الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لماذا ينكرون "المؤامرة"؟

لماذا ينكرون "المؤامرة"؟

المنهج الراشد في التعامل مع من يدعي “المؤامرة” في أي مجال من المجالات السياسية أو الاجتماعية يبتعد عن النفي والتسفيه، بل يدير معه حوارا حول “أدلته وبراهينه”، ويتأمل فيها ويناقشها بمنهج علمي صحيح، بدلاً من اللجوء إلى الاستخفاف

الناس في شأن المؤامرة طرفان ووسط، فهناك من الناس من يرى أن كل قضية عابرة وراءها مخطط مدروس، فتصبح المؤامرة مرضا مستمرا ومتلازمة يحلل كل شيء من خلالها، ولربما استحكم هذا الأمر حتى أصبح مرضاً يحتاج إلى علاج في مصحة نفسية. وهناك من الناس من يتحمس دائماً في إنكار “المؤامرة”، ويرى أن هذا الإنكار هو نزوع عقلاني لقراءة الأحوال، وأن الذين يعتقدون بوجود مؤامرات هم يحيلون إلى غيب لا يرى، وأن التحليل السليم يكون في إثبات الأدلة الواقعية بدلاً من إحالة الأمور إلى الخطط الخفية والدسائس والمؤامرات، وهؤلاء يتبنون دائماً “النفي” لكل محاولة لتفسير الظواهر على أساس التآمر.

وهناك الرؤية الوسطية في قضية المؤامرة والتي تعتمد على الرؤية المتزنة التي تقوم على احترام البحث العلمي، بعيداً عن طرفي الإنكار والمبالغة، فلا يحيلون كل حدث إلى مؤامرة مدبرة إلا حين يكونون على استعداد للإثبات بالأدلة والقرائن والبراهين.. وهذه الرؤية أعتقد أنها سليمة من خلال مستويات عدة:

المستوى الأول: المستوى التاريخي الذي يثبت بلا جدل أن جزءا كبيراً من التاريخ قام على المؤامرة والتدبير والتخطيط، وأن هذا أثر أثراً بالغاً في نشوء حضارات وسقوطها، بناء على الكيد والتدبير والتآمر، وهو جزء من الطبيعة الصراعية التي لم تهدأ في أي مرحلة تاريخية كجزء من الطبيعة البشرية التي تقوم على سنة ” التدافع” في الكون “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”.

المستوى الثاني: المستوى الشرعي، فالله أخبرنا في كتابه عن المكر الكبار من المنافقين الذين يكيدون للأمة من داخلها، ومن الأعداء الذين يكيدون لها من خارجها كما قال تعالى: “لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر”، ولذا فإن تصور البراءة في العلاقات الإنسانية أمر أثبت خطأه الشرع والتاريخ والواقع، وإن الحالة الصراعية هي حالة دنيوية لا يمكن أن تزول بناء على الحكمة التي خلق الله لأجلها الخلق والتدافع الذي يحقق التوازن، ولا يكون ذلك إلا بالحالة التدافعية بين البشر، وهذا يقتضي التخطيط والكيد والتآمر. وقد بين الله أنه أرسل رسوله وبيناته وآياته لاستبانة سبيل المجرمين كما قال تعالى: “وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين”، وأكمل الخلق هم من استبانوا طريق المؤمنين على سبيل التفصيل وسبيل المجرمين على سبيل التفصيل أيضاً، كما بين ذلك ابن القيم رحمه الله. وهذا فيه دعوة للعقل المسلم إلى الكشف المعرفي والثقافي عن طرق وخطط الأعداء ومكيدهم وكشف مؤامراتهم.

المستوى الثالث: المستوى الواقعي، فالواقع يشهد بثبوت التآمر والتخطيط. ولو أردنا أن نضرب لذلك مثلاً فلن نجد أولى من ضرب المثل بالدولة اليهودية في فلسطين، وكيف خطط لها اليهود منذ مؤتمر بازل في سويسرا سنة 1898م والذي بنوا فيه الخطة المحكمة والمؤامرة الرهيبة لبناء دولة يهودية في فلسطين، وبينوا خططهم حتى نفذوا ذلك بعد خمسين سنة كما رسموا، وها هي فلسطين تتجرع مرارة تلك المؤامرة الكبيرة التي تعد شوكة في حلق الأمة العربية والإسلامية، وعائقاً لوحدتها وقوتها، وسبيلاً لتفكيك دولها وإثارة المشكلات في ربوعها.

