السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الوسطية وتحقيق السعادة والأمن

الوسطية وتحقيق السعادة والأمن

حينما أجفو فأنا أقصر في الحق، وحينما أغلو فأنا أعتدي على الحق، سواء كان هذا الحق لله أو للناس، وسواء كان الحق عامًا للبلاد والعباد أو خاصًا بفرد أو مجموعة أو مؤسسة، وبالتالي فإن الوسطية هي التي تكفل الأمن للوطن والمواطنين، وكل متطرف في فكره لا يمكن أن تعتبره معتديًا ما لم ينتقل من مرحلة التفكير إلى مرحلة التعبير، وبالتالي فلا يجوز الاحتجاج بحرية التعبير عن الرأي بأن أتطرف في رأي قد يكون فيه اعتداء على حق عام أو خاص سواء كان بشكل مباشر أو متسبب، كأن يحرض على الدولة ونظامها وأمنها وسلمها، أو يؤلب على فرد أو مجموعة، وعليه فكما أننا نقف مع حرية التفكير والتعبير والتدبير فكذلك نقف ضد الاعتداء في التعبير (بالقول) والتدبير (بالفعل.
فحد القذف مثلًا هو تجاه قول فيه اعتداء على عرض آخر، ولو أطلقنا الحرية في التعبير لأسقطنا حدًا من حدود الله والعياذ بالله، وهكذا قضايا السب والشتم، وأيضًا التشويه والتشهير، وكلها تعد من الاعتداء على العرض والسمعة، ولكن حينما يصل الاعتداء إلى التكفير سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر عبر التعريض والإيحاءات والغمز واللمز المؤدي إلى ذريعة تكفير الآخرين له أو رميه بالفسق أو البدعة أو نحوهما من المصطلحات الشرعية كالنفاق مثلًا أو المصطلحات المعاصرة كالتغريب والعلمانية والليبرالية إضافة للتصنيفات الشتمية كالانبطاح والانسلاخ والتلون والتطبيل وهكذا فهي لا تعتبر في مربع حرية التعبير وإنما في مربع محرمات التعبير، لأن للكلمة مسؤولية في الشريعة الإسلامية سواء كانت مكتوبة أو منطوقة، فضلًا عن التعاون على الإثم والعدوان بزعم الحرية في التعبير عن الرأي، ومثله الاعتداء على المقدسات والثوابت ورجال الشريعة والدعوة تحت زعم حرية التعبير، وبالتالي فالشريعة الإسلامية الغراء حسمت الضوابط التي تكيف المسموح به من الممنوع عنه في مسائل حرية التعبير عن الرأي.
ولذا أدعو إلى بذل المزيد من الجهود العلمية من قبل العلماء والدعاة في الدعوة للوسطية ومقاومة التطرف لاسيما حينما يكون الاعتداء على العباد والبلاد بزعم الاحتساب، فإنه بهذا ينقله من مربع (الخطأ بكونه منكرًا) إلى مربع (الخطيئة بكونه مستحلًا)، كما يجب الإسهام في التحصين المستمر لأجيال المسلمين وذلك بفهم الخطاب الرباني كما هو من منابعه الصافية والرجوع إلى العلماء الربانيين المتبعين للمنهج الوسط، والتأكيد على أن الإسلام هو منهج حياة وسطي وينظم جميع جوانب حياة المسلم، ولا يمكن أن يستقيم فكر الإنسان بدونه، مع نشر الثقافة الإسلامية الوسطية وبيان أن لها أثرًا كبيرًا في الأمن، وتعزيز القيم الإسلامية العليا، كقيم التفكير والعدالة وحقوق الإنسان، وتصحيح المفاهيم المنحرفة عبر المنهج الوسطي.
ولن يتحقق الأمن إلا بتطبيق المنهج الوسطي في نفوسنا وأبنائنا وطلابنا ومجتمعنا بشكل عام، حتى ننعم بالعيش الكريم، والراحة والطمأنينة، ولن يتحقق هذا إلاّ بالممارسة العلمية القولية والفعلية لنكون قدوات للناس، وأمّا حينما يبقى العلماء والدعاة يتفرجون على المتطرفين في الجانبين بلا نكير عليهما فضلًا عن الاصطفاف مع أحدهما فنوقن حينها أننا بحاجة لمعالجة الطبيب قبل المريض، وتقويم المهندس قبل البناء، ومن أخطر المراحل أن يسكت العالم ويتكلم الجاهل ويتجرأ المتطرف ويخاف الوسطي، وحينها فحدث عن مصيرنا ولا حرج.
وكما نحمل العلماء والمجتمع المسؤولية في مكافحة التطرف اللفظي والفعلي، فكذلك نحمل الدولة المسؤولية لتقصيرها في الميادين التربوية والتعليمية والوسائل الثقافية والإعلامية، ولا يجوز أن نقاوم التطرف كردود أفعال وكأننا رجال مطافي الحريق، وإنما يجب ضمان الأمن والسلامة الوقائية الفكرية عبر المدرسة والجامعة والمسجد والجامع وكذلك عبر التلفزيون والإذاعة والجريدة والنت، وإلاّ فأنعى حينها إليكم الأمن العام والخاص الذي ضاع بضياع الوسطية.

-- د عيسى الغيث

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*