الإثنين , 5 ديسمبر 2016

مراجعات الربيع!

أخيرا تم إعلان وفاة «الربيع العربي» على يد نفس «الجوقة» التي صدحت بميلاده منذ عامين، وجاء ذلك على يد الكاتب الأميركي توماس فريدمان الذي غنى من قبل لما عرف مرة بالربيع، وما عرف مرة أخرى باليقظة، وما عرف بالثورة في كل الأوقات.

كان الرجل محتفيا بما جرى في بلدان عربية؛ لأنه كان يؤكد على وجهات نظر طالما أذاعها عن «العولمة» وآثارها في نقل خبرات التغيير للشعوب والأمم، والتكنولوجيات الجديدة وقدرتها على التواصل والربط بين الدول من ناحية، وداخلها بين الشرائح الاجتماعية المختلفة من ناحية أخرى.

كان الربيع العربي حالة مثالية ونقية للتغيرات الجارية في عالمنا والواجب حدوثها من ناحية أخرى، فلم يكن فريدمان مجرد كاتب يرصد ويحلل، ولكنه كان صاحب نظرية في التغير العالمي وانتقال الدنيا من حال إلى حال آخر.

قال الرجل في مقال أخير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز» إنه لم يكن صحيحا ما ذكره، وغيره، من قبل حول القدر من الزهور اليانعة في الربيع العربي، ولا كم اليقظة التي جاءت بعد سبات عميق. لم يكن «الربيع العربي» ربيعا آخر مثل ربيع براغ في عام 1968، أو ربيع شرق أوروبا في تسعينات القرن الماضي، ولا الربيع الذي جرى منفردا في دول كثيرة من دول العالم حينما جاء الشباب إلى السلطة ومعهم الديمقراطية في ناحية، والرأسمالية في ناحية أخرى. ولكن ما جرى في الدول العربية الثائرة كان أمرا آخر يشبه ما جرى في أوروبا في القرن السابع عشر عندما نشبت حرب الثلاثين عاما.

باختصار كان العرب الجدد يتقدمون إلى الخلف، حيث صراع الأديان والطوائف، والانغلاق الفكري، واضطهاد المرأة والأقليات، والنظر بالريبة والشك لكل ما هو خارج المنظومة القائمة بمظهرها وجوهرها معا.

إثبات المقولة الجديدة أو نفيها ربما يحتاج وقتا أكبر مما أتيح بالفعل حتى الآن، فالقصة لم تصل بعد إلى المنتصف، وكل ما لدينا هو سلسلة من التفاعلات التي ربما تكون أقرب إلى أوروبا في القرن التاسع عشر بعد عاصفة الثورة الفرنسية التي هي الأخرى لم ترتفع إلى المستوى التي نادت به مبادئها الأولى وشعاراتها التي ألهبت خيال أوروبا والعالم. ولكن سرعان ما ظهر أن الفوضى والانتقام قد غلبا كل المثاليات، و«الشعبوية» باتت بديلا للبناء والتقدم، وحتي الحريات العامة لم تلبث أن غرقت في الظاهرة «النابليونية»، وباختصار لم يعد في الأمر «مثال» يعتد به أو نموذج يقتدى.

وفي الولايات المتحدة التي كانت قد مارست الثورة هي الأخرى قبل قليل، وبعد احتفاء بالثورة الفرنسية، لم يجد جورج واشنطن بدا من إصدار قانون «الفتنة والغرباء» الذي كان يعني سجن كل من يردد أفكار الثورة الفرنسية، وكل من يتسرب من فرنسا أو أوروبا من أفراد يحملون الأفكار الفوضوية أو المتعصبة للثورة في فرنسا. ولم يمض وقت طويل على أي حال حتى انهارت الثورة في فرنسا وهزم نابليون وضعفت الدولة إلى الدرجة التي جعلتها رجل أوروبا المريض، ربما حتى جاء شارل ديغول إلى السلطة عام 1958 لكي يستعيد لفرنسا بعضا من مكانتها.

