الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

الثقافة الإسلامية (2)

لعل أبرز الأخطاء الشائعة في مجال مناهج التعليم بعامة مقولة تحصر المعارف الإنسانية في صنفين من المعارف: أولهما: معرفة ماهيات الذوات والظواهر والكيانات، وثانيهما: معرفة الكيفيات، والنوعيات، والتقنيات

ينتاب بعض الناس – الموالين لما هو سائد مفروض من المناهج التعليمية – الفزع حين يبدي بعض الآخرين من التربويين وغيرهم آراءهم في تلك المناهج، وما فيها من ظواهر سلبية ومحتويات غير مناسبة اليوم وتحتاج إلى تغيير وتحسين، أو حذف، وتحديث، وقد يكونون في داخلهم مقتنعين بصحة ما ينادي به المنادون من تطوير لابد أن يدخل عالم المناهج، وتبديل بعض ما فيها؛ لكنهم يخشون رد الفعل من المغالين، إذ سمعت مرات لبعض يقولون: إنك محق فيما تنادي به؛ لكن كيف نتقي نقد المتزمتين وهم أهل نفوذ!!

إني باهتمام أتابع تلك القضية، وأبدي الرأي فيها؛ لأن التطور هو سنة الحياة.. وأهداف التعليم اليوم يجب أن تأخذ من الثقافة الإسلامية أوصافها ومحاورها الصحيحة التي أوردتها في المقال السابق.

ومن حيث إننا أمة مسلمة – مصدر مسيرتنا في كل الحياة هو الإسلام، وثقافتنا الإسلامية ثقافة رحبة مفتوحة على كل الثقافات، لا يلبس أصحابها ثوب النرجسية إذ إننا أصحاب شخصية متطورة ذات سمات تميزها. تأخذ من كل الثقافات الأخرى أصلح ما فيها بما لا يتعارض مع قيمنا، وهي بهذا الإطار المرجعي للفكر التربوي، والممارسة التعليمية.

ولقد جاءت ملامح كثيرة مما أطالب به في (الوثيقة الحالية لسياسة التعليم في المملكة العربية السعودية) وإن كانت هذه الوثيقة التعليمية تحتاج إلى إضافة الجديد مما يتناسب وقفزة العلم الحديث والتخلص من بعض بنود فيها، مما ليس متناسباً وظروف العصر وتطور الحياة.

إن نظام التعليم الحالي عندنا يحتاج إلى مطالب كثيرة تمثل دعائم تحقيق أهدافه بحكم أن مؤسسات التعليم تعلم تعليماً جمعياً، وكما أشار إلى ذلك الدكتور أحمد المهدي عبدالحليم حين قال: (يضم التعليم في الفصل الواحد أو في الموقف التعليمي الواحد مجموعة من المتعلمين يختلفون في خلفياتهم المعرفية؛ لانتمائهم إلى أسر تتفاوت مستوياتها الثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية) أي أن بينهم فروقاً ينبغي أن يحسب حسابها عند تعلمهم، وتعليمهم في موقف جمعي، وهذا ما يتحدث التربويون عنه بمفهوم (استراتيجيات التعليم)؛ بمعنى الاستراتيجيات التي تجعل التدريس وسيلة للتعلم، فالتعلم هو غاية التعليم، والتدريس وسيلة إليه.

ولتوضيح ذلك فإن المُدخل الذي نطلق عليه المنهج مُدخل على قدر كبير من الأهمية، ودائماً يحتاج إلى كثير من الجهد في التقويم والتجديد، وهذا يتطلب أن تكون مؤهلات من يتصدون له مؤهلات واسعة، ومتنوعة، وعميقة؛ لأنه (المنهج) بمعناه الواسع هو الوسيلة الفعالة في تحقيق الأهداف المبتغاة من نسق التعليم.

والسؤال الرئيس – كما ذكر الدكتور أحمد المهدي عبدالحليم – الذي يبدأ به تصميم مناهج التعليم هو: ما المعارف التي تستحق – دون غيرها – أن تكون موضوعات، أو نشاطات، أو مهارات تعمل المؤسسات التعليمية على معاونة الطلاب على تعلمها؟ وهو سؤال قديم؛ ولكنه متجدد – دائماً – في كل الثقافات، نتيجة أثر التقدم العلمي الذي يوشك في بعض المجالات أن يَسِم معارف قرن مضى بأنها أشبه بالخرافات والأساطير في القرن الذي يليه، ويصدق هذا القول – أكثر ما يصدق – على المجالات الفيزيقية التي تطرد فيها الاكتشافات، وتتغير المعارف بصورة جعلت المعارف في تلك المجالات تتضاعف في متوالية هندسية، وصلت في المجالات التقنية إلى اختراع جديد في كل شهر ونصف، بل في كل شهر، وتنفرد مجالات الاتصال الإلكتروني بتفوقها على غيرها من المجالات في سرعة تغير المعارف، وما يبنَى عليها من تقنيات.

ويمضي الدكتور المهدي شارحاً ما جاء في إحياء علوم الدين للإمام أبو حامد الغزالي تحت عنوان: (في العلم المحمود والمذموم وأقسامهما وأحكامهما) حيث يرى الغزالي أن طلب العلم فريضة، وأن العلم ينقسم إلى فرض عين، وفرض كفاية، وقال: إن الناس اختلفوا في العلم الذي هو فرض عين على كل مسلم؛ فقيل: إنه علم الفقه؛ إذ به تعرف العبادات، والحلال، والحرام وقال بعضهم هو علم العبد بحاله ومقامه من خالقه.

