السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل الثورات العربية محرقة الإسلام السياسي أم ماذا؟

هل الثورات العربية محرقة الإسلام السياسي أم ماذا؟

في عالم عربي معظم سكانه من المسلمين حدثت أربع ثورات مع استثناء اليمن ذات الطابع الخاص في ثورتها، الثورات التي حدثت في تونس ومصر وليبيا واليوم سوريا تشترك في عامل واحد وهو وجود الإسلام السياسي على الساحة.

جماعات الإسلام السياسي (الإخوان نموذجهم) مارست على الشعوب الإسلامية فكرة سياسية ماهرة وهي التي وفرت هذا الدعم الذي نشاهده اليوم، هذه الفكرة تقوم على أن الإسلام يجب أن يعود من موقعه الهامشي إلى مسرح الأحداث وخاصة مسرح السياسة

ولكن لا بد من التوضيح أن الإسلام السياسي بمجمله هو مجموعة من المناهج المتشددة والمتطرفة والأصولية والإخوانية ولكن النموذج الأكثر انتشارا في سياسية دول الثورات بعد سقوط رؤسائها هو منهج الإخوان المسلمين.

خلال القرن الماضي سقطت الخلافة العثمانية ولكونها إمبراطورية تدين بالإسلام فقد اعتبر سقوطها فقدا للخلافة مع أنها تاريخيا وسياسيا لا تمثل خلافة، لأنه لا يوجد نموذج تاريخي يسمى خلافة بالمعنى الذي يطرحه الإسلام السياسي.

ونتيجة لسقوط هذا النموذج الإمبراطوري الكبير لم يحتمل الكثير من المسلمين التحول إلى منهجية العيش في دول قطرية ذات حدود جغرافية ومنهجية سياسية محدودة النطاق، لذلك كان من الطبيعي أن تنشأ الحركات الإسلامية المستقلة التي تعبر عن ضياع الخلافة بوجوب إعادتها حاضرة في المشهد الاجتماعي وهذا احد أهم أسباب نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومن ثم انتشارها في العالم العربي وبعض دول العالم الإسلامي.

سبب آخر لهذه العودة إلى التجمعات الإسلامية أن الإمبراطورية العثمانية لم تستطع حقيقة أن تطور نموذجا حضاريا يستجيب بشكل تلقائي لمتطلبات الدين الإسلامي بحيث يمكن دمج هذه المتطلبات مع منهج حداثي حضاري متطور لذلك هي انهارت من خلال أتباع قيم تقليد الغرب.

رصدت كتب التاريخ ومنذ نهاية الثلاثة عقود الأولى الأخطاء المخالفة للتعاليم والعبادات على الخلفاء والسلاطين بينما لم تسجل لهم قدراتهم السياسية في تجاوز الأزمات إلا عبر اتهام الكثير منهم بمخالفة الدين وهذا سبب رئيس في ولادة الطوائف الإسلامية والفرق وهذا يشرح لنا أن سبب نشأة الإخوان المسلمين كجماعة سياسية إنما هو محاولة جديدة كمثيلاتها التاريخية عبر مئات السنين لاكتشاف ما هو الإسلام وعلاقته بالسياسة.

جماعات الإسلام السياسي (الإخوان نموذجهم) مارست على الشعوب الإسلامية فكرة سياسية ماهرة وهي التي وفرت هذا الدعم الذي نشاهده اليوم، هذه الفكرة تقوم على أن الإسلام يجب أن يعود من موقعه الهامشي إلى مسرح الأحداث وخاصة مسرح السياسة.

لذلك وبكل بساطة يمكن القول ان كل ما يفعله الإسلام السياسي اليوم هو دفع الإسلام إلى المسرح السياسي وهذا ما يثير السؤال المهم الذي يقول: هل الثورات العربية ستكون محرقة الإسلام السياسي أم ماذا..؟

الإسلام السياسي ومن الناحية النظرية ليس أمامه سوى خيارين إما أن يبني لنفسه نموذجا عنوانه الإسلام ويكون قادرا على التكيف مع متطلبات الحداثة والتطور، أو يبقى كما هو فكر متشدد كثير الصدام مع الواقع وراغب في إعادة صياغة قوالب التاريخ كما هي دون إدراك لمدى الأزمة الفكرية التي يمكن أن تخلقها فكرة إعادة وإحياء التاريخ بهذه الصورة.

