الإنجاز والتنمية!

ولعل قراءة عقد من الزمان العربي، من تاريخ سقوط نظام البعث العراقي العام 2003 على يد الخارج حتى مسار الثورات العربية العام 2013 التي أشعل فتيلها جسد المطحونين في تونس ومصر، وبراءة أطفال درعا ذات صباح من مارس سنة 2011، لا شك مهم في إضاءة لماذا ربيعنا العربي معاق! أهي أمراض الأيدولوجية التي تحاول أن توحد الجميع في مقولاتها الإقصائية أم شخصنتها التي تحاول أن تستحوذ عليها..كما يتبدى المالكي وغيره..أم التدخلات في مصائر الشعوب كما نشاهد سوريا وعراقيا! قبل التحرير وبعده!

العراق والإصلاح من الخارج

للعرب دورات من المقولات تلفهم ويلفون بها أيدولوجيا وخطابيا دائما في سعيهم الباحث عن نهضته العالقة منذ مائتي عام ثم تسقط من الذاكرة لتصعد بدلها مقولات جديدة، كانت واحدة من أبرز هذه المقولات هو الجدل العربي الساخن الذي شهدته المنطقة هي مقولة الإصلاح والتحول الديمقراطي- قبل سقوط نظام صدام حسين في مارس العام 2003 وبعد السقوط- في أعقاب سياسة المحافظين الجدد بعد ضربات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، وما عرف حينها ب” أجندة الحرية” والقضاء على الدول المارقة أو محور الشر، وهل يكون هذا الإصلاحأخ من الداخل أم الإصلاح من الخارج!

رغم الاتفاق على ضرورة وبديهية الإصلاح الديمقراطي قائمة وبعيد عن الشك، كان الخلاف حول اتجاه الدفع إليه والضغط من أجله، رغم أنه لو تحقق بيد موضع التغيير- وهو هنا الأنظمة- ما كان ثمة داع لاتجاهه أو لونه داخليا أو خارجيا! وبينما كان البعض مغيبا في هالاته الأيدولوجية وحضور انفعالي لمنطق الهوية وهواجس الآخر، كان التاريخ يمارس فعله ومكره ليسقط صدام حسين في النهاية ويتغير العراق، ومعه المنطقة العربية كلها طوال عقد من تاريخ العراق الجديد.

وقد شهد العراق أول انتخابات ديمقراطية حقيقية في تاريخه الجمهوري- بعد العهد الملكي- العام 2005 قاطعتها غالبية السنة، وفاز بها الشيعة، وتحول الأكراد من قومية مستهدفة إلى حكم ذاتي، وشاركوا في الحكم برئاسة رمزية، كانت بشائر ربيع كردي لا زالت تتوالى حلقاته في مناطق أخرى من المنطقة، ونشطت عودة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وتنفست الأقليات والطوائف المهمشة طوال عهد صدام صعداءها وصحواتها.

عربيا في هذا الحين كان الجدل ان ثمة استعمارا خارجيا وثمة استعمارا وطنيا تقوم به الدولة التسلطية ومن هنا كان الحديث عن تحرير العراق من الدولة التسلطية التي يتسلط عليها صدام حسين وبنوه وجهازه البعثي التكريتي السني، بشيرا بربيع عربي طال انتظاره يخرج العرب من استثنائيتهم الديمقراطية في الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي حسب تصنيف الراحل صامويل هانتيجتون لهذه الثورات، وبشيرا ب شرق أوسط جديد يكون أكثر ديمقراطية وأكثر مواطنة وتنمية، ولكن انتهى ليكون أكثر طائفية وعنفا على الهوية! كما يلاحظ ولي نصر في أطروحته عن الصحوة الشيعية.. 

وقد طرحت الولايات المتحدة وبقوة فكرة إصلاح الشرق الأوسط، ودمقرطة أقطاره المحرومة منها، وربطت هذه الخطة للإصلاح بمشروع شراكة واقتصادية وتجارية بالشرق الأوسط، جاءت بعض تفاصيلها فى مايو عام 2003 على لسان الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش ثم على لسان وزير خارجيته كولين باول، ثم في مبادرة الشرق الأوسط الكبير، لأن غياب الحرية – كما أعلن بوش حينئذ- سيجعل من الشرق الأوسط رافدا للإرهاب والعنف الجاهز للتصدير، ومع انتشار أسلحة الدمار الشامل التى يمكن أن تلحق بأمريكا وأصدقائها، فإن القبول بالوضع الراهن سيكون عملاً طائشاً كما جاء فى الخطاب المذكور[1].

