الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الجماعة.. والجمعية ماذا بعد..؟

الجماعة.. والجمعية ماذا بعد..؟

الجماعة نعني بها: جماعة الإخوان المسلمين المصرية، المعروف بأنها الجماعة الأم لكل الجماعات الإسلامية في كل مكان التي أسسها سنة 1928م بمدينة الإسماعيلية (حسن البنا)، وحينها كان معلماً بالتعليم العام، وقد حصل على الترخيص لها من الشئون الاجتماعية كجمعية دعوية إسلامية، ولكنها كبرت، وتوسعت وتمددت وبالتالي: حضرت بالشارع المصري بقوة المشاعر والعواطف التي ظلت مساندة لها، حتى بعد حظرها، واضطهاد الكثير من أعضائها وتشريد وسجن وإعدام العديد من قياداتها، ولم تضعف، لكن حتى قبيل وصولها للحكم: لوحظ بعض الانحسار في شعبيتها ولو لم تساندها قوى سياسية أخرى بالجولة الثانية لإبعاد المرشح المنافس لما فاز مرشحها.. وما يبدو لنا: أنها خسرت كثيراً غضون الفترة القصيرة حتى الآن التي حكمت فيها، وهذا يدعونا لطرح الأسئلة التالية: 

– ما بلغته في مصر وغيرها: أهو كل ما سعت إليه؟.. أم بعضه؟ أو أن الطريق ما زال طويلاً جداً، وما قطع منه ليس إلا خطوات البداية؟.. 

– وما دام طويلاً: أبلوغ منتهاه: تنفيذ الأهداف المضمرة؟.. 

– وبحال العزم على تنفيذها: ألا يعني ذلك: الحدية، والتفرد والانحياز؟!.. 

– ما يظهر لنا: أن الجماعات الإسلامية متشددة أيدلوجياً: ألا ترى: أنها بذلك تنقي المشاركة والكفاءات مما يوسع كثيراً شقة الخلافات؟!.. 

– الوصول للحكم: أكان ثمرة فكر وتخطيط، وتقنية وجهاد، ووعي وجهد؟.. أم بالتضليل، ووعود خادعة؟ أو بمساعدة خارجية؟.. 

– انفتاح الشهية على المزيد: أبمقدورها تحقيقه دون علاقة مميزة مع جهة قادرة على التأثير والتغيير؟!.. 

– حتى، وإن السياسة: علم وفن، فالشائع فيها: المهارة في المراوغة، وتجنب الصراحة: أهي مباحة؟.. أم أن الضرورة دائماً تستدعيها؟!.. 

– الإمساك بالسلطة من منظور أيدلوجي: أليس احتكاراً، وتغييب اقتصاد الدولة في اقتصادها الخاص؟.. 

– توالي الإخفاقات، واستمرار الاضطرابات، وتتابع الانقسامات، وضبابية الرؤية، وشيوع المعناة، والتسيب والشغب، وغياب الأمن، وتعطل الحركة والمصالح، ومختلف الفعاليات، واتساع الثغرات: تحتاج إلى بعد نظر، وعدم تضارب، وجدية ومشاركة، وتضحية تتكامل بالتعاون والتسامح، والتخلي عن الشخصية والأدلجة، وإبدال الإقصاء بالاستقطاب، والمحسوبيات بالكفاءات. 

– أما الجمعية، فجمعية البناء الحر، أو الجمعية البنائة الحرة -Freemason society أو جمعية البنائين الأحرار- Freemasonreis Society والمعروفة، ربما -اختصارات بالماسونية، والعضو فيها: ماسوني Masonic، أي عامل بناء مع أنه لا صلة لها، أو له البتة بالبناء لا من قريب، ولا من بعيد، والماسونية هذه يسمونها (الماسونية الجديدة)، وقد تعددت الروايات عنها: تاريخياً وتنظيمياً، وبالرغم من تشوش تاريخها لاعتواره بالتضارب والتضاد، وغموضه بغلبة الأساطير على التاريخ، وشبه مغيب بالخرافات، حيث جاء على شكل روايات تباعدت في الأهداف، وتخاصمت في الأهواء والعصبيات لعل من أبرزها: 