إن التوسط في هذا الأمر هو المفيد للناس، فلا الإنكار ولا المبالغة ينجحان في كشف المخطط، والثمرة المرجوة من الحديث عن التآمر ليس هي إدخال الرعب في قلوب الناس، أو حربهم حرباً نفسية، وإنما لصد العدوان وكشف المخطط قبل وقوعه، فإن الأمة التي لا تعرف ما يحاك لها أمة مغيبة وغائبة عن المشهد الصراعي، وسوف تؤتى على حين غرة، ولربما كان من ثمار عدم العناية بالمؤامرة أن يستطيع المتآمر ركوب المشاعر والأفراد والمجتمعات ليكونوا أداة في تنفيذ مخططاته.. وقد حصل هذا في بلاد كثيرة.

إن كشف المؤامرات يسهم كذلك في بناء خطة المواجهة، فإن الذي لا يدرك التآمر يغفل عما يراد له، ولا يعمل أي عمل لمواجهة هذه الخطط. ولا يمكن إفشال أي مشروع إلا بكشف تفاصيله ثم رسم الخطط لمواجهته، وهذا من أعظم الثمار وخاصة حين تكون مؤامرات الأعداء ترسم بطريقة مكشوفة، لأنهم يعرفون حجم التخدير الذي أصاب العقل العربي والإسلامي، الذي لا يستطيع فهم حتى ما يصرح به، فضلاً عن معرفة ما يحاك في كواليس القوى الخفية التي تخطط له في الصباح والمساء.

وأخطر ما يمكن في موضوع المؤامرة أن تتم محاولة “الإشغاب” عليها وإنكارها من أناس هم من ضمن المؤامرة والخطة، فهم يحاولون جاهدين إقامة حرب نفسية وأخلاقية ضد من يحاول كشف التآمر، لأن هذا بلا شك سوف يكشف ما يحيكونه، حتى وصل الحال ببعض القوى الخفية التي تكيد للأمة الإسلامية أن خططوا لهذا الغرض حتى قال أحدهم: إننا سوف نخطط لهم، فإن جاء شخص يريد كشف المؤامرة أخرجنا له منهم من يقول: أنت مصاب بعقدة المؤامرة.

والمنهج الراشد في التعامل مع من يدعي “المؤامرة” في أي مجال من المجالات السياسية أو الاجتماعية يبتعد عن النفي والتسفيه، ويدير معه حواراً حول “أدلته وبراهينه”، ويتأمل فيها، ويناقشها بمنهج علمي صحيح بدلاً من اللجوء إلى النفي والاستخفاف، حتى إذا بانت الحقائق ثبت لنا يقينا حجم سخافتنا في إنكار ذلك المخطط وتلك المؤامرة، فإن الإنسان في الغالب عدو ما يجهل، وهذا النقاش والجدل العلمي القائم على البينات والإثباتات والتساؤلات هو الذي يبين سلامة قول القائل من خطئه، لا مجرد الإنكار والاستخفاف بلا برهان ولا دليل.

إن الذين يتحمسون في إنكار المؤامرة لا يدركون حجم ما ينفق في الغرب والشرق للتخطيط والبناء الاستراتيجي تجاه الآخرين، ولأن عقولهم متكلسة لا تريد المتابعة والتدقيق أو معرفة هذه المراكز والمعاهد والتي تنفق عليها مئات الملايين كل سنة لا يتصورون كيف تصاغ المؤامرات والتخطيط للتغير في العالم، ولأن بيننا وبين الغرب مسافات طويلة في التقنية والعلم لم نحسن إلى الآن إدراك إمكاناتهم الهائلة في هذه الأمور، فاكتفينا بالإنكار، فهو أقرب طريق للتبرير للذات للقعود وعدم العمل.

——————–

نقلاً عن الوطن أونلاين

-- بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*