السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حِكْمَةُ الله في خَلْقِهِ

حِكْمَةُ الله في خَلْقِهِ

الحكمة من خلق البشر الإنس والجن “الثّقلين” كان لمقصد عظيم وحكمة بالغة، لأنهم ما جاؤوا عبثاً، وتعالى الله سبحانه عن العبث، وأنهم ما خُلِقُوا في هذه الدنيا، إلا لأنها مزرعة الآخرة ونتيجة هذه الدنيا وأن الجزاء الذي سيحصّله كل فرد هو الجزاء بعد الموت: إما سعادة أو شقاوة أبدية، فالدنيا ممر
والآخرة مقرّ، ألا ترى أن الأجير إذا اشتغل عند الإنسان لا يعطيه أجرته إلا بعد إتمام العمل، فإن أتقنه فلا بد من مبادرته بأجرته كما في الأثر: “أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه”.
إذ الإنسان في هذه الدنيا تتمثل له رابطته في عمله الدنيوي، بمثال محسوس يستفيد منها العقلاء، ألم يقل سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} (115) سورة المؤمنون. فكل مخلوق في الحياة الدنيا جاء لهدف نبيل هو عبادة الله وحده وأداء حق الله بعبادته حسبما أمر سبحانه، من الأولين إلى الآخرين، وأداء هذا الحق بعبادةٍ حسبما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر، لأن دين الله واحد لا يتغير ولا يتبدل والمبعود سبحانه واحد، وهو الله جل جلاله القائل -وقوله حق- في سورة الذاريات: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } (55-58) سورة الذاريات.
ألا ترى أيها القارئ أن ديننا يدعو إلى الرحمة والتعاطف بين الأفراد بتبادل الهدايا فيما بينهم في كلٍ حتى تدوم العشرة والمودة، وحتى يُفرح بعضهم بعضاً “تهادوا تحابوا” لأن الهدية تزيل سخيمة القلب أي ما فيه من عقد وكراهية، وتنظفه كما يتنظف الثوب بالغسل ليرجع جديداً، أو في حكم الجديد.
إذاً رب العزة والجلال رب المودة والتراحم ليس في حاجة إلينا، بل العباد هم الذين في حاجة إليه سبحانه ويجازي على الإحسان إحساناً كما جاء في الحديث القدسي: “لا يزال عبدي يتنفل ويتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به وعينه التي ينظر بها ويده التي يبطش بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعذينه”.. إلى آخر هذا الحديث المتفق عليه، وأوله: “ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.. إلى آخره.
والخالق جل وعلا كرّم الإنسان بأن جعل له قلباً يعقل به ولساناً ناطقاً بذكر ربه ويسبحه ويحمده به، ويستعمله في سبل الخير العديدة به، وفضّله على كثير مما خلق، من أجل أداء حق هذه النعم التي لا تحصى كما قال سبحانه: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَة اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (34) سورة إبراهيم.
وقد فُضّل الإنسان على كثير مما خلق الله، وقد وعد الله بني إسرائيل بالاستخلاف في الأرض تكريماً منه إن أطاعوا أمره واستجابوا لرسله باتباع شرعه الذي شرعه لهم كما قال سبحانه: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (129) سورة الأعراف، لكنهم عصوا أمر الله فكان عقابهم التيه في صحراء سيناء 40 سنة حتى هلك العُصاة وجاء من بعدهم جيل آخر.
وما جاءت هذه الشرائع إلا لحكمة أيضاً، ليتميز بها المستجيب من العاصي، وتتضح بذلك مكانة الناس، حيث اقتضت إرادة الله أن من الخلق من هو خبيث النفس سيئ العمل فهذا جزاؤه جهنم بسبب سوء عمله وعناده وكفرانه نعمة الله، كما أن من الخلق من هو طيّب النفس حسن العمل مستجيباً لأمر الله في شرعه الذي تبلّغ به، فجزاؤه الجنة في دار الخلود، كما قال الله سبحانه في الحديث القدسي الذي جاء فيه: “يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه، جفت الأقلام وطُويت الصحف”.
وفي حياة الناس الخاصة: لماذا لا نتبرّم من الامتحانات المدرسية، وفي النتائج بالمدارس والكليات، التي هي مقياس النجاح والرسوب، ومقياس التفاوت بعضهم عن بعض، إذ نرى كل فرد يرضى بهذه النتيجة، حين برزت النتيجة ويستسلم لنتائج هذه المقاييس، فكل تلميذ أو تلميذة راضٍ بهذه المقاييس لأنه مطمئن لنتيجته التي هي مقياس لجهده، بالإدراك لما أوصله سعيه بين الحالين: فوز أو إخفاق.
وعند الناس مقياس عملي، في شيء محسوس، تبرز منه الحقيقة بالنتيجة، فإننا لم نسمع عن طالب أو طالبة ألقت اللوم أو الجهد بالنجاح على المدرس أو المدرسة إلا في حالات قليلة أو نادرة. ولذا يكرر الأساتذة والمعلمون والمعلمات أمام طلابهم عبارة مألوفة وهي: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان.
ولا يجب أن ننسى مكانة العقل في ميزان الإسلام، وأهميته في تصريف الأمور، فالحكمة وقياسها، يحددها العقل الذي أخذ التسمية، من العقال الذي يقيد الجمل، فالعقل يردع النفس عن ارتكاب نواهي الله سبحانه ويردعها بحاجز إيماني.
ولذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، والعقل هو الذي يجعله الله ميزاناً على الأمور فيزين لصاحبه الأمور الحسنة، ويباعده عن ضدها بميزان دقيق من ناحية المردود على صاحبه في جميع الأمور التي تُعرض عليه، إذاً فالعقل هبة من الله لصاحبه يستمد من مصدر التشريع في الإسلام ليستقيم صاحبه.
