السبت , 3 ديسمبر 2016

القرآن يتحدى

القرآن الكريم، كتاب أنزله الله على سيِّدنا ونبيِّنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أنزله الله منهاج حياة، وسبيل هداية ورشد للناس، من التزم هديه ومنهجه حظي بسعادة في الدنيا والآخرة، وخرج عقلاً وفكراً من ظلمات الأهواء والإغواء، إلى أنوار الفلاح والاستقامة، بقراءته تنشرح الصدور، وتأنس النفوس، وتزول الهموم، به يعرف الحق من الباطل، في القرآن الكريم عبر ومواعظ وآيات لم تزل العقول البشرية قاصرة عن فهم دلالاتها ومعرفة معانيها، ولم تزل تلك الآيات شاهدة على عظمة القرآن وإعجازه، وعلى تحديه الصريح لعقل الإنسان، تحدي فهم، وتحدي قدرة على الإتيان بالمثل، وتحدي إرادة الإنسان بأن يثبت خلاف ما تقرَّر في القرآن من حقائق قاطعة الدلالة. 

القرآن تحدى العرب صراحة بأن يأتوا بمثله، قال تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} الآية 34 الطور، وتأكَّد فشلهم وعجزهم عن أن يأتوا بذلك، رغم أنهم أهل فصاحة وبلاغة وقدرة على صناعة الكلام والإجادة فيه. 

ولما ثبت عجزهم، تحداهم القرآن بأن يأتوا بعشر سور مثله، قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} الآية 13 سورة هود، وفي هذه فشلوا وعجزوا عن الإتيان بعشر سور. 

ولما ثبت عجزهم في التحدي الثاني، تحداهم القرآن ثالثة بأن يأتوا بسورة من مثله، قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الآية 23 سورة البقرة، وفي هذه فشلوا وعجزوا كذلك، عجزوا عن الإتيان ولو بسورة، فهل أعظم من هذا التحدي؟ وأبلغ من هذا الفشل؟ 

القرآن وحده من بين كل الكتب الذي لا يمكن أن تمل قراءته، أو أن تكتفي بقراءته مرة واحدة، وحده الذي كلما كرَّرت قراءته تشعر وكأنك تقرأه للمرة الأولى، ويتجدّد عندك الاستمتاع، والرغبة في تواصل القراءة مهما طال وقتها، القرآن وحده الذي لو جلست الساعات الطوال وأنت تقرأ آياته وسوره لا يمكن أبداً أن تنظر للساعة، لأنك مع القرآن تشعر بأنس وسعادة ومتعة، ويزداد شعور الأنس والسعادة والمتعة إذا كانت القراءة قراءة تدبر وتفكر وتمعن واعتبار. 

بهذا الإعجاز الذي ما زالت تتوالى عبره وعظاته، يتحدى القرآن كل الكتب عبر كل الأزمنة وفي كل الأمكنة، مهما كانت أهمية موضوع تلك الكتب، ومهما كانت درجة قيمتها وفائدتها، ومهما كانت بلاغة الأسلوب الذي صيغت به، وصيغ التشويق، وعبارات الجذاب، يبقى القرآن وحده الكتاب الذي تقرأه مرات ومرات وفي كل مرة تعدها القراءة الأولى بكل ما تعنيه وتحمله من مشاعر الشوق والمتعة، والرغبة في الفهم والاستيعاب. 

تتجلى أعظم صور التحدي في سورة (المسد) تدبروا تلك السورة العظيمة، قال تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}. يستطيع أبو لهب أن يعلن إسلامه على مرأى ومسمع من قريش، بأن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبهذا الإعلان – وإن كان كذباً- يستطيع أن يتبجح ويقول: انظروا يتوعّدني الله بأن أصلى ناراً ذات لهب وأنا أشهد ألا إله الله وأن محمداً رسول الله، لكن الأمر ليس باختيار أبي لهب ولا بإرادته، على الرغم من بساطة الأمر وإمكان تحقيقه، لكنه القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الأصدق في تحديه، فالقرآن منزل من الله، الذي يعلم السر وأخفى، وبالتالي لا قدرة لأي عقل أو إرادة أن تتجاوز أي القرآن إنكاراً أو اعتراضاً. 

القرآن الكريم آخر الكتب السماوية، الكتاب الخالد الذي تكفَّل الله بحفظه، وبالمحافظة عليه تحافظ الأمة على هويتها، وتأمن على مستقبلها، وبالمحافظة عليه يؤدي المسلم عباداته، وينظِّم حياته ومعاملاته وعلاقاته، بقراءة القرآن وتدبر آياته تحيا القلوب. 

abalmoaili@gmail 

=—————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية 

-- د. عبد الله المعيلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*