بعد سقوط نظام صدام حسين استشعرت بعض الأنظمة العربية الأخرى الخطر على مقاعدها، فسارع القذافي بإيقاف مشاريعه النووية، وأتى بشار الأسد ليعد في عام 2004 بتغيير ديمقراطي تأخر كثيرا طوال عهد والده واستجاب مبارك لمطالب المعارضة وقام بتعديلات دستورية مهمة العام 2005 جعلت تولى منصب الرئاسة بالانتخاب وليس بالاستفتاء وضمنت الإشراف القضائي على الانتخابات، وهو ما عاد عنه فيما بعد وكان فاصلا مهما في تحول المعارضة النخبوية والناشطة سياسيا ضده إلى تيار شعبي عام اشتد عوده وتشرب من إكراهات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وسوء الأداء الأمني والبوليسي!

وهكذا كان تحرير العراق سنة 2003 بشيرا بربيع عربي ديمقراطي طال انتظاره، وسبق بشائره بشائر موجات الثورات العربية التي حدثت العام 2011، ولا زال مستمرا بعضها، ولكن بينما جاء مشروع التغيير الديمقراطي في العراق من الخارج أت مشروعها من الداخل، وربطا بين الموجتين يمكن القول إن تحرير العراق دفع ومهد لظهور الحركات الاحتجاجية في عدد من البلدان العربية، فقد ظهرت حركة كفاية” المصرية” عام 2004 كما ظهرت حركات تشبهها في بلدان أخرى، ثم اجتمعت للثورات العربية التالية عوامل الضغط الداخلي والخارجي على السواء، ولكن بينما لا زال استباق أو توقع مصير الثورات العربية سابقا ل أوانه في ظل توالي الأحداث وتسارعها وتعثر بعض الثورات أو المراحل الانتقالية، يمكن القول إن النموذج العراقي ظل مأزوما طوال العقد الماضي نتيجة العنف الطائفي والقاعدي ونتيجة انتهازية سياسييين عديدين فيه بشكل رئيس، لا زالت تتضح في نهج الرئيس الحالي نوري المالكي.

النموذج العراقي بين الزرقاوي وإيران

فشل العراق كنموذج نظرا لفشل الاستراتيجية الأمريكية في إدارته، حيث انفرد العسكريون المنتصرون بإدارة شئونه دون استفادة مما تم وضعه من خطط من قبل السياسيين والاستراتيجيين الامريكيين، فتم هدم صارخ ل مؤسسات الدولة العراقية في عهد صدام وفي مقدمتها الجيش والشرطة، ولم يتم الانتباه للتدخل الإيراني الإيراني الصاعد والمستمر حتى الآن في الداخل العراقي، كما لم تتم معالجة النزوع الطائفي المحتقن الذي عبرت عنه أحداث القتل على الهوية والطائفة، عبر الجماعات الجهادية التي بدأت نشاطاتها وتنظيماتها في العام 2004 بتظيم التوحيد والجهاد الذي أسسه أبو مصعب الزرقاوي ثم انضم العام 2005 إلى تنظيم القاعدة.

كما نججت القوى الإقليمية في تعطيل مسيرة التحول الديمقراطي في العراق، عبر اللعب على تناقضات الداخل العراقي الطائفية والحزبية، والتدخل والدعم لجماعات الرفض والعنف الديني الملتحقة بالقاعدة التي وجدت في الجارتين السورية والإيرانية ملاذا آمنا لتعطيل مسار التغيير الديمقراطي في العراق، وقد صعدت الهتافات مرات عديدة في المدن الشيعية كالحلة والنجف العام 2008 بالخصوص.

وبينما جاء الربيع العربي لتفشل إيران في عدد من الجبهات خاصة بعد موقفها العنيد والداعم لنظام بشار الأسد ضد شعبه، لتستمر ماكينة موته وتحصد حتى حينه أواخر مارس سنة 2013 ما يزيد عن المائة الف قتيل وأكثر من ثلاثة ملايين لاجئ، كان العراق مباحا ومتاحا للتمدد والتدخل الإيراني في كل شئونه ومجريات حياته، ومثل احتياطيا استراتيجيا وأمنيا ل إيران سواء في المنطقة ككل أو داخل العراق بشكل خاص، فقد كانت” إيران الرابح الإقليمي الأكبر من الحرب على العراق، حيث تخلّصت من خصم تاريخي وبنت نفوذاً قوياً في منطقة البصرة الجنوبية والمناطق الشيعية عامّةً، وعلاقات وثيقة مع حكومة المالكي في بغداد، وعلاقات جيدة مع الأكراد في الشمال. وما من شيء يحول دون فرض إيران نفوذها بشكل اوسع سوى العقوبات المفروضة عليها من المجتمع الدولي، واحتمال خسارتها شريكها الاستراتيجي الأقدم في المنطقة العربية المتمثّل بنظام بشار الأسد في سورية”[2].