– رواية ذهبت بنشأتها إلى الألف الأولى قبل الميلاد، بل بين من ذهبوا بها إلى هذا التاريخ، من ذهبوا بها أبعد من ذلك، ورأوا: أن مؤسسها الأول كان النبي سليمان، وأنها منسوبة إلى البنائين الذين أقاموا هيكله الذي يقدسه: كل الماسونيين باعتباره كان بزعمهم: أول بناء ضخم أقيم للعبادة في العالم، ولعله واضح أن القصد من هذه الرواية: إثبات حق تاريخي مزعوم لنبي إسرائيل بفلسطين. 

– الرواية الثانية تضليلية، إذ سطا مؤسسو الماسونية الجديدة على اسم، وتاريخ وسمعة نقابات العمال الإنجليز الذين بعد تكوينهم هذه النقابات في القرن الثامن عشر الميلادي: أنجزوا نهضة عمرانية نوعية لبت: حاجات دينية، وسكنية وجمالية، واجتماعية وحضارية، عكست إبداعاً فنياً، ومهارة مهنية، وعرف منسوبها بالأمانة والإخلاص، والتزام شرف المهنة، والحرص على سريتها لحفظها من الدخلاء، وحتى لا تتشوه بالغش. 

هذا كان الظاهر، والشائع عن أن الجمعية الماسونية الحالية (الجديدة): كانت تحديثاً لنقابات العمال الإنجليز الذين بعدما أنهوا المطلوب منهم على أكمل وجه، بات من الضروري تكريمهم، وتخليد ذكرهم بجمعية غير محددة المكان، والأهداف إنسانية: عقد بلندن اجتماع في 24-6-1717م لهذا الغرض، وهو تاريخ يعتبره الماسونيون: تاريخاً فيه يحتفلون، وبه يعتزون، ويحلو له كل عام التهاني يتبادلون، بينما كان الهدف منه: تفعيل (جمعية القوة الخفية) التي نشأت بعد ميلاد المسيح عليه السلام ما بين العقدين: الثالث والرابع الميلاديين لمقاومة المسيحية. 

– الرواية الثالثة تبدو وهي الأقرب للحقيقة بحسب مؤرخين مؤهلين، ومعترف لهم بالقدرات البحثية، وبعدهم عن الغرض، وحرصهم على المنهج العلمي والموضوعية: أنها امتداد، وتجديد لجمعية القوة الخفية التي تعود نشأتها إلى ما بعد ولادة السيد المسيح عليه السلام ما بين العامين السابع والثلاثين، والرابع والأربعين وذلك نتيجة ما كان قد شعر به (هيريدوس الثاني) الحاكم الروماني على فلسطين من قلق دعاه إلى التفكير بالبحث عن طريق لمقاومة تنامي المسيحية، وانحسار الوثنية مما سيؤدي إلى تحرير فلسطين من حكم الرومان، فلجأ إلى مستشاريه اليهوديين اللذين كشأن كل اليهود يزيدان عليه بالحقد، وكانا يشتهران بالمكر والدهاء، وشدة الذكاء، فخرج إلى فكرة هذه الجمعية لمقاومة المسيحية التي تبناها هيريدوس، وفعلها، فنسبت له، ولكنها بفعل مرور السنين الكثيرة عليها دون تفعيل بليت بحيث لم تعد صالحة لمواجهة التحديات، ومقتضيات العصر حتى تستطيع إحياء مجد بني إسرائيل، وإعادة بناء الهيكل. 

