الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تفجيرات بوسطن.. هل لها صلة بقضية الشيشان؟

تفجيرات بوسطن.. هل لها صلة بقضية الشيشان؟

لا يعرف أحد حتى الآن لماذا قام مهاجران ناجحان بتفجيرات بوسطن، ولكن من الصعب تصور علاقة الجريمة بقضية الشيشان، بل تبدو مدفوعة بعوامل شخصية واجتماعية

أكتب هذا الأسبوع من مدينة بوسطن، حيث أسدل اعتقال جوهر تسارنيف مساء الجمعة الستار على مأساة بدأت يوم الاثنين الماضي (15 أبريل) واستمرت خمسة أيام. وكان شقيقه (تامرلان) قد قتل مساء يوم الخميس الماضي في مواجهة عنيفة مع قوات الأمن، والتي شملت قوات مشتركة مدججة بالسلاح من الحكومة الاتحادية وحكومة الولاية ومدينة بوسطن.

والأخوان تسارنيف هما المشتبهان في تفجيرات ماراثون بوسطن التي تسببت في قتل ثلاثة أشخاص وجرح العشرات، وكان الأخوان وأسرتهما قد قدموا إلى الولايات المتحدة خلال العقد الماضي لاجئين من الشيشان. وكان الأخوان، بشهادة جيرانهما ومعارفهما، أبعد ما يكونا عن الشبهة: (تامرلان) البالغ من العمر (26) عاما، جامعي وملاكم هاو، أب لطفلة عمرها سنتان، وجوهر طالب جامعي رياضي واجتماعي.

وبعد انتهاء الحادثة، يبحث المسؤولون – كما يتساءل المواطن العادي – عن دوافع هذه الجريمة وما تعنيه مستقبلا حول أمن الفعاليات الرياضية وعلاقات أميركا مع المهاجرين الجدد. 

أما أسرة المشتبهين والمجتمع الشيشاني، في أميركا وخارجها، فهم منقسمون بين من يدين الشقيقين ويتبرأ منهما، وبين من يكذب الأخبار ويعتقد أن التهمة قد لفقت للشقيقين. 

وصلتُ إلى بوسطن يوم الأحد الماضي للمشاركة في مؤتمر تنظمه كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وعندما أبلغني السائق الذي أوصلني إلى المطار عن الماراثون في اليوم التالي وعبر عن استيائه من الازدحام الذي يسببه الماراثون، لم أشاركه الرأي، بل سعدت بسماع الخبر وكنت أتطلع لمشاهدة هذا السباق العريق.

فماراثون بوسطن أقدم سباق من نوعه، حيث نُظم لأول مرة 1897، وأصبح يُعقد ثالث يوم اثنين في شهر أبريل من كل عام، ومثالا يحتذى كأحد أهم سباقات الجري في العالم. 

وفي اليوم التالي، 15 أبريل، بدأ الماراثون كالعادة في جو احتفالي، وبدأ توافد الفائزين الذين أكملوا السباق، ولكن ذلك تغير فجأة حينما وقع تفجيران قرب نقطة النهاية، وحين بلغنا الخبر ونحن في الاجتماع لم أصدق كغيري أن يتجرأ معتدون على تعكير صفو هذا السباق العريق.

واتضح لاحقا أن التفجيرات تسببت في قتل ثلاثة أشخاص (طفل في الثامنة وسيدتان)، بالإضافة إلى إصابة نحو (140) شخصا. وبدأت السلطات في ملاحقة المتسببين، وسرعان ما تركز البحث على الشقيقين تامرلان وجوهر تسارنيف اللذين ظهرت صورهما في شاشات المراقبة القريبة من مكان الانفجارين.

وبدأت حملة مطاردة لهما انتهت بمواجهة عنيقة مع قوات الأمن في منطقة (واترتاون) مساء يوم الخميس قتل فيها الشقيق الأكبر تامرلان، إلا أن جوهر استطاع الهرب.

طوقت قوات الأمن حي (واترتاون) وقامت بتفتيش منازل الحي بيتا بيتا، وفي الوقت نفسه تم إعلان حظر التجول في عدد من الأحياء تشكل في مجملها نحو نصف مساحة منطقة بوسطن، وهو إجراء غير عادي، وأغلقت المحلات التجارية في منطقة حظر التجول. وأوقفت وسائل المواصلات العامة في كامل منطقة بوسطن، بما في ذلك القطارات والباصات وسيارات الأجرة منعا لإفلات جوهر. 