وقد ساعد من هذا التمدد الإيراني سسعي الكثير من القوى والأحزاب العراقية الناشئة- حينئذ- للعب على التناقضات الداخلية والخارجية لصالحها، بعد أن انفجرت فجأة بعد سقوط صدام العام 2003، حيث تأسست العديد من” الأحزاب على تمثيل طبقة أو عرق أو طائفة بغية توظيف مشكلات تلك الطبقة أو العرق، ولتجعل منها مطلبا حزبيا، وأحيانا يُصبح الحزب هو الوجه الآخر من الطائفة.

من هنا ظهرت أحزاب في إطار الطائفة وتعبر عنها، كحزب الدعوة الذي يرأسه الآن نوري المالكي رئيس الحكومة منذ العام 2006 وحتى الآن، وإن أراد هذا الحزب في بداية تأسيسه أن يظهر عكس ذلك، عبر “وجود أعضاء سنة في عضويته”[3]. والتيار الصدري والمجلس الإسلامي الأعلى وغيرها أو في إطار الطائفة السنية شأن الحزب الإسلامي العراقي وغيرها، وحاولت كل هذه الأحزاب في فترة ما بعد صدام الأولى مد خيوطها مدنيا عبر شبكة خدمات مدنية وأهلية فيما يسمى بالمجتمع المدني تخلط بين المدني والسياسي، كما تمددت العديد من فصائل بعضها المسلحة متخذة من شوارع ومدارس وفضاءات مدنية ثكنات لها.

لم يدم الترحيب بالدور الأمريكي في تحرير العراق من قبضة صدام طويلا، فقد كان فشلها في حمايته من طائفيته ومن ومن العنف الأهلي والقاعدي فيه أقوى، وبدا في خطاب العديد من القوى والأحزاب احتلالا تشابهت في نقده خطابات الجماعات المسلحة من كل الطوائف، القاعدة كما جيش المهدي، وأنصار الإسلام الكردية كما هو فيلق بدر التابع للمجلس الإسلامي الأعلى، كما هم بقايا حزب البعث والجيش النقشبندي بقيادة عزت الدوري نائب الرئيس العراقي السابق، كما نشطت ميليشيات الاغتيال المنظم للقادة العسكريين والعلماء العراقيين من مختلف الطوائف، وقد تم مؤخرا اغتيال ثلاثة من قيادات ائتلاف العراقية الوطني الموحد بقيادة إياد علاوي في محافظة واسط بواسطة كواتم الصوت في 29 مارس سنة 2013.

ونشطت في الأنبار جماعات القاعدة، بقيادة أبي مصعب الزرقاوي الذي قتل في يونيو العام 2006، وقد استطاعت العام2007 إقامة دولة إسلامية تسيطر عليها، تراجعت بفعل الاستراتيجية الأمريكية في تفعيل الصحوات ومجالسها في الأنبار، حتى استطاعوا القضاء عليها العام 2009 ولكنها عادت مع تخلي المالكي عن الصحوات وإهمالها، وفعالية سياسة الإقصاء والاستحواذ السياسي حتى نشطت معارضته مع الثورات العربي، وقامت انتفاضة الأنبار التي احتفلت بمرور مائة يوم على فعالياتها في الأول من أبريل سنة 2013 وسمته مائة يوم من العزة.

المالكي وتحدي ربيع عراقي جديد

رغم الاتهامات المتوالية بالفساد والعجز وتعثر مسارات التنمية، نجح نوري المالكي في تثبيت رئاسته لمرة ثانية، رغم تفوق قائمة العراقية بقيادة إياد علاوي(90 مقعدا) التي تفوقت عليه بمقعدين في انتخابات العام 2010، على قائمته ائتلاف دولة القانون(89 مقعدا)، إلا أنه نجح عبر التحالف مع التيار الصدري بعد ضغوط إيرانية في تشكيل حكومته في 25 نوفمبر سنة 2010، ومع وعد بإنشاء مجلس أعلى للسياسات يتولاه إياد علاوي لم يزد عن كونه حبرا على ورق حتى تاريخه.