تجاوز الزمن للقوة الخفية أشعر اثنين من ذريتي مستشاري هيريدوس اليهوديين اللذين عن فكرتهما تأسست هذه الجمعية، وكانا منذ أيام جهديهما المباشرين قد ولدا بروسيا، وتجنساً بجنيستها: أشعرهما بتجاوز الزمن بالتفكير بتفعيلها، فبحثا بروسيا عن عميان كبار (هذا ما يطلقه الماسونيون على كبار الماسونيين من غير اليهود، ويسمونهم: الأغيار أو الأمميين، أو الأجانب (الجوييم) وهو كل من ليس يهودياً. 

العميان الكبار دائماً يتم اختيارهم من المتنفذين، وذوي المكانة، حيث يمنحون درجات عليا بالماسونية، ولكنهم برغم اطلاعهم على أسرار كثيرة، وعلى قدر من الأهمية، لكن الخطيرة محجوبة عنهم، ومقصورة على كبار الماسونيين اليهود، ولكنهما فشلا بالعثور على أي من هؤلاء العميان الكبار، فجابا كثيراً من بلدان العالم، ونال منهما التعب، وتتالت عليهما: الإنكسارات إلى أن حلا بلندن، فوجدا فيها: اثنين من العميان الكبار لنصرتهما من غير علمهما بأن الهدف استعباد غير اليهود عقب ما يسود بنو إسرائيل العالم، حيث عقد معهما اجتماعاً بالتاريخ السالف ذكره فأسفر ذلك عن أن أفضل وسيلة لتغطية الأهداف الحقيقية لجمعية القوة الخفية، والنهوض بها نهوضاً نوعياً، وبعث الحياة فيها إلى أن تتحفف غايات الصهاينة هو: حمل اسم اتحادات، أو نقابات عمال البناء الإنجليز الأحرار باعتبارها رديفاً تعني بالتوعية، والتثقيف والتهذيب، وإشاعة الفنون والآداب، فيفوز بتصورهم البناؤون الإنجليز الأحرار بذلك بالحسنين، ولكنهم سرعان ما انحرفوا بها رغم شدة السرية والدعم من الدول الاستعمارية، وبخاصة بريطانيا حين كانت عظمى، وتوغلها في مختلف المناشط، فباتت عوراتها، وتورطاتها بالتآمر والاغتيالات، وفضائحها بالإباحية والمجون، وتفريقها بين الأزواج، ومحاربة الأديان، والوطنيات والقوميات. 

ما تقدم: استدعاه ما كشفه الكاتب، والمحامي المصري (ثروت الخرباوي)، العضو البارز ومسؤول الأزمات بجماعة الإخوان المسلمين سابقاً عن الكثير من الأسرار والخفايا التي لم تخطر بتفكير أحد، خاصة ما أثاره عن العلاقة بين الجماعة المعروفة بأنها مؤسسة على الدعوة، والتوعية بالإسلام ديناً ودنيا، والجمعية الماسونية الموصومة بالسادية، والإباحية والاغتيالات والترويج للصهيونية وذلك بكتابة (سر المعبد: الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين) الذي قوبل باهتمام غير عاد بدليل أنه لم يمر على صدور الطبعة الأولى منه سوى أقل من عامين حتى صدرت منه قبل ثلاثة أشهر حسب النسخة التي حصلت عليها: أثنتا عشرة طبعة، ومن غير المستبعد: صدور طبعات عدة جديدة غضون هذه المدة. 

إن عدم الاستغراب بالإقبال على الكتاب نظراً لكشفه علاقة حتى وإن ثبوتها يحتاج إلى المزيد من التوثيق، فإنه يضع الجماعة -على الأقل- بموضع حرج، وسواء صحت هذه العلاقة، أو لم تصح، فالمستغرب حسب علمي، ليس فقط لأن ما أثاره أ. الخرباوي عن هذه العلاقة يستدعي: التحقيق لبيان الحقيقة لخطورتها، بل أنه لم يثر اهتمام الجماعة، ولا يبدو أن سببه: النشوة المرتبكة بالسلطة، وانشغالها بالواجبات التي قد تكون حتى وإن تثبت علاقتها بجمعية، إن لم تكن محكومة من إسرائيل، فإنها قريبة منها، ولعل ما يجري بمصر الآن وإن ليس بشكل ظاهر من محركاته ما يثار عن هذه العلاقة. 

