الأحد , 11 ديسمبر 2016

مرحلة المغررين

يبدو واضحا أن السعودية وفي خطوة بالغة الدلالة والأهمية قررت تصعيد مواجهتها ضد آفة الإرهاب والفكر الضال الذي انتشر بين شبابها، لتنتقل إلى «حرب» مع المغررين بعد أن كان التركيز من قبل على مواجهة الفئة الضالة، كما يطلق على المجاميع الإرهابية التي يتم ملاحقتها والقبض عليها. وكان للحملات الأمنية الذكية نجاحات عظيمة ونتائج جيدة تحولت إلى قصص يضرب بها الأمثال كدلالات على فعالية وقوة تأثير القوات الأمنية في تحقيق أفضل النتائج.

ولكن شيئا ما استمر يحدث وهو أن المزيد من الشباب كان ينضم للفكر الضال هذا، ومنهم من عاود الانضمام بعد اجتيازه لبرنامج المناصحة الذي يسعى لتفكيك أفكار التطرف والتشدد الخاطئة في عقول الشباب وتبيين النهج السوي والسليم لهم، وبالتالي اتضح أن التربة لا تزال صالحة جدا لزرع المزيد من الأفكار المضللة والمدمرة والخطيرة والفتاكة. التحدي كبير وخطير ولا يحتمل التأجيل، ولذلك كانت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال لقائه برجال الدين والعلماء في السعودية في غاية الدلالة والأهمية لتبيين الاتجاه الجديد للسياسة في السعودية في مواجهة الإرهاب والحرب عليه، فهو قال: «الذين يغررون بشبابنا وأطفالنا الله يكفينا شرهم والسجن وحده لا يكفي بحقهم»، والكلمة هذه واضحة الدلالة على خطورة الموضوع وأهميته بالنسبة للسياسي السعودي، وأن السعودية ستتوجه بقوة لمواجهة فئة «المغررين» الذين يظهرون على شاشات التلفزيون وفي محاضرات ويطبعون الكتب على حسابات شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، ينشرون أفكارهم وفتاواهم الخطيرة التي راح ضحيتها الكثير بينما هم يتمتعون «بمواقعهم» كعلماء ومفكرين ودعاة، ومنهم من حول ذلك إلى مناجم للدخل الكبير والجاه الأكبر. لن تكون حرب ومعركة المواجهة مع المغررين بسيطة ولا سهلة، فهناك من سيسن الرماح ويطلق الأقاويل للدفاع عنهم وأن لحوم هؤلاء مسمومة فلا تنتقدوهم وأنهم اجتهدوا فلهم أجر.. وغير ذلك من الآراء المجهزة سلفا دون النظر إلى فداحة ما عملوه وأقدموا عليه والضرر المهول الذي تسببوا فيه.

مواجهة المغررين هي المواجهة الأهم لأنها تدخل في أصل المرض وليس أعراضه فقط وهي مرحلة الاستئصال الجراحي الكبير. إنها مرحلة الغربلة والتطهير المفترضة لإخراج التلوث والشوائب وهي مرحلة دقيقة حتى بالنسبة للجسم البشري في عالم الصحة والطب والعناية بالنفس. ترك هذا الفكر الضال لفترة غير بسيطة فتجذر ونما وقوي وتجرأ وخلف وراءه أرتالا من الشباب الذين فعلوا ما قاموا به ونشروا في الداخل والخارج الرعب والإرهاب بلا فائدة ولا معنى.

ولن تكون السعودية أول دولة في التاريخ تطلق حربا على فكر مدمر. فألمانيا بعد سقوط النازية أطلقت حربا فكرية شاملة، وجرى تنقية المناهج الدراسية بشكل دقيق ومتكامل إلى أصغر التفاصيل، بل إن هذه الحرب شملت حتى حظر بعض الأعمال الفنية التي كانت ملهمة للفكر النازي، ولعل أهمها كان أعمال المؤلف الموسيقي الكلاسيكي «فاغنر» الذي كان المؤلف الموسيقي المفضل للزعيم النازي الكبير أدولف هتلر، واعتبرت ألمانيا منذ تلك اللحظة أن النازية عدوها الأول وجرمت الانضمام لأي حركة أو حزب متأثر بتلك المبادئ والأفكار.

إنها نماذج وأمثلة واضحة وصريحة، ومتى ما توفرت الإرادة وتم اتخاذ القرار على المواجهة الكبرى فإن النتائج الإيجابية من الممكن أن تتحقق بشكل مبهر. المواجهة ضد المغررين مرحلة مهمة جدا وآن أوانها وهي مرحلة تهم وتعني السعودية بأسرها لأنها مرحلة في سبيل تأكيد الخلاص من هذه الآفة التي أقلقت وأزعجت الناس على مستقبل أبنائهم وهذه مسألة في غاية الأهمية في ظل بلد يحظى بوجود أكثر من 60% من أبنائه دون سن الـ20 عاما.

————

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- حسين شبشكي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*