بدأ المالكي، بينما الثورات العربية تتوالى بوادرها وموجاتها، مسلسل استئثاره بالسلطة، ومطاردة معارضيه حتى داخل الحكومة بشكل فج، مثل طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية العراقية السابق والذي توالت مطارداته له العام 2011 ففر ل إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي في يناير من هذا العام، ثم منه إلى خارج البلاد، وصدر حكم غيابي بإعدامه في 9 سبتمبر سنة 2012، وقد أتهمت الحكومة العراقية طارق الهاشمي بالعديد من التهم ومنها 300 جريمة قتل وتفجير.

كانت الحلقة الثانية من استهداف المالكي لمعارضيه مع وزير المالية رافع العيساوي، الذي حاول تجنب المواجهة مع رجل العراق القوى نور المالكي، منذ أن تولى منصبه الحالي وذلك بعد أن تم رفع أسمه من القائمة المشمولة بالاجتثاث، وذلك ضمن صفقة إعادة تولي المالكي رئاسة الوزراء. 

لكن بعد تصريحات خصومه للتخلص منهم، فبعد زيارات العيساوي للأردن، وتأكيده على قرب سقوط النظام الطائفي في سوريا، والذي يعد المالكي أحد مناصريه وداعميه بوكالة إيرانية حسب العديد من المراقبين، عاد العيساوي من سفرته ليجد نفسه محل الملاحقة الأمنية، وهو ما تزامن مع أزمات المالكي مع التيار الصدري من تحديات، وما غدت تعانيه روابطه القديمة مع التحالف الكردستاني من مظاهر للتآكل بسبب عدم تطبيق بنود اتفاق أربيل 2010، والذي أدى إلى تشكيل المالكي للحكومة بعد 6 أشهر من المفاوضات، والتي كادت تصل للمواجهة المسلحة بعد أزمة “أزمة طوزخورماتو”، بعد قرار المالكي بتشكيل “قيادة عمليات دجلة” لتتولى تأمين المناطق المتنازع عليها مع إقليم كردستان، بما أثار معارضة قوية من قبل زعيم إقليم شمال العراق الكردي مسعود بارزاني، الذي طالب بدوره قوات البشمركة الكردية بالتأهب لأي مواجهة.

كما تزامنت هذه المواجهات السياسية والمناطقية كذلك مع توالى جرائم الفساد في حكومة المالكيـ والتي كان آخرها متعلقا بصفقة الأسلحة الروسية، والتي أفضت إلى “التضحية” بالناطق الرسمي باسم الحكومة على الدباغ، والاتهامات المستمرة بتبعية القضاء وسيطرة المالكي عليه، وعدم الالتزام بنصوص الدستور، مما جعل الطائفة السنية وكثيرا من التيارات السياسية والمجتمع العراقي عموما يشعر بالمزيد من الاحتقان والغضب من سياسات المالكي في الشهور الأخيرة، وهو ما دفع عددا من المحافظات للمطالبة بحكم ذاتي وتشكيل أقاليم مستقلة.

وخلق حالة من التعبئة ضد الحكومة وسياساتها، واندلعت المظاهرات في الانبار لهذه الأسباب السابقة وغيرها، واكتسبت زخما شعبيا واسعا، حيث توافدت حشود ضخمة من مناطق مختلفة في العراق ومنها عشائر من الجنوب على مدن الفلوجة والرمادي في محافظة الأنبار (الغرب) وسامراء وتكريت في محافظة صلاح الدين (وسط) والموصل في محافظة نينوى (شمال)، وتضامنت معها مختلف التيارات السياسية وإقليم شمال العراق الكردستاني، وانتشرت الإضرابات والاعتصامات فيما يشبه مشهد الثورات العربية العام 2011، وطرح سؤال هل تشهد العراق تحريرا ثانيا بعد صدام! حيث تطالب قطاعات عريضة من المتظاهرين بإسقاط المالكي ونظامه.

وتعددت روافد الأزمة ويبدو أن المالكي يخسر أنصاره، فقد تظاهر التيار الصدري بتنظيم تظاهرات في بغداد تنديدا بتصريحات المالكي ضد زعيمهم مقتدى الصدر، ردا على انتقادات الأخير لصفقة الأسلحة مع روسيا والأزمة مع الأكراد التي زارها مقتدى الصدر، وأبدى تعاطفا كذلك مع قضية الهاشمي والعيساوي، وطرح مبادرة لميثاق شرف عراقي منتقدا استئثار المالكي بالسلطة، وحدثت اشتباكات بين الصدريين الذين يتولون وزارات مهمة في حكومة المالكي، وبين أنصار الأخير في مجلس النواب العراقي، وهو ما يعد التحدي الأكبر للمالكي ولائتلاف دولة القانون خاصة مع الانتخابات المحلية المقبلة والتي كان مقررا إجراؤها في 20 ابريل الجاري ولكن تم تأجيلها ل ستة أشهر أخرى[4] ربما خوفا من هذا المصير، حيث تمتد الأزمة وتتسع سياسيا عبر قضايا العيساوي والهاشمي وإطلاق سراح كافة المعتقلين والمعتقلات في السجون العراقية(1400 معتقلة) وإقرار قانون العفو العام، واحترام الدستور والقوانين وعدم استهداف أي من مكونات الشعب العراقي، وإنهاء سياسة التهميش وتصحيح مسار الحكومة وتحقيق شراكة سياسية حقيقية، وإلغاء قانون المساءلة والعدالة، واعتماد التوازن في الأجهزة الأمنية، هذا بالإضافة إلى عدم التحكم بالهيئات المستقلة وفصل تبعيتها عن الحكومة، حتى تصل إلى المطالبة بإسقاط المالكي ذاته[5].

