السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الجزائر : مستقبل الحركات الإسلامية بعد صدمة الإنتخابات البرلمانية

الجزائر : مستقبل الحركات الإسلامية بعد صدمة الإنتخابات البرلمانية

 

مــقدمـــة

شكل فشل الأحزاب الإسلامية الجزائرية في الإنتخابات التشريعية المنتهية في مايو 2012، والتي أخرجت الجزائر من مُربع الثورات العربية في الشمال الإفريقي، مفاجأة تحتاج إلى تفسير وبحث عن الأسباب التي أدت إلى انكسار هذا التيار، خصوصاً وأن رئيس البلاد “بوتفليقة” قد أجرى تعديلات دستورية تزامنت مع موجة الربيع العربي سمحت بتأسيس أحزاب دينية جديدة لم تستطع كسب ود وثقة الشارع الجزائري، ولم تستطع أيضاً أن تتحالف انتخابياً مع كتلة الأحزاب الإسلامية القديمة، الأمر الذي انتهي بحدوث انشقاقات وانقسامات داخل التيار الإسلامي في مُواجهة الحزبان الحاكمان للبلاد.

ونظراً لما آلت إليه انتخابات مجلس الأمة الأخيرة من نتائج كانت مفاجأة للإسلاميين أنفسهم، وخاصة بالنسبة الأحزاب الإسلامية التي شاركت في تلك الإنتخابات. فإنه قبل الشروع في تحليل العوامل التي أدت إلى سقوط الأحزاب الدينية كان لابد أن نعرض شكل وملامح الخريطة الإسلامية القديمة في الجزائر، وكذلك الخريطة الجديدة للحركات الإسلامية التي تأسست بعد اصلاحات الرئيس “بوتفليقة” السياسية في ابريل 2011، وكذلك رصد طبيعة التعديلات السياسية والدستورية التي أجراها الرئيس “بوتفليقة” والتي شكلت مُبادره منه للتحول الديمقراطي لإنقاذ النظام الحاكم من السقوط، والتي لقيت في نفس الوقت قبول لدي رجل الشارع الجزائري بإعتبارها لبت عدداً من المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تقدمت بها الحركات الاجتماعية بعد سقوط نظامي “مبارك” و”زين العابدين”، والتي كانت أيضاً سبباً في عذوف المُواطن عن مُساندة الأحزاب والحركات الدينية.

من هنا تُحاول الدراسة من خلال سطورها الكشف عن مستقبل الأحزاب والحركات الإسلامية الجزائرية في ظل خريطتها التي تميزت بالجمود والتفتُت والإنقسام وافتقادها للمصداقية في الوسط الشعبي الذي فضل الإستقرار، وقبل بعملية الإصلاح التدريجي التي يُجريها النظام في مؤسساته التشريعية والقانونية لتحققيق نوعاً من التغيير، وأيضاً في ظل مُواجهتها لنظام سياسي يحكُم منذ الإستقلال وتُسيطِر عليه المؤسسة العسكرية التي تتحكم في مفاتيح السلطة في المجالين السياسي والاقتصادي، ويعتمد على الريع النفطي من أجل كسب الولاء السياسي وشراء السلم الاجتماعي .

كما تجيب الدراسة أيضاً عن سؤال آخر ينطلق من توقع المستقبل السياسي للحركة الإسلامية التي بدأت تُواجهه انقسامات داخلية بمجرد خروجها من الإنتخابات ورفضها لنتائجها وكذلك إعلان بعضها عن عدم المُشاركة في أول حكومة تشكلت بعد الإنتخابات التشريعية، وقياس مدي قُدرة الحركة الإسلامية على الحشد لمُواجهة النظام في الإنتخابات الرئاسية المُقبلة في 2014، ومدي تأثيرها في حدوث انفجار شعبي على المدى القريب، قد يلحق الجزائر بموجة الربيع العربي.

أولاً : خريطة الحركات والأحزاب الدينية في الجزائر:

تتسم خريطة التيارات والحركات الإسلامية في الجزائر بالتنوُع وتعدُد الإتجاهات، فكل ألوان الطيف الإسلامي تكاد تتواجد في داخل الحالة الإسلامية الجزائرية، كما أن المُستجدات والمُتغيرات التي تمُر بها البلاد تترُك بصماتها على ملامح هذه الخارطة، فتتغير الأسماء، وتتبدل التوجُهات، وتظهر قوى وتختفي قوى آخرى، وتندمج قوى وتنشق قوى من قوى آخرى .

