الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأَحْقَادُ الفَارِسِيَّة تَتَطَلَّبُ مَواقِفَ سُعُوديَّةٍ صَارِمَةٍ حَازِمَة

الأَحْقَادُ الفَارِسِيَّة تَتَطَلَّبُ مَواقِفَ سُعُوديَّةٍ صَارِمَةٍ حَازِمَة

قد يختلفُ الأفرادُ في حواراتٍ فكريَّة أو تِجَاه مصالح وحقوق شخصيَّة، وربَّما لكلٍّ منهم مبرِّراتُه ودوافعه، ولكن ليس كلُّ الأفرادِ المختلفين يتَّخذون مواقفَ عدائيَّة تجَاه بعضهم نتيجةً لاختلافاتهم معهم، ولا كلُّ ذوي المواقف العدائيَّة يسعون للإضرار ببعضهم رغبةً بالانتقام والتَّشفي، هذا ما يحدثُ بين الأفراد ويُرى في الواقع، ولكنْ كثيراً ما يسعى العقلاءُ من حولهم لاحتواء مواقف الاختلاف بتقريب وجهات النظر أو بتقسيم المصالح والحقوق المشروعة تقسيمَ مُصَالَحَة، ولكن مع جهود المصالحة والتنازلات أحياناً يظلُّ متعنِّتون متمسِّكين بمواقفِهم، وقد يستخدمون التقية أسلوباً يدفع عنهم الحرجَ أمام العقلاء المصلحين بإعلان قبولهم إنهاءَ المواقف الاختلافيَّة، في حين يضمرون الشرَّ ويعملون في إطاره ومساره.

وكما يحدث هذا بين الأفراد يحدثُ بين الدول كياناتٍ وشعوبٍ، فقد تختلف الدولُ في مواقفها من قضايا عامَّة دوليَّةٍ أو فيما بينها بقضايا خاصَّة أو إقليميَّة، كما قد تختلف في المصالح والحقوق والحدود حينما تكون متجاورة أو قريبة من بعضها، وقد تستدعي إحدى دولتي الاختلاف تاريخَها مع الدولة الأخرى وإن كانت قد مرَّته عشراتُ القرون، فيقف هذا التاريخُ أمام محاولات تقريب وجهات النظر، وقد تُكسى تلك الأحداثُ التاريخيَّة القديمة بأزياء دينيَّة أو اقتصاديَّة أو سياسيَّة أو ثقافيَّة رغبة بالتخفِّي عن الأسباب والدوافع الحقيقيَّة، وعلى الرغم من أنَّ عالمنا المعاصر يُسَاسُ بهيئاتٍ عالميَّة وبجمعيَّاتٍ دوليَّة ويحكم بمحاكمَ دوليَّة، وكلٌّ منها تحاول تقريب وجهات النظر بين الدول وإنهاء اختلافاتها وخصوماتها قبل التحكيم القانونيِّ، إلاَّ أنَّها تلقى من بعضِها تجاهلاً للقوانين الدوليَّة وخروجاً عن السلم الدوليِّ، وإصراراً على الإضرار بالدول المعادية لها، ولا يكون هذا التَّخفي والإصرار إلاَّ لمعرفتها بعدوانيَّة مواقفها في خصوماتها وعداواتها.

وتنهجُ إيرانُ تجاه العربِ مسارَ التَّخفِّي والإصرار على مواقفها العدوانيَّة وافتعال خصوماتها، ويظهرُ ذلك تجاه بلادنا بانكشافها بمؤامراتها التجسُّسيَّة والتحريضيَّة وباعتداءاتها على مدى عقدين من الزمن، فالنِّظام الإيرانيُّ ذو تاريخ أسود تجاه بلادنا كُتِبَتْ أحداثُه بمحاولات طائراته اختراق الأجواء السعوديَّة عام 1984م، وبتفجير مبنى السفارة السعوديَّة في بيروت، وباختطاف القنصل السعوديِّ فيها، وبالتفجيرات الإيرانيَّة في موسم حجِّ عام 1407هـ – 1987م، وبمهاجمة سفارة بلادنا في طهران واحتجاز دبلوماسيِّيها ذلك العام، وباعتداءات على سفاراتنا في قارتي آسيا وإفريقيا في ثمانينيَّات القرن الماضي وصلت إلى 12 حالة اعتداء، وبمهاجمة إيرانيِّين القنصليَّة السعوديَّة في مشهد عام 2011م بالحجارة، العام الذي تورَّطت فيه إيران بمؤامرة لاغتيال السفير السعوديِّ في واشنطن، وأخيراً تنكشف إيران عام 2013م بشبكتها التجسُّسيَّة في بلادنا المرتبطة باستخباراتها، ليس ذلك فحسب ولكن دورها باعتداءات الحوثيِّين على جنوب غرب المملكة بدعم وتسليح منها، ودورها في تسلُّل الإثيوبيِّين من اليمن إلى جنوب غرب بلادنا، تاريخ فارسيٌّ أسود تجاه بلادنا تحرِّكه أحقاد دافعة لرغبات انتقاميَّة، فالحقد إمساك العداوات في النفوس والتَّربُّص لفرص انتقاميَّة، وقد تنامت الأحقادُ في النفوس الفارسيَّة فوصلت لدرجة الضغينة وهي الأحقاد المصحوبة بالعداوة، ولدرجة النقمة الواصلة لحدِّ السخط والغلِّ.