ولكن يبدو أن ما جناه العراقيون فقط هو المؤسسات بدرجة ما، وإن كانت مشوبة بأمراض التسلطية والطائفية، وشخصنة السلطة التي عهدها العراق في السابق، وتعانيها كذلك بعض بلدان ما بعد الثورات العربية الحالية..فالشخصنة للسلطة تنفي الفصل بين سلطاتها القضائية والتنفيذية والتشريعية ويتماهى جميعها في شخص المتسلط الجديد، هكذا يدأب المالكي كما يدأب النظام المصري الحاكم بعد مبارك على استهداف واستتباع السلطتين القضائية والتشريعية له واستهداف المعارضين كذلك.

على الرغم من أن العديد من الفصائل تنتقد رئيس الوزراء نوري كمال المالكي، إلا أن معظمها لا تزال تحتفظ بممثليها في البرلمان وبوزرائها في الحكومة الاتحادية. ولدى الأكراد شكوك مشروعة حول التزام المالكي بتقاسم السلطة، ولكنهم لا يحاولون الاستيلاء على السلطة منه بالقوة. بل على العكس من ذلك تماماً: انهم يسعون لردعه عن استخدام القوة العسكرية ضد حكومتهم التي تتمتع بحكم شبه ذاتي في إقليمهم”[6]

بينما انخفض معدل العنف والعمليات المسلحة في العراق أوائل العام 2011 إلى حوالي 200 عملية في السنة، مع نجاعة السياسة الأمريكية الأمنية واستهداف فلول القاعدة عبر مجالس الصحواتـ إلا أنه عاد للارتفاع بقوة العام 2013 حتى تصل إلى حوالى 800 عملية في الشهر، وهو ما يعكس الفراغ الذي تركه الجلاء الأمريكي عن العراق وأزمة السياسة الأمنية للمالكي الذي رفعت الرعاية في عهده عن عناصر الصحوات، التي صارت كلأ مباحا لاستهداف القاعدة لرموزها والمنتمين إليها، هذا فضلا عن حوادث العنف الإجرامي والاجتماعي العشوائي في ظل حالات الانفلات الأمني التي تشهدها العراق كما تشهدها بعض بلدان الثورات العربية- مثل مصر- ولا يتم حصرها في ظل أزمة مؤسسات الدولة وسقوط هيبتها بشكل ما.

ويبدو التحدي الواضح للمالكي الذي يواجه انتفاضة الأنبار بمختلف الأشكال السياسية والسعي المراوغ للحوار، الذي رحبت به مجالس العشائر مؤخرا، هو احتمال سقوط نظامه الحليف في سورياخلال النصف الثاني من العام 2013 او بعده، في ثورة توصف بأنها سنية ضد حكم الأقلية العلوية الشيعية، والحقيقة أنها ضد التسلطية حيث تشارك مختلف الطوائف فيه، وهو ما قد يعطي زخما لمعارضي المالكي من الطائفة السنية بالخصوص، وهكذا يظل التغيير الديمقراطي القائم على المدنية والمواطنة مطلبا عربيا لم يلبه بعد عراق ما بعد صدام الذي سقط عبر التدخل الخارجي، كما لم تلبه بعد الأنظمة الصاعدة في مصر وتونس بعد سقوط نظاميهما عبر ثورات الداخل…ويظل العرب يبحثون عن نهضتهم..أو ربيعهم الديمقراطي متى ظلت الأيدولوجية والتسلطية القائمة على شخصنة السلطة او استحواذ جماعة أو طائفة عليها أو حاكم عليها دون إشراك للآخرين ممن يمارس التمييز ضدهم والملاحقة لأنصارهم!

——————–

معهد العربية للدراسات –

-- *الدراسة من إعداد هاني نسيره

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*