السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » خليجيون متحدون بلا اتحاد

خليجيون متحدون بلا اتحاد

الخليجيون حقا منعمون، ليس بنعمة النفط فحسب، بل لاعتقادهم أنهم محصنون بحماية إلهية ضد التقلبات التي تصيب من حولهم. دول الخليج العربية قوة هائلة، ليست تجمعات لدول منتجة للنفط والغاز ونقطة آخر السطر، بل تكتل جغرافي مؤثر سياسيا وثقافيا، ولو كتب له أن يكون اتحادا فسيكون مضرب مثل الكونفدرالية العصرية في أكثر صورها نجاحا.

ما تمارسه دول الخليج في واقع أمرها أنها تؤثر على أكثر مناطق العالم قابلية للاشتعال، من إشعال أنابيب النفط إلى إشعال الأجساد بالنار غضبا، وإشعال الميادين بالمولوتوف الذي يمسك به المشاة في الشوارع أكثر من رغيف الخبز أو الصحيفة. دول الخليج الست، وإن بدرجات مختلفة، هي مفتاح التحكم في أهم ساحات الصراع؛ لبنان وسوريا واليمن، ويطال تأثيرها مصر والأردن وليبيا وتونس، لذلك تثق مراكز القوى العالمية في التعاطي مع الخليجيين كتكتل لأنهم عادة ما ينشدون السلم والتهدئة.

يتحاور الخليجيون حول اسم علاقتهم إن كانت تعاونا أم اتحادا، وهم في الحقيقة أقوى من الاتحاد الذين يترددون بشأنه، ولو صح في اللغة تسمية مجلس المصير الخليجي لكان الأصدق والأوقع. التعاون علاقة اختيارية، أما الاتحاد فهو حتمي، تفرضه الضرورة الأمنية والتقلبات السياسية وقوانين العولمة.

في حرب الخليج الثانية كادت دولة الكويت تمحى فعليا من الخريطة بعد أن غزاها صدام حسين الذي كان يطمح لأكثر من الكويت ولديه من القدرات العسكرية ما يحتل دول أخرى في الجزيرة العربية. مجلس التعاون الخليجي وقتها كان الأسرة التي احتمت بها الكويت، والموقف التاريخي للراحل الملك فهد بن عبد العزيز بالاستعانة بالقوى الدولية لحماية دول الخليج أكد أن هذه الدول لا تعزز ترابطها بالجوار واللغة ولا حتى المصاهرة والتراث، بل بالمصير المشترك، الأهم من كل الارتباطات الأخرى.

والوضع تكرر منذ أكثر من عام مع مملكة البحرين التي تشعر بتهديد أمنها القومي بسبب تدخلات إيران في شؤونها الداخلية، وفي الكويت التي يجاورها عراق أكثر شراسة من عراق صدام، والإمارات العربية بجزرها المحتلة من إيران وتهديدها بالمد السياسي المتستر بالإسلام. أما السعودية فلم تتغير حساسية وضعها الأمني بسبب استهدافها من تنظيم القاعدة والمتطرفين الذين يتخذون من الإسلام رداء لتحقيق أهدافهم، وارتباط كثير منهم بإيران، وبأحزاب خارجية يتفقون معهم في اتجاهاتهم السياسية.

لا يعيب الخليجيون أنهم يتفاوتون في مستوى الثقل الدولي والتنمية والحريات العامة والانفتاح، لكن سيعاب عليهم إن هم فرطوا في الحقيقة الكبرى وهي مصيرهم المشترك من أجل حقائق أصغر تختلف فيها مصالحهم وعلاقاتهم الخارجية.

أبرز نماذج الاتحادات في العالم وهو الاتحاد الأوروبي يضم تحته دولا بقدر تشابهها مع بعضها فهي تختلف اختلافات عميقة، من ذائقتها الموسيقية وحتى مذاهبها الدينية، مرورا باللغة وأنظمة التعليم والصحة والاقتصاد، دون أن نغفل الصراعات التاريخية بين دولها. لم يقلل من قيمة الاتحاد ككيان أن يضم دولة صغيرة كقبرص مع دولة كبرى مثل فرنسا، ولم يحرك شهية ألمانيا وهي راعية الاتحاد وظهره الصلب أن تلتهم جارة صغيرة مثل لوكسمبورغ، بل تولت دور الحامي لدول أوشكت على الانهيار الاقتصادي كاليونان وإسبانيا والبرتغال وآيرلندا. ولم يضر الاتحاد الاختلاف في المواقف السياسية في قضايا مهمة كاختلاف ألمانيا وفرنسا في موقفهما من الثورات العربية الأخيرة، أو الموقف من لبنان والقضية الفلسطينية. الاتحاد الأوروبي اليوم كيان سياسي معتبر له برلمان ووزير خارجية وممثلون في دول العالم، ويوشك على تشكيل اتحاد مصرفي يديره البنك المركزي الأوروبي تتوحد فيه الرقابة والتشريعات المصرفية لحماية البنوك من الانهيارات التي عانت منها في 2008، أي أنه اتحاد لا يزال قابلا للنمو منذ إنشائه قبل خمسين عاما.

دول الخليج العربية تمارس عمليا علاقة الاتحاد منذ أول التسعينات، لكنها تخشى أن توصف به.

آخر نجاحات اتحاد المواقف الخليجية كان في اليمن، البلد الذي تتوفر فيه كل عوامل صنع الكوارث؛ القبلية، وتنظيم القاعدة، والإيرانيون المتمثلون في الحوثيين، والنزاع الشمالي والجنوبي، والفقر، والجهل، وضعف الأمن. المبادرة الخليجية قلصت من حجم الفوضى والصراعات في وقت انهارت فيه أركان رئيسة في اقتصاد وأمن دول أقوى منها كمصر وتونس. لولا التدخل الخليجي في اليمن لكان الواقع اليمني اليوم مختلفا، ولتجاوز الساحة اليمنية، ولكان صومال وأفغانستان ومالي في دولة واحدة. اليمن هو البلد العربي الوحيد الذي حصل فيه انتقال سلمي للسلطة بتدخل عربي، ولا يزال يحاول أن يقف على قدميه بدعم من الخليجيين الذين استخدموا كل أدواتهم السياسية في تسوية تستحق أن تكون مادة أكاديمية للدارسين والباحثين.

الاتحاد الخليجي ضرورة اسما ومفهوما، ليظهر أمام العالم والقوى العالمية كقوة عربية إقليمية متنامية تعكس وجهة نظر واحدة من أهم مناطق العالم نفوذا، فهي كانت منطلقا لاتفاقيات حسمت قضايا مصيرية كاتفاقية الطائف والدوحة ومبادرة السلام العربية ومبادرة اليمن. ولو لم يكن هناك مجلس تعاون خليجي لوجب إنشاء اتحاد خليجي مستقل يحتل مقعدا في الهيئات والمنظمات الدولية، على أساس أمني بداية، ثم اقتصادي وسياسي، بمرور الزمن.

—————-

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- أمل عبد العزيز الهزاني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*