ذلك أن كلمة العقل، ولقوم لا يعقلون قد جاءت في القرآن الكريم الذي هو من عند الله ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: أكثر من مائة لأهمية العقل في ميزان شريعة الإسلام، ولكي يكون المسلم منصفاً مع نفسه فإنه لابد أن يعرض كل ما كُلّف به من شرع الله في المصدرين: القرآن الكريم والسنة المطهرة. أخذاً واستجابة لأمر الله سبحانه، ومن قول الرب العظيم في هذا التوجيه الكريم: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) سورة الحشر. والعلماء ورثة الأنبياء في التوجيه الحسن وفي القدوة.
فهذا أمر الزامي والعقل السليم يبادر بالاستسلام، لأنه لا مجال لتردد العقل في هذا الأمر الإلزامي. ومن لم يحكّم العقل أو يزنها في ميزانه، فيصبح كالبهائم التي تساق لموطن هلاكها: {إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا} (44) سورة الفرقان.. وميزان الأمور كلها بالعقل الذي يوجه الجوارح، فإن استقام استقامت وإلا العكس.
ومن هذه الدلالة، ندرك أن الإنسان المكلف بشرع الله، قد رفع مكانته ربه وفضله خالقه على كثير مما خلق سبحانه، وكان من منزلة التكريم والتفضيل هذا العقل الذي حُرمت منه البهائم والعجماوات كلها.. فكان الإنسان بما منحه الله من عقل، هو المكلف بالتشريع، ويجب أن يبحث عن المعرفة، ويستقيها من مصادرها، ويعمل بما عَلِمَ إذ لم نسمع أن حيواناً قد صدر له تكليف، أو خُوطب بأمر أو نهي: بالجزاء أو العقاب.
وقد يأتي من يقول: عن بعض العجماوات: كالكلاب والأسود وغيرها، ولكن هذه في الأعم، ترجع لما خُلقت له، فقد يفترس الأسد مدربه إذا جاع أو هاج وهكذا البقيّة والمثل يقول: من أصله كلب نبح.. وللذئب قصص كما في قصص العرب، عن المرأة التي ربت جرو ذئب، فلما كبر عاد إلى طبعه فأكل شاتها وفجع قلبها، وتمثلت ببيت من الشعر دلالة بأن كل شيء مع فقدان العقل يعود في أعماله لأصله الغريزي، وقد قالت معبّرة عن غلطتها في تربية ما لا يعقل وهو جروُ الذئب، فقد أخبر الرسول أن بعضها يقتص من بعض ثم يقال: كوني تراباً.
أكلتَ شويهتي وفجعت قلبي*****ومن أدراك أن أباك ذيب
وإن من بني آدم من نَزَلَ بنفسه إلى منزلة عطّل فيها عقله، فانحدر بسبب عصيان أوامر الله لأقل من درجة الإنسان الذي أكرمه الله بالعقل، إذا كان سوياً في خِلقته، فالواجب عليه أن ينقذ نفسه من عقاب الله في {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (88-89) سورة الشعراء. أما من سُلِبَ العقل فلا تكليف.
إن المقاييس عند البشر، وحسب معهودهم وإدراكهم مع قصورهم، تختلف عن المقاييس والحكمة البالغة عند الله سبحانه وحكمته وإرادته لأن الله سبحانه هو الخالق للبشر ومقلّب قلوبهم، ألم يقل وهو أصدق القائلين عن اليوم الآخر يوم القيامة الذي أُخفي عن الخلق متى هو: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} (6-7) سورة المعارج.
ألم يعترض المشركون على توجيه الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: “لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم” فرد الله عليهم جل وعلا وبحكمته البالغة {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} (32) سورة الزخرف. وهذا التفضيل بالعقل وحسن استعماله واعترض أميّة بن أبي الصلت، الذي كان في الجاهلية من أعبد الناس حسداً، مثلما غوى إبليس لأن الله فضل عليه آدم، واعتراضه على ربه بقوله: أنا خير منه خلقته من طين، وأنا خلقتني من نار السموم، فعصى ربه سبحانه.
بهذا المفهوم فكان من المبعدين، فلله الحكمة البالغة والشواهد في هذا كثيرة، لكنني أورد شاهداً محسوساً: جبلة بن الأيهم الغسّاني الذي تعاظم في نفسه، وهو يطوف بالكعبة، ولم يَرَ حقاً لأحد من التكبر، فلطم رجلاً في المطاف لأنه يجر إزاره خُيلاء، فأراد عمر بن الخطاب أن ينصف الملطوم بالقصاص لطمة بلطمة، فارتد عن الإسلام، وطلبه ملك الروم فأكرمه ورفع مكانته، لكنه خسر آخرته، وكعب بن مالك رضي الله عنه صَبَرَ وصَدَقَ مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم فكانت العاقبة حميدة بأن رضي الله عنه وأنزل توبته سبحانه قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة، كما جاء ذلك في آخر سورة التوبة، والفارق بين الاستجابة والعصيان حركة من القلب بالتعقل أو الانحراف، نسأل الله السلامة.
فقلب ابن آدم -كما جاء في الحديث- بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبه كيف يشاء، وكذلك يجب على كل إنسان أن يدعو بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به: “اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك” لأن القلب هو موطن التعقل والاسترشاد في الإنسان، فإذا استقام استقامت الأعضاء كلها، وإذا انحرف انحرفت كلها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صَلُحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”.
وهذا حديث صحيح، فالقلب هو من التعقل، والقلب هو ملك الجوارح التي يسيطر عليها.

————————–

mshuwaier@hotmail.com
نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.محمد بن سعد الشويعر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*