السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » رسالة إلى الإعلام الغربي حول أحداث بوسطن

رسالة إلى الإعلام الغربي حول أحداث بوسطن

هناك محاولة متزايدة من قبل بعض المعلقين (الأمريكيين) لتسمية التفجيرات الأخيرة في بوسطن باسم “الجهاد”، وكذا إلقاء اللوم بخصوص التفجيرات القاتلة على مفهوم غير موجود يسمونه “الإسلام الراديكالي”.
ما يُسمى “الإسلام الراديكالي” غير موجود أصلا، لأن “الراديكالية” أو التطرف لا يجوز في الإسلام. إذ الإسلام يحرم التطرف، كما إن الاعتدال جزء أساس من الإيمان. وقد يكون المصطلح الأكثر دقة هو “فكر القاعدة”.
وقد قرر القرآن الكريم، كتاب الله المقدس، بشكل واضح: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً…) البقرة/143.
وقال أيضا: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ النساء/ (135).
ليس هناك شيء اسمه “الإسلام الراديكالي”، ولكن هناك مسلمون متطرفون، تماما كما يوجد متطرفون من كل دين آخر أو معتقد.
كما إن هناك فرقا كبيرا بين وجود أفراد متطرفين وبين دين يسمح بمعتقدات أو أعمال متطرفة. فهذا التطرف بالتأكيد لا يمثل تعاليم الإسلام أو سلوك أو معتقدات عامة المسلمين.
في شريعتنا الإسلامية، هناك أصل نسميه “الحديث”، وفيه أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قال:
( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ ) رواه البخاري (39) ومسلم (2816).
في السنوات الأخيرة، شهدنا مصطلح “الجهادية” التي تم استخدامها كما لو أنها تعني الشخص الذي يقتل الناس انطلاقا من دوافع دينية، ولكن هذا غير دقيق ومضلل.
“الجهاد” لا يعني “الحرب المقدسة”. الجهاد يعني “الكفاح”، ولغويا بذل الجهد وأن نسعى جاهدين. وهو المفهوم الإسلامي الوسطى العام، ويشمل الكفاح ضد الميول الشريرة داخل النفس، والكفاح من أجل تحسين نوعية الحياة في المجتمع، والكفاح في ساحة المعركة للدفاع عن النفس (على سبيل المثال، وجود جيش دائم للدفاع الوطني)، أو القتال ضد الاستبداد أو القمع.
وطلبا للدقة وتجنب نشر معلومات كاذبة حول ديانة عالمية كبرى، فإن المسلمين المتطرفين الذين يرتكبون الجرائم ينبغي تسميتهم بالمجرمين، أو في الحالات التي يكون فيها التعريف مناسبا “إرهابيين”.
ولا ينبغي لنا إضفاء الشرعية على أعمالهم عن طريق دعوتهم بالجهاديين، حتى لو أنهم حاولوا إطلاق هذه التسمية على أنفسهم وسعوا لإيجاد تبرير ديني خاطئ لأعمالهم. وعليه، لا ينبغي أن يُكرَم هؤلاء المجرمين بمنحهم تسمية دينية.
الإسلام يسمح بالدفاع الشرعي عن النفس، ولكن يحظر قتل الأبرياء، حتى في أوقات الحرب أو الصراع، يُمنع العدوان مطلقا.
وفي القرآن الكريم قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ} البقرة /190
نعم، هناك بعض المسلمين الذين لديهم وجهات نظر متطرفة أو أمراض عقلية أو مظالم سياسية أو مجموعة من الأسباب الأخرى التي تؤدي بهم إلى قتل الناس، وفعلهم هذا ليس مجرد مأساة وجريمة ولكنه انتهاك صارخ لمبادئ الإسلام.
والفرق بين القتلة من المسلمين والقتلة من خلفيات أخرى، هو الطريقة التي يوصفون بها من قبل وسائل الإعلام ويشاهدها الجمهور: مع القتلة من المسلمين، فإن الجريمة تُعزى غالبا إلى دينهم.
ولأنه يتم استخدام كلمة “الإرهاب” بشكل حصري تقريبا لوصف الجرائم التي يرتكبها جناة من المسلمين، فإنك قد تعتقد أن أغلبية عمليات القتل الجماعي وأعمال الإرهاب في الولايات المتحدة ارتكبت من قبل المسلمين، ولكن عندما ننظر إلى الحقائق، فإن هذا التصور لا يصمد أمامها.
وفقا لإحصاءات مكتب التحقيقات الفيدرالي، فإن جميع الهجمات الإرهابية على الأراضي الأمريكية في الفترة الممتدة من 1980 وحتى 2005، ستة (6) في المائة منها فقط ارتكبت من قبل المسلمين.
ووفقا لدراسة من مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأميركية، فإنه منذ العام 2011، أسفرت الهجمات ذات الدوافع السياسية من قبل الأميركيين المسلمين عن مقتل 33 شخصا، في حين قتلت الهجمات الإرهابية التي نفذها العنصريون البيض وغيرهم من المتطرفين اليمينيين أكثر من 200 شخصا.
ووفقا لتقرير صادر عن مركز المثلث لشؤون الإرهاب والأمن الداخلي، فإنه تم “قتل 66 من الأميركيين في عمليات إطلاق النار جماعية من قبل غير المسلمين في العام 2012 وحده، وهو ما يمثل ضعف عدد الوفيات التي سُجلت في عمليات إرهابية لمسلمين أمريكيين خلال السنوات 11 التي أعقبت هجمات 11/9”.
وفي الحديث المعروف، سأل رجل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): “ما هو أفضل الجهاد؟”، فرد عليه الرسول: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان (حاكم) جائر”.
ويتبين لنا من كل هذا، أن سوء الاستخدام المستمر لصطلحات مثل “الجهاد” و”الإسلام الراديكالي” هو هجوم على الحقيقة، ويعاكس جهود أمتنا لتحقيق الأمن. وقد حان الوقت لنقول جميعا كلمة الحق من خلال استعمال التسميات المناسبة للمجرمين وأفعالهم من العنف، بغض النظر عن خلفيتهم الدينية.

المصدر : العصر
—————————–
* المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)

-- *نهاد عوض

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*