لكن قبل الخوض في تفاصيل ملامح هذه التيارات الدينية، كان لابد علينا أن نُوضح أن الحركة الإسلامية في الجزائر تغيرت ملامحها بعد ثورات الربيع العربي، خصوصاً بعد التعديلات الأخيرة التي أجراها الرئيس “بوتفليقة” في قانون مُباشرة الحقوق السياسية وقانون الأحزاب الجزائري، فتشكلت أحزاب سياسية قامت على أساس ديني يبلغ عددها أكثر من ثلاثة أحزاب خاضت جميعها الإنتخابات التشريعية الأخيرة.

الخريطة الإسلامية الجزائرية القديمة :

نعرض هنا الحركات الإسلامية التي تأسست قبل تعديلات “بوتفليقة” الدستورية في إبريل 2011، والتي تنشط سياسياً واجتماعياً بين الحين والآخر، ولا تزال تأثيراتها ظاهرة في الساحة الجزائرية، والتي لعل أهمها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وحركة مجتمع السلم “حمس”، وحركة “النهضة”، وحركة الإصلاح الوطني، والسلفية العلمية، والجماعة الإسلامية المُسلحة، والجيش الإسلامي للإنقاذ، والجماعة السلفية للدعوة والقتال، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

1.   الجبهة الإسلامية للإنقاذ:

نشأت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد الإنفتاح الذي شهدته الجزائر أواخر الثمانينيات، واقرار التعدُدية السياسية للمرة الأولى عام في دستور 1989. وأعلن رسمياً عن تأسيس الجبهة في مارس 1989، وحصلت على الترخيص الرسمي كحزب من وزارة الداخلية في سبتمبر من نفس العام، وتأسست الجبهة بقيادة الشيخان “عباس مدني” و”على بن حجاج”، وتكونت في ذات الوقت من تحالُف تيارات اسلامية غير مُتجانسة، حيثُ تكونت من سلفيين وجهاديين، بالإضافة إلى بعض تيارات الإخوان المسلمين، وبالتحديد التيار المحلي للإخوان المسلمين بزعامة الشيخ “محمد السعيد”، وكذلك تيارالشيخ “عبدالله جاب الله”، بينما لم يُشارك التيار العالمي للإخوان المسلمين مُمثلاً في الشيخ “محفوظ نحناح” والشيخ “محمد بوسليماني” في تأسيس الجبهة.

أ‌. المشوار السياسي والنضالي للحركة :

بمجرد تأسيس “الجبهة”، خاضت المعركة الإنتخابية في الإنتخابات البلدية 1990، وحققت فيها فوزاً كبيراً، مما دفع الحكومة الجزائرية إلى إدخال تعديلات على قانون الإنتخابات للحيلولة دون تكرار فوز “الجبهة” الكاسح في الإنتخابات العامة، وفي نهاية مايو من نفس العام نتيجة التظاهرات التي نفذتها الحركة اعتراضاً على ضغوط السلطة ضد تحرُكاتها، تم اعتقال عدد من قيادات “الجبهة” وعلى رأسهم “عباسي مدني” و”على بن حاج” اللذان حُكما عليهما بالسجن 12 عاماً. ورغم عمليات الإعتقال التي تعرض لها قيادات “الجبهة” إلا أنها حققت فوزاً كاسحاً في انتخابات الدورة الأولى من أول انتخابات تشريعية تمت بعد اقرار التعددية السياسية، حيثُ حصلت على 188 مقعداً من مقاعد البرلمان التي يبلُغ عددها 430 مقعداً. وفي مارس 1992 أصدر القضاء الجزائري قراراً بحل “الجبهة” واعتقال عدد كبير من قياداتها الأمر الذي أدي إلى فرار عدد كبير من أعضائها إلي الجبال وتوزيعهم على عدد من الجماعات المسلحة الجزائرية التي أعلنت الجهاد ضد السلطة لتُغرِق الجزائر في حمام من الدم طوال عقد التسعينيات، والتي أُطلق عليها العشيرة السوداء، والتي راح ضحيتها حوالي 200 قتيل.

