الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تجريم المغررين بالشباب

تجريم المغررين بالشباب

في حديث صريح ومباشر بث الاثنين الماضي تحدث الملك عبد الله بن عبد العزيز مستحضرا الأجواء المضطربة في عدد من الدول العربية وركز حديثه حول من يغررون بالأطفال والشباب ويدفعونهم للسفر إلى مواطن الاضطرابات حيث يتعرضون للقتل والاعتقال.

كان حديثا حانيا على الشباب الغر وحازما مع المغررين الراشدين وهو رأى أن من الواجب تغليظ العقوبة على هؤلاء المحرضين، وفي خلفية الحديث الملكي فقد خاضت المملكة العربية السعودية واحدة من أقسى وأشرس الحروب مع إرهاب تنظيم القاعدة منذ 2003 وخرجت مظفرة بدحر الإرهاب والإرهابيين، ولكن بقي الإرهابيون إلا ربعا، أولئك الذين يغررون بالشباب ويرسلونهم لساح الوغى وهم في رغد عيش.

الإرهاب يتحرك وينشط حيث تكون الفوضى، والفوضى متفشية في كثير من دول العالم العربي، سواء تحت اسم الربيع الأصولي أو في مواطن أخرى كالعراق وسوريا واليمن، ولقد ذاقت كثير من البلدان العربية ومنها السعودية مرارة الزج بفلذات أكبادها في أتون حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل تحت شعارات الجهاد المقدس التي يطلقها محترفو الفتن ومشعلو الحرائق.

لقد أدت السعودية ما عليها وزيادة في مكافحة الإرهاب، وعلى بعض الدول الغربية التي دعمت الربيع الأصولي أن تتحمل مسؤولياتها تجاه حركات العنف الديني التي تنشأ جراء ذلك والتي تجد ملاذات آمنة إن تحت ظلال السلطات الأصولية الجديدة وإن في مواطن الفوضى التي تأخر العالم كثيرا في حلها كما يجري في سوريا.

عودا على بدء فلنتساءل، من هم هؤلاء الذين يغررون بالشباب؟ كيف نتعرف على خطابهم؟ وكيف نرصده ونحلله ونشرحه للناس؟ وهل هم يستخدمون أساليب ثابتة وطرقا قارة أم أنهم يجددونها كل فترة؟

لقد أصبح واضحا أن خطاب التغرير والتحريض يعتمد على عدد من الآليات والوسائل منها على سبيل المثال، أولا:

(صناعة السخط) والذي يتم عبر تضخيم المشكلات الداخلية أي تصعيد أي مشكلة في أي خدمة حكومية لتصبح مسألة مصيرية. والوقوف ضد مشاريع تطوير الدولة والمجتمع وإظهار كل المشاريع الإصلاحية الكبرى بصورة غير واقعية ويلقون بالتهم جزافا ذات اليمين وذات الشمال، وصناعة السخط تختلف تماما عن النقد الهادف.

ثانيا: (الدفاع عن الإرهاب) فتجدهم دائما يغالون في الدفاع عن سجناء «القاعدة» والإرهابيين ويخادعون المتلقي بوصفهم لهؤلاء بأنهم «سجناء رأي»، والاختباء تحت مسميات «الحقوق» و«حرية الرأي» ونحوها من المفاهيم، ومع الإقرار بأحقية هؤلاء الإرهابيين – وجميع السجناء – في محاكمات عادلة إلا أن استخدام قضيتهم لإثارة الفوضى أمر غير مقبول.

ثالثا: (ترويج الخرافات) كالحديث عن الكرامات أو أضغاث الأحلام أو قتال الملائكة أو نحوها من الأمور التي يغررون بها بالشباب حتى يذهب مقاتلا في معارك بلا راية.

رابعا: (تسويق المؤامرات) ويتم فيه شحن أذهان الشباب بمؤامرات التغريب من أصغر القرارات إلى أكبرها، ويشحذون أذهان الشباب بتطبيق أحاديث آخر الزمان على مجريات الواقع وصراعات السياسة، ويستغلون هذا كله لإرسال الشباب إلى مناطق الصراعات المحتدمة.

وهم يصدرون ذلك منجما إن عبر فتاوى أو مقالات صحافية أو مشاركات في مواقع التواصل الاجتماعي قبل التحول للهمس بالتغرير والتحريض الصريح عبر كلمات في مسجد منزو أو منزل معزول.

لقد تبين عبر التجربة والتاريخ القديم والحديث أن كثيرا من هؤلاء تحركهم مطامع شخصية إن في المال أو الرئاسة أو الشهرة، أو عقد آيديولوجية محضة، وهم حين يفتقدون الزاجر الواقعي من قانون وسلطة ينداحون في التغرير والتحريض.

في التاريخ القديم كان حسن البنا يتحدث عن الدعوة الدينية والأخلاقية ولكنه اتجه للسياسة وبنى تحت الأرض تنظيما سريا من الشباب الغر يقتل الخصوم ويصفي المخالفين، وكان سيد قطب يتحدث عن الشؤون الدولية والإقليمية وعن رؤيته للإسلام ثم أنشأ تنظيما يسعى لصناعة الانقلابات العسكرية، وتلاميذ قطب يتصدرون المشهد السياسي في بعض الدول العربية اليوم.

وفي التاريخ الحديث فقد غرر جهيمان العتيبي بعدد من الشباب حتى أدخلهم معه الحرم المكي مثيرا لواحدة من أبشع الفتن، وعبد الله عزام كان يحشد للجهاد الأفغاني وهو يهدف لتدريب الشباب العربي حتى يعودوا ليجاهدوا بلدانهم، وفي منتصف التسعينات خرج من رحم المحرضين من قام بالتفجيرات في قلب العاصمة السعودية الرياض، وحين خرج تنظيم القاعدة في السعودية كان رموزه وقادته يحاكمون بعض المحرضين الرموز إلى خطبهم وتنظيراتهم التي حركتهم.

إن ما سبق كله يؤكد أن محاربة الإرهاب المجرم والمدان بكل المقاييس ليس مسؤولية جهة واحدة مسؤولة عن الأمن في هذا البلد أو ذاك، بل مسؤولية الدولة كلها والمجتمع بأسره، ومواجهته الحقيقية تتم عبر منظومة متكاملة لا تسعى لصنع خطاب ديني أكثر تسامحا إلا بقدر ما تهدف لكف شرور المحرضين وتحجيمهم وإبعادهم عن أي مراكز توجيه وتأثير إن في المساجد أو التعليم العام أو التعليم الجامعي أو العمل الخيري أو غيرها من المجالات التي لم تزل لهم فيها مكانة وتأثير.

تجد هؤلاء المحرضين في المزايدة دائما على مواقف دولهم، داخليا وخارجيا، وأحداث الأزمة السورية مجرد مثال، وهم حريصون دائما على أن يتم العمل الخيري بأيديهم وفي بيوتهم لا عبر المؤسسات الرسمية، وهم يهاجمون بلدانهم في بعض السياسات والمواقف ويعودون لتمجيد نفس السياسات والمواقف حين تقوم بها بعض السلطات الأصولية الجديدة.

أخيرا، فإن هذه الشريحة التي نعرفها في لحن القول والتي تغرر بالشباب وتسعى لصناعة السخط والدفاع عن الإرهاب وترويج الخرافات وتسويق المؤامرات يجب أن تلقى رادعا من نظام وزاجرا من قانون.

—————–

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- عبدالله بن بجاد العتيبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*