حماس الخرباوي للجماعة، وبروزه فيها منذ كان طالباً بالجامعة، ونشاطه النوعي لنصرتها، صدرته من بين قياداتها، ومكنته بالتالي من معرفة الكثير عنها، والخبرة بكافة شئونها بحيث يلزمنا ذلك بأن تهتم بما يذكره عنها، وما ينقله عن كتاب ومفكرين معتبرين عن الجماعة، أو من المقربين لها، وقد كان لا يقبل حتى نقد المحبين لها، ويؤمن بها إيماناً مطلقاً: فكراً وتننظيماً، وسلوكاً ومنهجاً، ولا يبدو أنه سينشق عنها لو لم يكتشف ما هو أخطر من التنظيم السري، وابتزاز المشاعر بالشعارات لأغراض دنيوية، وما نسمعه بأن الجماعة: ترفض عضوية أي شخص فيها مهما بلغ التزامه الديني، والعلم بالإسلام ما لم يخضع للرؤية الإخوانية للإسلام، ولا شك أن علاقة الإخوان المسلمين بالماسونية مثيرة جداً، إذ إن العلاقة معها قد لا تختلف كثيراً عن العلاقة مع الصهيونية، بل عقب ارتيابه الذي دعاه للرجوع للفكر الإخواني: يشعرنا بسؤاله عن الأسباب التي دعت الأستاذ البنا إلى تكوين الجماعية بأن هذه العلاقة كانت ربما من أسباب تكوينها، أو لعلها من الناحية التنظيمية، لم يحدد. 

يقول: (… كانت رحلتي نحو الحقيقة بدأت مصادفة بغير ترتيب مسبق، إذ إنه لم يدر في خاطري أن جماعة الإخوان تضمر حقائق مفزعة لا يعرفها معظم أفرادها، فالأسرار محفوظة عند الكهنة الكبار في صندوق خفي لا يستطيع أحد أن يطلع على ما فيه، إذ إن العتمة التي يعيشها أفراد الإخوان تحجب عنهم نور الحقيقة وحين سرت وراء بصيص الضوء أراني الله ما يعجز عنه العقل لأول وهلة…)، ويؤكد بأن الجماعة كالماسونية بالتنظيم، واقتصار معرفة الأسرار الكبرى على الكبار المؤتمنين عليها. 

برغم القفز على الكثير مما كتبه، واختصرناه أيضاً: فما نقلناه، وإن هو غيض من فيض يبدو كافياً للتدليل: أنه، وبحسبه قد اطلع على الماسونية، وهذا واضح بأنه صرف جل حياته بالجماعة من القاعدة إلى القمة ما خرج منها، إلا ما لم يخطر له ببال، فالخطأ في حساباته، ويحق له إن تأكد عن هذه العلاقة بأن يدفع عنه، ولا يكون شأنه شأن العميان الكبار المغفلين بالماسونية، مقابل ما قدمه للجماعة من خدمات، ومن أجلها خسر، وطرد ويكافأ بخدعة، وتضليلية. 