ب‌.  الوضع الحالي للحركة :

رغم قصر الفترة التي عاشتها “الجبهة” كحزب سياسي مُرخص له إلا أن تأثيرها على الساحة الجزائرية لا يزال في الشارع الجزائري مُتمثلاً في مجرد تصريحات وبيانات دون المشاركة السياسية والذي ظهر واضحاً في الإنتخابات البرلمانية 2012، فقبل 24 ساعة من إجراء الإنتخابات التشريعية في الجزائر، دعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، السلطات الرسمية، لإلغاء الإنتخابات، وتنظيم مرحلة انتقالية، من خلال تشكيل مجلس تأسيسي تمثيلي، تشترك فيه جميع القوى السياسية الشرعية دون استثناء، لإدارة مرحلة انتقالية، يُشكل فيها حكومة إنقاذ وطني تُشرف على تحضير انتخابات حُرة تعددية وشفافة ونزيهة، لنقل السلطة إلى الشعب الجزائري، ليسترجع حريته وسيادته. ودعا “عباسى مدني”، و”علي بن حاج”، الشعب الجزائري إلى مُواصلة” وقفته البطولية واستمرار سعيه الحثيث من أجل التغيير الجذري لنظام حُكم غير شرعي وفاسد بطريقة سلمية حضارية واعية والتمسك بوعيه التاريخي، لإفشال كل المُخططات التي تستهدف أمنه واستقراره وترهن مستقبل أجياله”.

1. حركة مجتمع السلم “حمس”:

تعود جذور هذه الحركة إلى جماعة المُوحدين التي أسسها الشيخان “محفوظ نحناح” و”محمد بوسلماني” لمُواجهة التوجه الإشتراكي للنظام الجزائري بعد انقلاب 1965، وتُمثِل هذه الحركة تيار الإخوان المسلمين، وانتهجت الحركة منذ تأسيسها خيار المُشاركة في العملية السياسية الجزائرية، وفي عام 1996، أزالت الحركة من اسمها صفة الإسلامي لتُصبح حركة مجتمع “السلم”، وفي عام 2003 بعد وفاة مؤسس الحركة انتهج “أبوجرة سلطاني” قائدها الثاني التقرُب للسلطة والرئيس وشارك في الائتلاف الحاكم حتي قبل انتخابات مايو 2012. وقد انحرفت الحركة خلال فترة “أبوجرة” عن العمل الدعوي وعن الخط الإخواني الذي تأسست عليه، وبسبب ذلك واجهت مجموعة من الإنشقاقات وانشقت منها حركة الدعوة والتغيير للنهوض بالعمل الدعوي، وخاضت الحركة الإنتخابات التشريعية الأخيرة في مايو 2012 تحت تحالُف الجزائر الخضراء التي ضمت كل من حركة مجتمع “السلم” وحركة “النهضة” و حركة “الإصلاح الوطني”، وحصلت على 50 نائباً.

2. حركة النهضة :

تأسست حركة “النهضة” أو حزب “النهضة” عام 1990، بقيادة مؤسسها “عبدالله جاب الله”، وفي عام 1999 تعرض حزب “النهضة” لحركة انشقاق حيث انشق مؤسسها الرئيسي “عبدالله جاب الله” لخلاف بينه وبين “الحبيب آدمي” بسبب تأييد الأخير وأنصاره للرئيس “بوتفليقة”، والتي انهارت الحركة بعهدها حيثُ انخفض عدد نوابها في الإنتخابات البرلمانية عام 2002 إلي نائب واحد بدل من 34 نائباً والتي بسببها تولى “فاتح ربيعي” ادارة الحركة بدل من “آدمي” بعد استقالته، وإنتخابات 2012 الماضية خاضت الحركة المعركة تحت ائتلاف الجزائر الخضراء، والتي حقق التحالُف 50 مقعداً، في حين حقق حزب “العدالة والتنمية” المُنشق عنها 7 مقاعد.