الخيار الثاني ينطوي على صعوبات فكرية كبرى “أن تكون متدينا تقليديا في العالم الجديد الشجاع فهذا أمر في غاية الصعوبة، إن التحديث حقا عملية مؤلمة دائما، ففي التحديث يشعر الناس أنهم مُغربون وضائعون عندما تجعل تحولات أساسية تحدث في مجتمعهم”. انتهى كلام (كارين آمسترونغ).

في الخيار الأول وخاصة إذا ما رغب سادة الإسلام السياسي البقاء في ذات الصورة الذهنية التقليدية للإسلام كما هم قبل أن يصلوا للحكم مع محاولة للتحديث تتوافق والحالة الزمنية، فسوف تكون المهمة أصعب لان تاريخ الإخوان لم يكن مرنا يقبل الخيارات المتعددة لذلك سيكون من السهل اليوم اتهام الإخوان بالاتفاق مع الغرب عند أي محاولة لتجاوز الصعوبات السياسية وخاصة تلك التي تتطلب اتفاقات دولية مع الغرب أو مع الأعداء أيضا، كما سيجد الإخوان الأمر صعبا بل مستحيلا لأنه ليس لديهم نموذج واضح للخلافة يمكن البناء عليه.

إن الصعوبات السياسية التي تواجه الإخوان ورواد الإسلام السياسي في دول الثورات العربية هو اكتشافهم أن تعاليم الدين والعبادات والمساعدات الاجتماعية وإقامة الشعائر وزيادة الطلب على التدين: هي مهارات ليست كافية لإدارة السياسة في دولة كاملة.

هذه مشكلة في بنيوية التاريخ وصورته النهائية لدى رواد الإسلام السياسي فالصورة النهائية لشكل الخلافة وتقاطعاتها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والدولية غابت عن كل أدبيات الداعين إلى الخلافة الإسلامية لان الصورة الوردية وعرض النتائج التاريخية لنماذج الخلافة اثر كثيرا في وضع التصور الحقيقي لخلافة يمكن أن تعيش في القرن العشرين.

فهل نحن اليوم أمام عملية إحراق للتاريخ السياسي الإسلامي قد ينتج عنها انقلاب على هذا التاريخ أم نحن نسير نحو طريق تولد فيه دول متشددة متطرفة أصولية تصارع العالم وتعيد إنتاج نفس الأخطاء التي وقع بها غيرهم وخاصة أن موقف رواد الإسلام السياسي ومنهم الإخوان المسلمين متأرجح حول الديمقراطية ومعناه عدا بعض الأحزاب التي تعلن موقفا واضحا من الديمقراطية.

ستكون النتائج مخيفة وغير عادلة في حق الشعوب الإسلامية في كلا الحالتين لأنه إذا ما تكيف الإسلام السياسي مع متطلبات الحداثة وأنتج مجتمعا متوافقا مع الحداثة فمن سيكون المسؤول تاريخيا عن تظليل تلك الشعوب عن عدم قدرة الإسلام للتكيف مع كل عصر، أما إذا ما تراجع الإسلام السياسي وتحول إلى منهجية تقليدية فلن يتوانى رواد الإسلام السياسي من إحراق الشباب الإسلامي في معارك جهادية متطرفة ضد مخالفيهم حيث سينتج ذلك مجتمعات تعمل على تصفية نفسها من شوائب المخالفين بالإضافة إلى البحث عن عدو تحاربه يختلف معها بالدين.

أمام هذه الأزمة التحليلية تبدي الكثير من الدول في عالمنا العربي قلقا رماديا من هذه التيارات السياسية القادمة وخاصة أنها تعجز عن تفسير موقفها من ذلك الإسلام السياسي وهذا التخوف يخفي وراءه عدم وضوح فيما سيؤول إليه المستقبل فالكثير من الدول العربية تريد أن تضع لها خط رجعة لأنها غير قادرة على التحليل السياسي والاجتماعي ولكن المتوقع حدوثه هو إعادة إنتاج جديدة لتاريخ سياسي تتكيف فيه السياسية بازدواجية ماهرة بين متطلبات بقائها ضمن دول العالم وبين فرض التقاليد الدينية على مجتمعاتها وهذا يمثل إعادة جديدة لتاريخنا الذي كلما طويت صفحة منه عاد إلينا بذات الصورة.

——————

نقلاً عن الرياض 

-- علي الخشيبان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*