الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأوقاف وبناء الحضارة الإسلامية

الأوقاف وبناء الحضارة الإسلامية

عرف المسلمون الوقف منذ عهد الرسول الكريم، إذ حث عليه ورغب فيه للدور الكبير الذي يقوم به في المجتمع الإسلامي، وللفائدة التي تعود على صاحبه في الدنيا والآخرة.

والمتأمل في تاريخ الدولة الإسلامية يلحظ بوضوح انتشار فكرة الوقف، وكذلك انتشار منافعه، بحيث شملت كل تفاصيل حاجة الفرد والمجتمع، وكان رافدا قويا لما تقوم به الدولة تجاه مواطنيها، بل إنه في بعض الفترات التاريخية كان يقوم بما تعجز عنه الدولة لضعف قدراتها المالية أو عدم اهتمامها ببعض الجوانب التي يرى المجتمع أنه يحقق أدوارا مهمة له ولأفراده.

تحدثت كتب التاريخ كثيرا عن الدولة الإسلامية، فهناك أوقاف على الحرمين الشريفين وعلى عامة المساجد التي بني معظمها من الأوقاف، وفي قرطبة وحدها بني 600 مسجد من الأوقاف وعشرون مكتبه وثلاثمائة حمام عمومي.

وفي عهد صلاح الدين الأيوبي نشطت الحركة الوقفية في مصر وبلاد الشام عموما، فشملت رعاية المطلقات والأرامل والمرضى، وكذلك رعاية المساجين والبذل من أجل إطلاقهم، وكذلك بناء الفنادق للمسافرين والمستشفيات للمرضى وإنارة الطرق.. وغيرها .

وفي الجانب التعليمي، بنيت جامعة بغداد والأزهر والقرويين في المغرب والزيتونة في تونس كلها من أموال الوقف، وما زلنا نرى نفعها يتواصل إلى أيامنا هذه.

ولأهمية الوقف الإسلامي في بناء الحضارة، فقد اهتمت الجامعة الإسلامية في إبراز أهمية الأوقاف، فأقامت أربعة مؤتمرات لهذا الغرض، كان آخرها الأسبوع الماضي تحت عنوان: «نحو استراتيجية تكاملية للنهوض بالوقف الإسلامي»، وقد دعت لهذا المؤتمر عددا كبيرا من العلماء والمتخصصين في قضايا الوقف، وكذلك عددا من العاملين في المؤسسات الوقفية الخاصة أو الحكومية، وقد خصص هؤلاء مجموعة من الأبحاث المهمة للحديث عنها وفي مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والشرعية.

معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف كان حاضرا في جلسة الافتتاح، وقد تحدث بإسهاب عن أهم جوانب الوقف في الفقه الإسلامي وفي الواقع المعاصر، وأشار إلى عدد من المعوقات التي تحد من انتشار الأوقاف وتجعل الواقفين يترددون كثيرا قبل قناعتهم بتخصيص جزء من أموالهم للأعمال الخيرية. وقد اقترح معالي الوزير إنشاء بنك للأوقاف يتولى الإشراف على كافة أوقاف المسلمين ليكون محل ثقتهم.. ومع أن هذا الاقتراح لقي ترحيبا من الحاضرين إلا أنهم رأوا صعوبة تطبيقه للاختلافات بين الدول الإسلامية، والتي رأوا أنها ستنعكس عليه.

الذي رأيته أن غالبيه الحاضرين لا يثقون في وزارات الأوقاف، بل ويرون أنها جزء من مشاكل الوقف، ويرون إن الهيئات الأهلية هي الأقدر على إدارة الأوقاف وهي الأقدر على كسب ثقة الواقفين، فالواقع يؤكد تراجع الأوقاف بسبب عدم اطمئنان الواقفين إلى سلامة أموالهم، وأنها قد لا تذهب إلى الجهة التي حددوها والتي يرون أنها الأهم، وربما عدم وجود أنظمة واضحة في وزارات الأوقاف جعلت التجار أو الواقفين ــ عموما ــ يرجحون إدارة أوقافهم بأنفسهم أو إعطاءها أهمية لبعض المؤسسات الأهلية أو الأفراد، ومن هنا أكد المجتمعون أهمية إصلاح أنظمة الوقف أو جعلها في مؤسسات أهليه وتحت إشراف الدول من النواحي المحاسبية.

كما قلت في بداية المقال، فإن أموال الأوقاف أسهمت في بناء كم كبير من حضارتنا قديما، وهي قادرة على فعل الشيء نفسه حديثا لو أتيح لها القيام بعملها بشكل جيد، وأوقافنا في بلادنا بدأت تتجه للأعمال الخيرية المتعلقة بالتعليم والصحة وما شابه ذلك من الأعمال التي لم تكن الأوقاف تتجه إليها قبل ذلك، فجامعة الملك سعود ــ مثلا ــ تملك محفظة استثمارية بأكثر من مليار دولار، وتنوي أن توصلها إلى 25 مليارا بحلول عام 2040 م، وجامعة الملك عبدالعزيز بدأت بوقف، ولعل بقية الجامعات تهتم بهذا الجانب الذي قد تضطر للاعتماد عليه مستقبلا في سد جزء من احتياجاتها.

الجامعات الأوروبية والأمريكية سبقتنا في الاعتماد على الأوقاف ــ في عصرنا الحاضر، فجامعة هارفرد أكبر جامعة في العالم تبرع بقيامها جون هارفرد عام 1636م، كما جامعة ستانفورد وهي من الجامعات العريقة في أمريكا تبرع بها ستانفورد وزوجته وذلك عام 1884م، وهكذا نرى أن التبرعات والأوقاف ليست محصورة على التعليم، فمستشفى مايوكلينيك قام على التبرعات أيضا، والصورة تتكرر في أوروبا، كما أنها شملت بناء الكنائس والإنفاق على قضايا التنفير.

مؤسسة صالح الراجحي التوقيفية كانت حاضرة في هذا المؤتمر، وقد عقدت اتفاقا مع الجامعة على تبني الإنفاق على عدد من الطلاب، وكنت أتمنى أن تفعل بقية المؤسسات مثل هذا العمل، فتعليم أبناء الجامعات العلمية يؤهلهم للقيام بأدوار جيدة في بلادهم، كما أنهم سيحملون الود لمن كان السبب في ذلك . وقد رأيت من بين الحضور أكثر من وزير قد درس في الجامعة الإسلامية وما زال يحمل الود و الوفاء بالجميل لبلادنا.

الأوقاف بإمكانها أن تساهم مع الدولة في القضاء على البطالة والفقر ومساعدة الشباب على الزواج والإسكان.. وغير ذلك من القضايا التي تهم المجتمع بكافة فئاته، ولكن الوقف يحتاج إلى بيئة آمنة تطمئنه، وهذا ما تحدث عنه وزير الشؤون الإسلامية، ولعلنا نرى ذلك واقعا قريبا.

وأخيرا.. الشكر للجامعة الإسلامية ومديرها على كل الجهود التي تبذل في خدمة قضايا الوطن خاصة، والمسلمين عامة.

————

نقلاً عن صحيفة عكاظ

-- محمد بن علي الهرفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*