3. حركة الإصلاح الوطني :

أسسها “عبدالله جاب الله” وأتباعه المُنشقين عن حزب “النهضة” عام 1999، وخاض الحزب أول إنتخابات له عام 2002 وحصل على 34 مقعداً، ورغم حصوله على المركز الثاني في تلك الإنتخابات إلا أنه رفض المشاركة في الحكومة، وفضل الإحتفاظ في المعارضة، وشهد الحزب صراعات داخلية قبل انتخابات عام 2007، أدت إلى انقسام الحزب إلى جبهتين، واحدة بقيادة “جاب الله”، والأخرى بقيادة “محمد بولحية”، ووقتها تم الإطاحة بـ “عبد الله جاب الله” من رئاسة الحزب، وحصل الحزب على ثلاثة مقاعد فقط في تلك الإنتخابات، وفي انتخابات 2012 التشريعية عاد التقارُب بين حزب “النهضة” و”الإصلاح”، وتم خوض الإنتخابات تحت تحالُف الجزائر الخضراء التي حصل فيها التحالف على 50 مقعداً، في حين حصل حزب “العدالة والتنمية” الذي أسسه “جاب الله” المُنشق عن الحركة على 7 مقاعد رافضاً التحالُفات الإسلامية.

4. الحركة السلفية :

تعود نشأة الحركة السلفية في الجزائر إلى السبعينيات، وتجد الحركة السلفية في الجزائر في العودة للسلف الصالح السبيل الوحيد للخلاص من البدع والفُرقة الدينية، ولم يتجسد دور الحركة السلفية السياسي على أرض الواقع إلا بعد ظهور “علي بلحاج” في المسرح السياسي، وتنقسم الحركة السياسية في الجزائر إلى سلفية علمية والسلفية الحركية والسلفية الجهادية، ويتركز السلفيون الدعويون والحركيون في المدن والقرى في الجزائر وفي العاصمة، و تتصف السلفية الجزائرية حالياً بالبعد عن المُمارسة الفعلية للسياسة، حيثُ أنها في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة اقتصر دورها على المُشاركة في التصويت دون الدخول في تحالُفات وائتلافات مع باقي التيارات الإسلامية الأخرى، ويختلف التيار السلفي في الجزائر عن نفس التيار في مصر، حيثُ يرفُض مُعظم السلفيين هناك مُمارسة السياسة، مُعتبرين أن خلط السياسة بالدين مفسدة، فهؤلاء مُنغلقون على أنفُسهم في المجتمع يُمارسون حقهم في الدعوة من خلال منابرهم الإعلامية الخاصة.

5. الحركة الصوفية :

تتصف الحركة الصوفية في الجزائربالمتسيسة لصالح السلطة الحاكمة، حيث يلاحظ أن الطرق الصوفية الجزائرية تعمل لصالح نظام “بوتفليقة” وحكومتة مقابل الحصول على دعم مادي ومعنوى يجعلها ترتمي في أحضان النظام وتسير على طول الخط معه، وتؤيد سياساته وتدعمه انتخابياً ضد الحركات الإسلامية الآخرى. وإلى جانب الحركات الإسلامية السابقة، توجد حركات اسلامية مُسلحة منها الجماعات المُسلحة، والتي لم يعُد لها نشاط ولا وجود فعلي في الجزائر الآن، وأيضاً الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي تأسس كجناح عسكري للجبهة الإسلامية للإنقاذ وحل نفسه عام 1997، وأعلن قائده “مدني مزراق” توقيع هُدنة مع الحكومة، وتطور التنظيم بعد مُصالحة أتباعة مع النظام إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال.

الخريطة الاسلامية الجزائرية الجديدة:

نتيجة أحداث الربيع العربي في المنطقة، بدأت مُحاولات إصلاح من قِبَل النظام الجزائري كان من أهمها اعتماد قانون جديد للأحزاب، كان من نتائجه، فتح الباب أمام أحزاب جديدة، مع استمرار الحظر على حزب “جبهة الإنقاذ”، وحرمان قيادتها من المُشاركة في الحياة السياسية، أو انشاء أحزاب، أو الإنضمام إلى أحزاب سياسية قائمة، وذلك بموجب قوانيين المُصالحة العامة التي قادها الرئيس “بوتفليقة”، ويبلُغ عدد الأحزاب الإسلامية المؤسسة بعد تعديلات الدستورية للرئيس “بوتفليقة” في إبريل عام 2011 الماضي، ثلاثة أحزاب هي حزب “الحرية والعدالة” ،الذي يتزعمه “محمد السعيد”، المُرشح للإنتخابات الرئاسية عام 2009، وهو إسلامي مُعتدل، والحزب الثاني هو “جبهة التغيير”، مؤسسه “إخوة عبدالمجيد مناصرة”، وحزب “جبهة العدالة والتنمية” المُنبثق من حركتي “النهضة” و”الإصلاح”، ومؤسسهما “عبدالله جاب الله”.