وإذا كان إمامنا الغزالي قد سبق في (إحياء علوم الدين) بالدعوة إلى أن تتخذ الثقافة الإسلامية رافداً أساسياً لكل الثقافات ومنبعاً لكل مناهج التعليم الخاص والعام.

وإذا كان العلم قد تطور في عصرنا الآن تطوراً ربما لم يكن يخطر بخلد الغزالي أو السابقين من رواد التعليم والفلاسفة إلاّ أنه مع هذا التطور الحياتي المذهل، والعلوم المستحدثة نجد شيئاً مهماً يحتاج إلى أن نتنبه إلى قصور مناهجنا عن إيجاده فيها مما يمثل أخطاء فادحة لابد من تجنبها.

ولعل أبرز الأخطاء الشائعة في مجال مناهج التعليم بعامة مقولة تحصر المعارف الإنسانية في صنفين من المعارف: أولهما: معرفة ماهيات الذوات والظواهر والكيانات، وثانيهما: معرفة الكيفيات، والنوعيات، والتقنيات.

والصنف الأول من المعارف يضم كل المعارف التي تتصل ببنية الأشياء والظواهر والكيانات، وبالعلاقات الكائنة بين مكوناتها، والتفاعلات التي تحدث داخلها وتصدق هذه التسمية على كل ما يدخل في الوجود الطبيعي أو في الوجود الاجتماعي.

أما الصنف الثاني من المعارف فإنه يتعلق بالتقنيات المادية، والاجتماعية، والفنية التي تُسيِّر الذوات والظواهر والأشياء ولا شيء بعد هذا.

والوقوف بالمعرفة الإنسانية عند حدود هذين الصنفين قصور فادح وفاضح في آن واحد؛ فقد أدى هذا القصور إلى ويلات وكوارث عانت منها الإنسانية، ولا تزال تعاني، وسوف تظل تعاني، ما لم ننتبه إلى صنف أساسي مفقود من المعارف، وهو ما يتحدث عنه على أنه المعارف التي تخص المسارات التي توظف فيها المعارف التي نحصدها من الصنفين الرائجين (معرفة الماهيات، ومعرفة الكيفيات)، ويقصد بمعارف المسارات المعارف التي تحدد المواقع التي توصلنا إليها معارف الماهيات والكيفيات، وهذا الصنف المفقود هو المعارف التي تهدي الناس جميعاً في كل الأزمان والأصقاع إلى أفضل الطرق التي توظف فيها المعارف الإنسانية لخدمة البشر، وتجعلهم يتعاضدون في العمران وليس في الخسران.

إن الإنسانية قد حققت اليوم تقدماً ملحوظاً في المجالات الفيزيقية، والحيوية، والاجتماعية والتنظيمة، وعوائد هذا التقدم ملحوظة في زيادة الإنتاج للغذاء، وللدواء، وللوقاية وللعلاج، وللتواصل في سائر مرافق الحياة، وقد توازى مع هذا استغلال لهذا التقدم أدى إلى زيادة نسبة عدد الفقراء في العالم، وزيادة نسبة من يموتون جوعاً، وإلى استخدام مظاهر التقدم وتقنياته الكثيرة في حروب عالمية وإقليمية في شتى بقاع العالم ولن تسقط من ذاكرة التاريخ الإنساني المآسي التي عاناها البشر في (هيروشيما)، و(نجازاكي)، وفي كوريا الشمالية، وفي البوسنة والهرسك، وفي الشيشان، وفي فلسطين، وفي العراق، وفي أماكن أخرى من بلاد العالم.

إن هذه المآسي نشأت من تحرير العقول البشرية للكشف والاختراع في الأرض وفي الفضاء؛ دون أن نؤصل في هذه العقول ذاتها الكوابح أو العواصم التي تحول بينها وبين استخدام التقدم العلمي في القتال، والتظالم، والفساد، والإفساد، والتخريب، والتدمير، والتآمر بالمنكر، والتناهي عن المعروف.

وأيضاً فإن البشرية ستظل تعاني من مثل هذه المآسي ما لم نؤكد في مناهج التعليم على المعارف التي تدعو الناس إلى إعمال عقولهم في المآلات التي يؤدي إليها سوء استخدام التقدم العلمي والتقني، وهي المآلات التي تحفظ للبشر حقوقهم في الحياة الكريمة، وفي التعبير الحروفي التعاون الإنساني على البر والتقوى، وليس على الإثم والعدوان، ومعصية كل ما توحي به العقول الراشدة، وما دعت إليه الأديان السماوية، وحثت عليه مقولات الحكماء في كل ثقافات العالم.

وهذا الصنف المفقود من المعارف هو ما تشير إليه المقولة إلى أين نحن ذاهبون، والمعارف والنشاطات التي تنضوي تحت هذه المقولة كثيرة، مما يمكن أن يمارس في مؤسسات التعليم ومناهجه التربوية عامة.

لو أن مناهجنا التعليمية تبنت عرض المآلات التي تحفظ للناس أسباب الحياة السعيدة، وقبول الرأي الآخر، وحب السلم، ودعم الأمان لما وجد بيننا شيء من هذا الإرهاب والعنف الذي ابتلينا به جراء عدم تأصيل معارف الخير والسلام في عقول الناشئة عند تعلمهم.

وفقنا الله جميعًا إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.

—————-

نقلاً عن الرياض

-- محمد بن أحمد الرشيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*