بعد مرور نحو (24) ساعة دون نتيجة، رفع حظر التجول، وحالما تم ذلك عثر عليه بمساعدة أحد المواطنين، وبعد اشتباك دام آخر ألقي القبض عليه مصابا إصابات بالغة.

مما لفت نظري أنه حالما وقوع التفجيرات، بدأت بعض وسائل الإعلام بالتكهن عن علاقته بالمسلمين والسعوديين على وجه التحديد، ووقع عدد من الحوادث العنصرية ضدهم، وظهر بعض “الخبراء” المعادين للعرب بنظريات واهية عن دوافع الحادث.

وبعد تحديد هوية المشتبه بهما، بدأ البعض بالربط بين الحادث وقضية الشيشان. وبالطبع فإن كل الاحتمالات ممكنة، ولكن مثل هذا الربط غير مقنع، لأن عدو الشيشان هو روسيا وليست الولايات المتحدة، ولم يسبق لأميركا أن أيدت روسيا في هذا النزاع، بل إن ثمة تعاطفا واضحا مع الشيشان.

ثم لماذا يهاجم هاذان الشقيقان أميركا التي وفرت لهما وأسرتهما ملاذا آمنا، وفرصة لإعادة بناء حياتهم من جديد بعد أن لجؤوا إليها من ساحة الحرب الشيشانية. وإذا كان الهدف هو زيادة تعاطف الشعب الأميركي مع قضية الشيشان، فلماذا الهجوم على فعالية رياضية شعبية؟

وإذا كان الشقيقان قدما للولايات المتحدة منذ عشر سنوات، حين كان عمر تامرلان (16) عاما وجوهر تسع سنوات، فإن هذا يعني أنهما قضيا سنوات تكوينهما الفكري فيها، وأصبح إطارهما المرجعي هو الولايات المتحدة، وكذلك أي حوادث أو صدمات دفعتهما لارتكاب هذه الجريمة.

ومن الظاهر أن الشقيقين كانا مندمجين في المجتمع الأميركي، حيث حصل جوهر على الجنسية الأميركية، وكان طالبا جامعيا ورياضيا محبوبا، وكان تامرلان متزوجا من سيدة أميركية وله طفلة منها، ورياضيا موهوبا أيضاَ.

ولكن ربما أخفى هذا الاندماج الظاهري ما يعانيه معظم المهاجرين من ضغوط وتحديات معيشية ونفسية وأخرى تتعلق بالهوية والانتماء، يضاف إليه بالنسبة للشقيقين قرار والدهما منذ سنوات بمغادرة أميركا وحدَه والعودة إلى داغستان، قرب الشيشان.

ولذلك فإن دوافع الهجوم أقرب أن تكون ناتجة عن ظروف الهجرة وصعوباتها التي أدت بالشقيقين إلى الانفجار بهذا الشكل، أكثر مما تكون لها علاقة بقضية الشيشان، وهي قضية ليس لأميركا فيها ناقة ولا جمل، بل إن الأميركي العادي متعاطف مع الشيشان ضد روسيا.

وإذا كانت تلك هي الدوافع الحقيقية للتفجيرات، فإنها لا تختلف في ذلك عن الهجمات المسلحة الأخرى التي تقع في أميركا وتودي بحياة الكثير من الأبرياء، يرتكبها أشخاص مضطربون. ومن آخرها هجوم قام به شاب في العشرين من عمره على مدرسة ابتدائية في (ساندي هوك) بولاية (كونيتكت) في شهر نوفمبر الماضي، وأودى بحياة (20) طفلاً وستة بالغين، ولم تكن له دوافع سياسية.

ومع ذلك فليس من المستبعد أن تكون قضية الشيشان قد وفرت بشكل مشوش غطاء جاهزا لتنفيذ أفكار الشقيقين المضطربة، وربما أظهرت الأشهر القادمة إن كان لذلك أي دور في ارتكاب الجريمة.

المصدر: الوطن اون لاين

-- عبدالعزيز حمد العويشق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*