1.   جبهة العدالة والتنمية :

مؤسسه الشيخ “عبدالله جاب الله” بعد صراع طويل مع بعض قيادات الحركات الإسلامية المؤسسة منذ بداية التسعينيات، حيثُ كان “عبدالله جاب الله” مُشاركاً في ولادة العديد من الأحزاب والحركات القديمة، والتي كان يُقال منها بعد تأسيسها نتيجة مؤامرات داخلية بتلك الحركات والأحزاب والتي منها حركة “النهضة”، وحزب “النهضة” الذي أُقيل منه، وقد حصل حزب “العدالة والتنمية” على رُخصة مُمارسة العمل السياسي في مارس 2012، وقد خاض الحزب المعركة البرلمانية الأخيرة مُنفرداً رافضاً الإنضمام إلى تكتُل الجزائر الخضراء الذي ضم كل من حركة “حمس” وحركة “النهضة” و”الإصلاح”، أو الإنضمام مع أي تحالُف اسلامي أخر ليحصُل على سبعة مقاعد في البرلمان الأخير.

2.   حزب جبهة التغيير :

مؤسسه “إخوة عبدالمجيد مناصرة” في 21 مارس 2012، ليدخل المعركة الإنتخابية البرلمانية الأخيرة، ويُعد مؤسسة “عبدالمجيد مناصرة” امتداداً طبيعياً لحركة “حمس” الأولى بقيادة الشيخ “محفوظ نحناح”، وقبل أن يحدُث الخلاف داخل حركة “حمس” الأولى، وانقسام الحركة إلى تيارين مُتصارعين، الأول بقيادة “عبدالمجيد مناصرة” الداعي للتغيير ووضع مسافة فاصلة عن السلطة، وتيار رئيس الحركة “أبوجرة سلطاني” الذي تولى الحركة بعد وفاه مؤسسها 2003م . ونتيجة الصراع بين التيارين وانفصال الكتلة البرلمانية للحركة إلى كتلتين، الكتلة القديمة بقيادة “أبوجرة سلطاني” وكتلة “عبدالمجيد مناصرة” التي عُرفت بحركة الدعوة والتغييروالتي تأسس من روحها وفكرها الحزب الجديد “جبهة التغيير”.

3.   حزب الحرية والعدالة :

مؤسسه “محمد السعيد” المُرشح في الإنتخابات الرئاسية في 2009، لمُنافسة الرئيس “بوتفليقة”، وحزب “الحرية والعدالة” يُصنَف من الأحزاب الإسلامية غير الأصول الإخوانية، ويُعتبر من أحزاب الدرجة الثانية بالمُقارنة بـ “العدالة والتنمية” و” حمس” و “النهضة والإصلاح”، وترجع مًحاولات تأسيس “الحرية والعدالة” إلى عام 2009،حيث سعى منذ ذلك التاريخ السيد “محمد السعيد” للحصول على الإعتراف من السلطة بمُمارسة الحزب لحقه السياسي والقانوني، لكن نتيجة ارتباط اسم المؤسس لحركة “الوفاء والعدل” الدكتور “أحمد طال الإبراهيمي” الوزير الأسبق وأحد أعمدة النظام في ثمانينيات القرن الماضي بالسيد “محمد السعيد” تأخرت المُوافقة على تأسيس الحزب، وإذا كان فيما بعد حاول “محمد السعيد” فك الإرتباط التنظيمي بحركة الوفاء، فإن السلطة في الجزائر لم تقتنع، مُعتبرة أن حزب “الحرية والعدالة” سيكون حزب سياسي بواجهة يقودها “محمد السعيد”، ويتحكم فيه في الواقع الإبراهيمي.