بحديثه عن الجماعة كأنه يتحدث عن الجمعية، فالكهنة الكبار هم المؤتمنون دون سواهم على الأسرار الكبرى المحفوظة في صندوق مكانه مجهول، لا يختلف بالجماعة عما هو بالجمعية بأن هذه الأسرار الخطيرة مجهولة المكان لا يعرفه إلا أعضاء المدرسة العليا الماسونية من اليهود، وهؤلاء مجهولة أسماؤهم وعناوينهم، وهم خلفاء الآباء المؤسسين للماسونية الجديدة، ومعرفتهم تقتصر على اليهود من حملة الدرجات العليا، ورؤساء المحافل الكبرى، إلا أن الذين يماثلونهم من غير اليهود، أو حتى يتقدمون عليهم في الرتب، ورئاسات المحافل الكبرى، ومهما علت مكانتهم يبقون من العميان الكبار المغفلين الذين كحد أقصى لا تتعدى معلوماتهم عن الأسرار المهمة إلى الخطيرة، وإذا صدف وعرف أي منهم: سراً خطيراً، حتى بحالة استحالة التمكن منه يوضع ضمن المطلوب تصفيتهم، وإن لم ينشق والمنشق حتى لو لم يطلع على سر خطير يوضح على قائمة التصفيات خشية إفشائه أي سر، أو بحسب زعمهم: بيانه عما مر به، ودعاه للانشقاق، وحتى أيضاً: لا يعرف صغار الماسونيين المحجوبة عنهم، وهؤلاء عضويتهم يجدون بها إما ضماناً اجتماعياً، وإما يستفيدون من الاتصال الكبار، وما تقدمه من مساعدات وأبرزهم، وأكثرهم استفادة: المكلفون بالأعمال القذرة: وقد يعتقد الكثيرون: أن قدرات الماسونية: أحاطتها بسياج عالٍ، وحصن حصين، وأكثر من ذلك: أنه بجميع أنحاء العالم: حاربت الماسونية دول، ومؤسسات دينية، وتجمعات ومنظمات: وطنية وقومية وإنسانية وسياسية واقتصادية، لكنها لم تستطع حتى الحد من تأثيرها، وذلك يعود إلى أنها متخفية خلف دوائر القرار بأكثر دول العالم، ومختلف الفعاليات الممسكة في مجتمعاتها، وذلك بحسب رؤية الآباء المؤسسين تمهيداً للوصول إلى المنتهى، وهو بخيالهم المريض حكم العالم، واستعباد أممه التي خلقت لخدمة بني إسرائيل. 

شدة إعجاب الخرباوي بالشيخ محمد الغزالي ككاتب، وداعية وعالم، وتقديره كشخص وإنسان، مما يجعله يتابع كافة ما يكتبه منذ كان طالباً بالجامعة وقبلها أيضاً، ولكنه حين كان بالجامعة: صدم صدمة كانت ارتداداتها عنيفة جداً لسنوات كان أثناءها بحالة نفسية مأزومة، وذلك عقب قراءته ما ورد بكتاب (ملامح الحق) للشيخ الغزالي: أن المرشد الثاني لجماعة الإخوان القاضي حسن الهضيبي، عضو بالجمعية الماسونية العالمية، وأن الجماعة: اختطفها الماسونيون على إثر اغتيال (البنا)، وقد وصم: الأستاذ سيد قطب بالانحراف ومكتب الإرشاد عقب مقتل البنا خلا الميدان من الرجال الجديرين بقيادة الجماعة، لأنه جاء (برجل غريب لقيادتهم، أجزم بأن هيئات سرية عالمية) أتت به لخلخلة النشاط الإسلامي (الوليد فتسللت في كيان الجماعة.. وصنعت ما صنعت.. فسمعنا كلاماً كثيراً عن انتساب عدد من الماسون بينهم الأستاذ حسن الهضيبي..)، ويسأل عن كيف استطاعت هذه الهيئات خنق جماعة كبيرة..؟. 

كانت تداعيات ما قرأه، وإن خفف منها: أمير جماعة التبليغ والدعوة -حينذاك- الذي كان يردد بأنه قريب من الإخوان إبراهيم عزت بجوابه أثناء محاضر عما ذكره الشيخ الغزالي الذي رد فيه اتهاماته للقيادة الإخوانية بالماسونية إلى خلافه معها بعد قتل البنا، فراح بثورة غضب ما أن هدأت حتى تراجع بدليل: حذفه في الطبعات التالية للطبعة التي نشرت بها هذه الاتهامات بكتابه، وزيارته للهضيبي قبل وفاته، ويبدو أنه برغم شعور الخرباوي بالراحة لم تدم، فسرعان ما شغلته هذه الاتهامات التي أسفرت تداعياتها عن إساءات بحسبه: ندم عليها ندماً شديداً لشيخ جليل كالغزالي. 

