الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » فقه المقاصد في وحدة الوطن!

فقه المقاصد في وحدة الوطن!

لم يكن تفعيل دور المقاصد الشرعية مقصوراً على الأحكام الفقهية – يوماً صما -، بل تعداه لتأطير القضايا الفقهية المعاصرة، ومن ذلك: المحافظة على مقصود الشارع من الخلق، وهو ما ذكره أبو حامد الغزالي – رحمه الله – في كتابه “المستصفى”، بأن: “يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، وعرضهم، وأمنهم، وحقوقهم، وحرياتهم، وإقامة العدل، والتكافل في أمة نموذجية، وكل ما ييسر عليهم حياتهم، ويرفع الحرج عنهم، ويتمم لهم مكارم الأخلاق، ويهديهم إلى التي هي أقوم في الآداب، والأعراف، والنظم، والمعاملات”، فالمصلحة – إذاً – هي المحافظة على مقاصد الشارع، ولو خالفت مقاصد الناس، فإن الأخيرة عند مخالفتها للأولى، ليست في الواقع مصالح، بل هي أهواء، وشهوات زيّنتها النفس، وألبستها العادات، والتقاليد ثوب المصالح. 

إن واجب الاستخلاف في الأرض، يقتضي حفظ نظام الأمة، والمحافظة عليها من أي تدمير، أو تخريب.

ومن أوجه هذا التعاون، دفع المضار، والدوران مع المصلحة الشرعية في الوقائع المستحدثة، التي لم يرد فيها نص، واللذان يُعتبران من جملة جلب المنافع، التي تعود على العباد في دنياهم، وأخراهم، بل من أجلّ، وأعظم مقاصد الشريعة التي تُؤخذ من الأحكام، والأحكام التي تُؤخذ من المقاصد الشرعية. 

وهو ما أشار إليه سلف هذه الأمة، من أن السياسة الشرعية، تنحصر مقاصد الحكم فيها بأمرين اثنين، هما: حراسة الدين، وسياسة الدنيا، هذا من حيث الإجمال، أما من حيث التفصيل، فهي دائرة بين الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. 

تتجلى النزعة الإيمانية في المقومات الدينية الخلقية الأساسية للمجتمع، التي قررها القرآن الكريم في وحدة الأمة، والتي جُعلت قرينة التوحيد، بل أعظم مقاصده:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.. فهذه المنزلة العظيمة لوحدة الدولة، ستحفظ الوحدة الاجتماعية، وستُؤدي إلى الوحدة الحضارية، ضمن دائرة الأحكام التي تجلب لها المصالح، وتدفع عنها المفاسد، كل ذلك؛ لأجل حفظها، وصيانتها، ودرء الاعتداء عليها. 

لعل ما يُمكن التأكيد عليه في ختام المقال، ضرورة الأخذ بأصول الاجتماع، ومحاربة أسباب الفرقة؛ حرصاً على وحدة المجتمع، وقضاياه الكبرى، كمقصد الأمن، والعدل، وحفظ الدين، والخلق، والتعاون، والتضامن، والتكافل؛ ليعيش الناس على اختلاف درجاتهم الاجتماعية في ظل الأمن، والسكينة. 

أما مراهنة أعداء هذا الوطن على تشرذمه، وتصدع صفوفه، فهو خيار ساقط؛ لأن دور العقلاء، هو الدعوة إلى سد الباب أمام كل من يُحاول تأليب الناس، وزعزعة الاستقرار، وانتشار الفساد في الأرض، وما يُصاحب ذلك من آثار سلبية، بسبب طغيان النزعات الفردية، كاتّباع الهوى، والتسلط، والجور. 

drsasq@gmail.com 

*باحث في السياسة الشرعية 

-- د.سعد بن عبدالقادر القويعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*