فالحقد الفارسيُّ المتكوِّن نتيجةً لعدم القدرة على الانتقام في حين بواعثه هو حفظ للكراهية ولرغبة الانتقام لفتراتٍ طويلة، وعلى الرغم من تغيُّر الظروف وتغيُّر الأحداث ظلَّ هذا الحقد ينمو في النفوس الفارسيَّة لتتناقله وتورِّثه من جيل إلى جيل؛ لذلك حين التحرِّي والبحث عن أسباب الحقد المحرِّك للإيرانيِّين تجاه بلادنا ينبِّهنا التاريخُ لمعركة ذي قار عام 624 م وكان رسولُ الله عليه الصلاة والسلام في المدينة، فلما بلغه ذلك قال: هذا يوم انتصفتْ فيه العربُ من العجم وبي نصروا، كما ينبِّهنا التاريخ أيضاً لمعركة القادسيَّة عام 636 م التي آذنت بزوال ملك فارس من العراق بل ومن إيران ذاتها، وقبلها أنهى العربُ المسلمون سيطرة فارس على اليمن الخاضع لهم آنذاك، فما زال الفرس يتجرَّعون مرارة هزائمهم تلك بالرَّغم من دخولهم الإسلام، فالعربُ الذين هزموهم في هاتين المعركتين وفي اليمن هم من عرب الجزيرة العربيَّة التي تشكِّل المملكةُ العربيَّة السعوديَّة اليوم معظمَها.

بل إنَّ احتلال إيران للأحواز العربيَّة وللجزر العربيَّة الإماراتيَّة، ومحاولاتها التدخُّل في الشؤون الداخليَّة لمملكة البحرين، ومدِّ نفوذها في العراق بعد سقوطه عام 2003م وذلك من خلال العراقيِّين الشيعة والإيرانيِّين المدسوسين تجنيساً بينهم لذلك، ومدِّ نفوذها إلى لبنان وسوريَّا واليمن من خلال طوائفها الشيعيَّة ومحاولاتها الإفادة من الوضع الثوريِّ المصريِّ تحت حكم الإخوان المسلمين ليكونوا أدوات زعزعة لبلادنا، كلُّ ذلك يأتي بمخططها ذي النفس الفارسيِّ النتن للالتفاف حول بلادنا كخطوات للوصول لزعزعة أمنِها الداخليِّ ومن ثمَّ مدِّ نفوذها عليها، بل إنَّ برنامجها النوويَّ وإن ادَّعت بسلميَّته، وإن تخوَّف العالم على إسرائيل منه، فهو في حقيقته جزءٌ من مخطَّطها الفارسيِّ ضدَّ العرب عامَّة وبلادنا خاصَّة، ولكن هيهات لن تتحقَّق أهدافها الفارسيَّة في الدول العربيَّة ولا في بلادنا.

ولكن لعلَّ المملكة العربيَّة السعوديَّة أن تتَّخذَ مواقف صارمة حازمة ضدَّ التدخلات الإيرانيَّة في شؤونها الداخليَّة، وتقود اتِّحاداً خليجيّاً وإجماعاً عربيّاً للتصدِّي لها، فالعلاقة المباشرة الهادئة مع إيران المعتمدة على الدبلوماسيَّة منذ زمن بعيدٍ لم تحقِّقْ دفعاً لمخطَّطها الفارسيِّ ولأطماعها الشيعيَّة التوسُّعيَّة؛ لذلك فمؤامراتها تتطلَّب الآن ردَّة فعل أكثر قوَّة وأكثر صرامة وحزماً للحفاظ على الأمن الداخليِّ من عبثها، فمؤامراتها المتتالية ضدَّ بلادنا تتطلَّب قطع العلاقات معها واستدعاء سفيرها ليتفهَّم الموقف السعوديَّ ولينقله لقياداته في طهران وقم، بل وتتطلَّب من بلادنا اتِّخاذ قضيَّة لوكربي وحصول الدول المتضرِّرة منها على تعويضات ماليَّة مرهقة سابقةً قانونيَّة تحذو حذوها، فتفجيراتُ الحجِّ وتفجيراتُ سفاراتنا السعوديَّة ليست أقلَّ إرهاباً من إسقاط طائرة لوكربي، وليست الأرواح التي أزهقت بإسقاط طائرة لوكربي بأكرم من الأرواح التي قضت بتفجيرات إيرانيَّة في موسم الحجِّ وفي سفاراتنا.

————-

نقلاً عن الشرق

-- عبدالرحمن الواصل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*