لقد تجاوز اتهامات القيادات الإخوانية بمصر إلى من يمثلونهم خارجها، ولعل من أبرزهم بمصر: حسن الهضيبي، وسيد قطب، وخارجها: مصطفى السباعي في سورية، اعتبرها الشيخ الغزالي شخصيات محورية في العقدين: الرابع والخامس من القرن العشرين، ولعل هذا ما جعل الخرباوي يتساءل باستغراب: كيف يلتقي الديني واللاديني؟ والإسلام بالصهيونية؟ وما الذي دعا البنا إلى تكوين جماعة إسلامية؟ وما هي المسالك التي سلكتها الجماعة إلى ما وصلت إليه؟. 

لم يعرف الهضيبي إلا أنه كان قاضياً، خلف على ما يبدو البنا كمرشح بتسوية، وصادف توليه منصب المرشد قيام الجيش المصري بحركته، ومحاولة اتهام الإخوان باغتيال عبدالناصر وحظرها بعدئذ، وما أعقب ذلك من تشريد، وسجن وإعدام العديد من أعضاء الجماعة. 

مصطفى السباعي كان مراقباً لجماعة الإخوان المسلمين السورية في خمسينيات القرن العشرين، عرف بانفتاحه، وتواصله مع كافة القوى السياسية، ومرونته وعدم تشدده، وقد مكنته هذه الخصال من دخول المجلس النيابي السوري عدة دورات بكتلة نيابية بترؤسها، أكثر أعضائها لم يكونوا من جماعة الإخوان، وفي المجلس ربطته صداقات مع الكثير من: الليبراليين والقومين، ومن أهمها: صداقته بعضو المجلس، وبرئيسه بعد ذلك، القطب المناضل (فارس الخوري) المشهود له بالبراعة، ومواقفه الوطنية والعروبية، وبدفاعه عن الحق العربي بفلسطين، حين كان مندوباً دائماً لسورية بهيئة الأمم المتحدة، حيث نظر له السباعي كشريك بالوطن، وصديق وزميل، وقطب سياسي، وليس بنظرة مؤدلجة. 

إلى هذا الحد فالاتهامات ما زالت تتأرجح ما بين الشك واليقين ولكنه وضع الجماعة في غاية الحراجة، واقترابها من اليقين من خلال الشخصية المحورية الثالثة التي وصمها الغزالي بالانحراف عن الجماعة، ومثله مثل الشخصيتين الأخريين بمحوريته، وغيرهم من الإسلاميين الذين اتهمهم الشيخ الغزالي بالماسونية، إلا أنه يبدو أن الأستاذ سيد قطب مختلف عنهم، بمحوريته التي بقيت سارية على خلاف الآخرين بمكانته الأدبية، وغناه المعرفي، ومواهبه وقدراته الاستيعابية، وبعودته من الولايات المتحدة كان على غير المتوقع، حيث لوحظ: خروجه على الاعتدال فصعد طروحاته إلى حد أن انتشار (معالم في الطريق) رغم صغر حجمه: تجاوز تأثيره سفره العظيم (في ظلال القرآن) بعد تفريخه فكراً تحريضياً. 

سريان محورية سيد قطب ستظل حتى لو لم يصدر المعالم، أو بحسب ما ذكره الأستاذ الخرباوي بأن بعد تحرير فكره من القيد الإخواني، اكتشف ما أذهله، وهو: أن سيد قطب كان من أبرز الكتاب المنتظمين بصحيفة (التاج المصري) التي كان يصدرها (المحفل الماسوني المصري الأكبر) وأيضاً: كان يحظر على غير كبار الكتاب الماسون الكتابة فيها. 