ولكن الثورة الفرنسية وأفكارها وشعاراتها خلقت رد فعل آخر على الساحة الأوروبية، ربما يكون له مثيل على الساحة العربية. فمن ناحية قسمت الثورة أوروبا حيث كانت هي على جانب، وتكون على جانب آخر ما عرف ساعتها باسم Concert of Europe الذي كان تعبيرا عن مؤتمر فيينا عام 1815 الذي ضم بريطانيا والنمسا وروسيا وبروسيا، والذي أقام نظاما أوروبيا استمر حتى عام 1914 عندما نشبت الحرب العالمية الأولى.

ما ذاع عن هذا التجمع ارتبط دوما بتوازن القوى في أوروبا، والتحالفات والتحالفات المضادة، ولكن ربما كان أهم ما فيه هو أنه ضم تجمعا محافظا من ناحية، ولكنه من ناحية أخرى كان عازما على التغيير فيما تعلق بكل القضايا الجوهرية التي أثارتها الثورة الفرنسية؛ من حيث الحقوق والواجبات والمواطنة وحقوق الأقليات، والأعراف بالنتائج الاجتماعية للثورة الصناعية الأولى. لم يكن رفض الثورة وهمجيتها وخروجها عن القوانين والأعراف، سببا لرفض الإصلاح والتغييرات الواجبة بحكم العصر والتكنولوجيا والتغيرات الديموغرافية والاقتصادية السائدة.

أمر من هذا يجري في العالم العربي الذي انقسم إلى دول الربيع أو اليقظة أو الثورة، وانتهى إلى ما نشاهده الآن أمنيا واقتصاديا وسياسيا وفكريا، وبالقياس إلى الشعارات الرومانسية للثورات، فإن واقعها يبعد عنها بعد السماء السابعة؛ وإلى دول أغلبها ملكية سارت في الطريق الآخر، حيث الإصلاح وإجراء التغيير وفق خطوات محسوبة، أو هكذا ظن القائمون عليه.

اتجاهات التغيير أخذت أشكالا دستورية تقيد من سلطة رأس الدولة وتوسع من سلطات السلطة المنتخبة، وأشكالا في النظام السياسي سمح لقطاعات أوسع من الجماهير بالمشاركة، خاصة المرأة والأقليات، وتكفل الإصلاح الاقتصادي بما تبقي من تغييرات.

وعلى أي الأحوال لم يكن ذلك كافيا، ولكن ما تحقق جعل المقارنة مع دول الربيع لصالح هذه الدول، بل إنه جعل مواطنيها يفقدون ذلك الإعجاب الذي جرى خلال عام 2011 عندما ذاع في الداخل والخارج أن الإقليم في طريقه إلى أن يدخل تاريخا آخر.

وفي الحقيقة أنه لم يبق من «الربيع» شيء سوى ما يجري من ثورة في سوريا، وهناك بدا الخلاص من نظام بشار الأسد ممثلا لأعظم ما حققته الثورات العربية، وهي الخلاص من نظم فاشية وفاسدة، ولكن الثوار على الجانب الآخر ما لبثوا أن أفرزوا مبكرا كل ما أفرزته الثورات العربية السابقة، وهذه المرة قبل أن يتم النصر. فلم يعد مؤكدا أن الثورة السورية سوف تنتهي إلى دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الأقليات، ولم تعد المشكلة هي التعامل مع حركة الإخوان المسلمين، والتأكد من أنها سوف تحترم قواعد اللعبة الديمقراطية، وإنما المأساة الآن أن الربيع السوري أسفر عن وجه تنظيم القاعدة القبيح، وهو يربط بين العراق وسوريا مؤذنا بكارثة كبرى، ليس فقط على سوريا، وإنما على المشرق العربي كله.

أن ينتهي حكم البعث والأسد فهذا حكم التاريخ على كل المستبدين، ولكن أن يأتي تنظيم القاعدة بديلا فذلك حكم الغفلة، ولا يوجد لها حل إلا عندما تتكون منظومة عربية Concert of Arabia لكي تتعامل مع هذه المعضلة التي تمس أمنها مباشرة. لا يوجد حل آخر!!

—————-
نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- عبدالمنعم سعيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*