الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الثقافة الإسلامية محور لمناهج التعليم

الثقافة الإسلامية محور لمناهج التعليم

مما شد إعجابي بهذا المؤلف هو استعراضه للخصائص الجوهرية للثقافة الإسلامية.. وهي أنها: ثقافة ترتكز على عقيدة قوامها الإيمان بأحدية الخالق – جلّ علاه – وأن كل مخلوقاته تعبده، وتسبّح بحمده

أهداني الصديق العزيز، المربي الجليل الأستاذ الدكتور أحمد المهدي عبدالحليم أستاذ المناهج وطرق تعليم اللغة العربية مؤلفه الذي يحمل عنوان مقال اليوم.. وهو كتاب جدير بأن يطلع عليه كل من له علاقة بصنع المناهج في تعليمنا.. فقد صرنا اليوم في أمس الحاجة إلى صراط مستقيم، ومنهج معلوم عند وضع الأسس العامة، بل والتفصيلية لمناهج جميع موادنا الدراسية بعد أن تداخلت الأفكار، واختلطت المحاور، وزاغ المؤلفون بين مطالب المسؤولين عن التعليم، وأوامر المنفذين للمناهج.

وهذا الكتاب بجانب مقدمته الجاذبة، وخاتمته الموصية يقع في خمسة فصول جمع فيها ما أرى أنه جدير بالتحقيق والتنفيذ، ومنهج المؤلف – في الوصف للموضوع والتفسير لمفرداته، والتعليل المقنع لآرائه – هو منهج مركب نواته القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بحكم أن الثقافة الإسلامية ثمرة ناضجة تقتضي تفسير الدين من داخل الدين نفسه – وليس من خارجه – وأن ثمرة الثقافة الإسلامية دانية قطوفها لكل إنسان، ستبقى عناء منذ مجيئها، وستظل ثراء مدى الزمان والمكان؛ بحكم أنها ثقافة تؤمن بكرامة الإنسان الذي خلقه الله، فسواه وقدر له في فطرته ما فيه هدايته للنجدين (نجد الرشاد.. نجد الفساد) وعلى الإنسان أن يختار بإرادة حرة، وعقل بصير ما يراه، وأن يتحمل هو مسؤولية اختياره الفردي وأثر ذلك في الجماعة.

ويؤكد المؤلف على أن العقل أداة لفهم الوحي، ومناط للتكليف، وللثواب، والعقاب، وأن المحافظة على العقل، وتنميته، وإعماله من الواجبات الدينية المفروضة.

والمؤلف بعمله هذا يؤكد أن الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أولى الناس بها.

ويؤكد على أنه ينبغي ألاّ نلبس ثوب النرجسية الثقافية، فنلقي ظهرياً كل ثقافات أخرى، بل إنه ينادي بالوقوف من موروثاتنا الثقافية، والوافد منها من ثقافات الآخرين موقف الناقد البصير نأخذ منها ما يتفق وعقيدتنا وقيمنا الحياتية التي خطها الإسلام لنا.

ومما شد إعجابي بهذا المؤلف هو استعراضه للخصائص الجوهرية للثقافة الإسلامية.. وهي أنها: ثقافة ترتكز على عقيدة قوامها الإيمان بأحدية الخالق – جلّ علاه – وأن كل مخلوقاته تعبده، وتسبّح بحمده.

ثقافة عالمية إنسانية؛ تؤمن بأن الإنسان أكرم خلق الله، ولذا استخلفه خالقه سبحانه في عمران الأرض؛ فهو إذاً سيد في الكون، وليس سيد الكون.

ثقافة كلية شاملة تلتحم فيها المبادئ العامة بالشريعة وأخلاقيات السلوك.

ثقافة عقلانية، تؤاخي بين الوحي الإلهي ومقتضيات العقل الجمعي، الذي هو ضروري لفهم الوحي.

ثقافة تؤمن بضرورة الشورى، والمشاركة في شؤون الحياة كافة؛ سواء أكان الشأن في مجال السياسة والحكم، أم في مجال الفكر، أم في مجال العمل، أم في مجال التعليم.

ثقافة منفتحة على الثقافات الأخرى؛ تكره الانكفاء على ذاتها، وترفض الذوبان في الآخر الثقافي، تُؤثر الحوار، وتستنكر الصراع.

ثقافة تنشد تنمية رأس المال البشري، غاية التنمية ووسيلتها، ورأس المال المادي في آن واحد.

ثقافة (وسطية – عادلة) تنشد التوازن والاعتدال بين الدنيا والآخرة، وبين العقل والنقل، وبين عالم الغيب، وعالم الشهادة، وبين العقل والوجدان، وبين المسؤولية الفردية، والمسؤولية الاجتماعية.

ويسهب في تفاصيل تلك الخصائص، ولأضرب مثلاً لشرحه فيما يخص أنها ثقافة كلية شاملة فيذكر مثلاً لهذا بالطهارة، وأنها ليست قاصرة على جانب التعبد الخالص للصلاة، وإنما هي مطلب شرعي يمتد إلى نظافة الملبس والمأوى، والطعام والشراب، كما تمتد إلى نظافة الشوارع والتجمعات السكنية، وحماية هذه المواقع من التلوث، والمحافظة على سلامة البيئة، وصيانة المصادر الطبيعية، والمؤلف بهذا ينتقد المنهج الدراسي الذي يقصر ذكر الطهارة في مقرر الفقه على الطهارة للصلاة.

كثيرة الممارسات الخاطئة في حياة بعض الناس حولنا؛ انتقدها المؤلف لأنها غير ما قصدت إليه الشريعة الإسلامية.

لقد أورد مثلاً لسوء التفسير من أن واعظاً تحدث عن الجوع الذي أصاب جزءاً من المجتمع الإسلامي بأنه عقاب من الله، وينصح الجوعى بالاعتكاف في المساجد، والإلحاح بالدعاء حتى يمن الله عليهم بما يشبع بطونهم، وكان الأحرى بهذا الواعظ أو المعلم أن يحثهم على الخروج للسعي وكسب الرزق خير لهم من الجوع والحرمان.

ألم يسمع ما قيل لرجل جاء يسأل الفاروق – ما معناه (اذهب واعمل – لئن يحتطب أحدكم خيراً من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)، والمقولة الأخرى له – رضي الله عنه – التي معناها أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، ويعني بذلك أن الجِدة والثروة تأتي من الكد والكدح والعمل الجاد.

وفقنا الله جميعًا إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.

——————-

نقلاً عن الرياض 

-- محمد بن أحمد الرشيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*