ملامح وتطور الحركات الإسلامية في الجزائر:

تشترك الحركة الإسلامية في الجزائر مع بقية الحركات الإسلامية في الوطن العربي في صفات مُتعددة، حيثُ تتميز بشعبويتها وقُدراتها التعبوية على اختراق كافة الشرائح الإجتماعية والإقتصادية، ويرجع ذلك إلى تراجُع دور الدولة الوطنية في الحفاظ على المنظومة الأخلاقية التي يجب أن تسود وتتحكم في المجتمع، فضلاً عن تراجُع قرارها وهيمنتها لصالح قوى خارجية أجنبية داعمة، وعليه فأخذت الحركات الإسلامية من الدين كمُحرك لإنقاذ الدولة وجهازها السياسي وبالتالي فأصبح المرجع الديني علامة اجتماعية وثقافية وسياسية،  وأخذت الدلالات والتعابير الدينية توظف من أجل توطيد جماعي للهوية مما جعل المسيرة الدينية تفقد طابعها العفوي لتُصبِح مسيرة يشوبها العُنف من أجل التغيير. ولم تكن أغلب الحركات الإسلامية في الجزائر تنشأ بإعتبارها جماعات سياسية وإنما وُصفَت بأنها جماعات دعوية تتبنى العمل لإعادة المنهج الإسلامي إلى واقع الحياة، وكانت الدول التي تسمح للإسلاميين بالمُمارسة السياسية كانت تسعى بالأساس إلى ضبط مستوى تفوقها وإنتشارها ومدى تحرُكها في الإنتخابات حتى حد مُعين. وكان ظهور الحركة الإسلامية في الجزائر كقوة سياسية مع بداية الثمانينيات تتسم بالتأليف بين إستراتيجية أخذ السلطة واستراتيجية المُجابهة العنيفة، وكان الربط بين النُخبة الإسلامية والجماهير هو الوسيلة للحركات الإسلاموية لفرض نفسها على المسرح السياسي الوطني كقوة مُعارضة أساسية.

تطورت حركات الإسلام السياسي في الجزائر بسبب التحوُلات السياسية التي مرت بها البلاد، وتوافر هامش من الحرية بعد التحوُل نحو التعدُدية الحزبية، وخرجت من نطاق العمل الدعوي والتلقين الديني إلى السعي نحو تكوين قاعدة شعبية تُمكنها من الوصول للسلطة، مُستخدمة في ذلك الخطاب الديني لإقناع الناخبين بمصداقية برامجها الإنتخابية، التي تسعي إلى تغيير أُسس النظام السياسي غير الإسلامي، بأدوات الديمقراطية نفسها، وتمثلت الحركات الإسلامية التي واكبت التطور في ثلاثة حركات اسلامية أساسية هي تنظيم الإخوان المسلمين الجزائريين، وتنظيم حركة الجزائرة، والحركة السلفية، وقد تأثرت هذه الحركات الثلاثة في تطوُرِها بموجة الصحوة الإسلامية وانتشار حركات الإسلام السياسي، فقد انطلقت حركة الإخوان المسلميين الجزائريين من التجربة المصرية، وانطلق تنظيم حركة الجزائرة من تجربة ودور جمعية العلماء المسلمين التاريخي في الثورة الجزائرية وما بعد الإستقلال، وقد نبعت الحركة السلفية وتأثرت من الحركة الوهابية في المملكة العربية السعودية.

تتمثل أهم ملامح الحركة في:

1.جميع التكتُلات الإسلامية في الإنتخابات سواء القديمة منها أو التكتلات الإسلامية الجديدة واجهت تعثُرات كبيرة، فكانت مُجرد تحالُفات تنشأ بين أحزاب أو حركات تشعُر بالضعف وتتخوف من نتائج الإنتخابات، بدليل أن حزبي “جاب الله” “العدالة والتنمية” و مُناصرة “جبهة التغيير” رفضا في انتخابات يوليو 2012 التشريعية الإنضمام إلى تكتُل الجزائر الخضراء، رغم العديد من اللقاءات والمُشاورات التي تمت بين قيادات الأحزاب الدينية على خوض المعركة في تحالُف واحد.

2. الإسلاميين في الجزائر انقسموا إلى شقين، الأول يؤمن بالتغيير السلمي والوصول للسلطة عبر صناديق الإقتراع، والثاني مُعارض للنظام ويرفُض التعامُل معه، والمُشاركة في الإنتخابات مهما كانت نزاهتها.

3.ثبات حالة الإنقسام داخل الحركة الإسلامية في الجزائر منذ 1991، وهو تاريخ أول انتخابات تشريعية تعدُدية حتي موعد الإنتخابات التشرعية الأخيرة في يوليو 2012، وبعدها مُتمثلاً في عدم وحدة الموقف تجاه نتائج الإنتخابات والموقف من تشكيل الحكومة، وحضور جلسات البرلمان.