مع أنه أسس عقب استيلاء حملة نابليون الفرنسية على مصر: محفل ماسوني بالقاهرة إلا أنه لم يشعر به، وما كاد يفتح حتى أغلق، وإن كانت بوابة دخول الماسونية الأقطار العربية الجاليات الأجنبية فيها، غير أن شيوعها وذيوع صيتها، وإن عرفت في بعض العهود العثمانية، فقد حاربها بعض السلاطين، ورغم انتعاشها أثناء حكم الاتحاديين، إلا أنها لم تزدهر وتشيع، ويتزايد تأثيرها، وتكسب أعواناً، ويفعل فعلته التضليل المعلن كالشعار، والمبادئ الساترة لعوراتها، وتعزز قدراتها المادية والمعنوية، وتنجح مساعيها في استقطاب النخب، وإغراء طلاب الاستفادة مما تقدمه، والتسابق للحصول على العضوية، إلا في أعقاب استشراء الاستعمار الأوروبي في البلاد العربية بخاصة البريطاني والفرنسي. 

بعهد الخديوي إسماعيل: افتتح بالقاهرة أول محفل ماسوني مصري أكبر، وكان أول أستاذ أعظم له (رئيسه) ولي العهد الأمير توفيق بن إسماعيل، وكان أعضاؤه: أهم رجالات مصر حينها في مختلف المجالات حتى باتت عضويته تضيف إلى المهم أهمية وذلك بفترة إمساك المستعمرين بكامل مفاتيح النفوذ، وقبيل ما أثير بشكل مكثف عن انحرافاتها وانكشاف مخططاتها، وبقيام حفل أكبر بأي قطر، فالمحافل العادية مفتوحة أعدادها، فقامت كثير من المحافل بمعظم مديريات (محافظات) القطر المصري، علماً بأن الماسونية في البلاد العربية شهدت فترات ازدهار وانحسار، ولكنها أثناء ازدهارها اتهم وانتسب إليها الكثيرون لأسباب مختلفة، ومن هؤلاء أقطاب بالعلم والفكر والفن والأدب، والسياسة والاقتصاد وقادة وزعماء. 

فمثلاً جمال الدين الأفغاني، وتلميذه محمد عبده، اتهما بالماسونية في الوقت الذي ساد فيه التحجر الأزهر، حيث كان يقاوم التحديث، فلم يكن أمام الأفغاني الذي رحب به ومن معه وأمن احتياجاتهم وشرع أبوابه لهم حتى ساعة متأخرة من الليل، وما كان مع الشيخ محمد أبو زهرة أستاذ الشريعة المعروف الذي إخضاعه ربما قبل اشتهاره لطقوس الانتساب: أفزعته أثناء تجواله بين عظام الموتى: ومشاهدة كبار الماسونيين المنحطين وأشكال الأشباح والشياطين والأصوات المجهولة المتوعدة بالويل والثبور وعظائم الأمور وقد أعلنت الماسونية الشامية: اعتزازها بماسونية المجاهد عبدالقادر الجزائري ويقال: إن الزعيم الوطني المصري (سعد زغلول) ظل ماسونياً إلى أن مات. 

نخلص إلى أن العلاقة في الحالين: صحت، أو لم تصح: تنشأ بغياب الحقيقة إشكالية، تساؤلاتها: تراوح بين المطابقة والافتراق، وهذا معناه: الأخذ بقياس فكري وعضوي، وتننظيمي وسلوكي، ومن خلال المواقف والسياسات والتفاهمات والعلاقات قد تنتهي إلى مقاربة مشوشة ومضطربة بالنفي والإثبات حيال الاتهامات، ومن الطبيعي هذا التوصيف على ما يبدو ما دام الدليل ما زال محاطاً بالضبابية. 

——————-

باحث بتاريخ الحضارات 

==================

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- عبدالله بن محمد الشهيل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*