4.التنافُس بين مشايخ وقيادات الحركة الإسلامية في الإنتخابات التشريعية والبلدية انعكس سلباً على نشاط الحركة الدعوى والتربوي، وبذلك تكون الحركة قد تفرغت من محتواها الأصلي في النشاط الدعوي والتربوي إلى العمل بالسياسة، وبذلك تكون الحركة قد فقدت توازُنها كحركة اسلامية، وأصبح يتحول معظمها إلى أحزاب سياسية صرف، وتخوف بعضها ساعياً إلي الدعوة إلي غلبة الجانب التربوي على الجانب السياسي فيها، ومنها حركة “الدعوة والتغيير”.

5. على مدى 14 عاماً من حل جبهة “القيم الإسلامية”، لم يكن هناك نشاطاً للإسلاميين يُذكَر في الجزائر، لكنهم سُرعان ما عادوا للظهور من جديد بعد الثورة الإيرانية سنة 1979، وتحولت المساجد مرة أُخري مسرحاً لخطاباتهم، وكثف الإخوان المسلمون تواجدهم داخل الجزائر عن طريق الكتب الدينية والمجلات.

6. بعد انتصار الإسلاميين في الإنتخابات التشريعية عام 1991، وحل جبهة “الإنقاذ” بحكم قضائي في مارس 1992، انقسمت الحركة الإسلامية في الجزائر إلى أربعة توجُهات سياسية وقانونية وعسكرية وسرية مما أدى إلى ضعفها واقتناع قياداتها بالعودة إلى العمل السياسي القانوني والقبول بمشروعية المصالحة الوطنية، والإنخراط في العمل السياسي القانوني وتشكيل العديد من الأحزاب السياسية الذي أدي إلى إضعاف جبهة الإنقاذ الوطني اضعافاً أبدياً، كذلك تشتيت أصوات الإسلاميين في أي انتخابات وهو ما يُفسر سبب فشلهم في الإنتخابات التشريعية الأخيرة.

7. افتقاد الحركة الإسلامية في الجزائر مؤخراً لولاء نسبة كبيرة من الشباب الجزائري، بسبب عدم رغبتهم في الدخول في عُنف جديد، اضافة إلي قراءتهم للمشهد العربي بعد صعود التيارات الإسلامية هناك وارتباك دورها في خدمة المواطن، مما أدي إلي فُقدانها إلى أكثر من 70 في المئة من أصوات الناخبين في انتخابات مايو2012 والمُتمثلين في الشباب.

8.شكلت انتخابات مايو 2012 التشريعية تحدياً صارخاً للحركة الإسلامية الجزائرية، بسبب الفشل الإنتخابي وأيضاً بسبب صعود الإسلاميين في الدول القريبة من الجزائر، الأمر الذي قد يدفعها مُستقبلاً في حالة نجاح التجارب الإسلامية في المنطقة إلى التحوُل من دائرة الفرقة والتشتُت إلى التقارُب والتنسيق، ومن دائرة التنظيم والنُخبة إلى دائرة الشعب والمجتمع، ومن دائرة مُشاركة بعضها في الحكومة وليس في الحُكم، إلي دائرة الشراكة الحقيقية ووضعية في الحكومة والحُكم معاً.

9. احتمالات انعكاس ما يجري في مصر وتونس من اضطرابات التي كان أخرها في مصر (أحداث رفح التي راح ضحيتها 16 ضباط وجندي من أفراد القوات المسلحة). بالإضافة إلى وعدم وضوح الرؤية بسبب حُكم الإسلاميين في هذه الدول، مع غياب التيار الإسلامي من المشهد السياسي الجزائري، إلى تراجع الإقبال على أحزاب الحركة الإسلامية، وتفرُق أتباعها لأسباب عديدة، أهمها على الإطلاق، أحداث ووقائع عايشتها الجزائر في عقد التسعينيات (1991- 2001) هذا من جهة، والعمل على التقارُب بالقوى الوطنية الديمقراطية لتحل محل التيار الإسلامي على الأقل في السنوات العشرة القادمة – بداية من الإنتخابات التشريعية المُنتهية في مايو، وانتهاء الإنتخابات الرئاسية ( 2012-2014 ) من جهة أخرى.

—————-

 

االمصدر: محيط ـ مركز الدراسات الساسية والإستراتيجية 

 

 

-- إعداد ـ أبوالفضل الإسناوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*