الأحد , 11 ديسمبر 2016

التعبد بالكراهية

أتساءل عن خلفية ارتفاع معدلات الكراهية في المجتمعات الإسلامية، وهل الكراهية وليدة اللحظة، أم أنها في حقيقة الأمر حصاد تاريخ طويل من التلاعب غير النزيه بالدين وأصوله في السياسة والمصالح الشخصية، فقد كان مسرح الأحداث في التاريخ الإسلامي مفتوحاً لأداء مختلف الأدوار تحت مظلة الدين الحنيف، كان أول فصولها، عندما ادعى الأمويون أن الله تعالى ساق الخلافة إليهم، وأنهم سيقاتلون من يخالف إرادة الله عز وجل. 

قبل ذلك كان النذير عندما استخدم الخوارج التكفير لإعلان تمردهم السياسي على الفئات المتقاتلة في معارك الجمل وصفين، وعندما كفروا من رضي بالتحكيم السياسي في الخلاف، وكان ذلك بمثابة الشرارة التي أشعلت الحروب الدينية في تاريخ المسلمين إلى اليوم، كان آخر فصولها المثيرة للعداء والكراهية، الثورة الدينية في إيران، والاستغلال السياسي للفكر السني المتطرف في إعلان الحرب الدينية في أفغانستان ضد الروس. 

قد لا يدرك المسلم العامي مسببات الإرث التاريخي لتلك الكراهية الدينية التي يحملها في عقله ضد الآخر، لكن تعلم منذ الصغر من أصحاب العمائم والمشالح كيف يتعبد ربه من خلال الكراهية، فالطفل السني يرضع من نعومة أظافره عدم الثقة في الشيعي، ومن أجل أن تترسخ تلك الأفكار في عقله الصغير يسمع حكاوي في غاية البشاعة عن سلوك الشيعي وعن كراهيته للسني، كذلك في الجانب الآخر يرضع الطفل الشيعي كراهية التاريخ السني وبشاعة الظلم الذي تعرض له نسل الإمام علي وشيعته من رموز السنة الظلمة، ويحتفل كل عام بأيامها، وكانت النتيجة خروج أجيال منتجة للكراهية. 

خلال السنتين الأخيرتين وصلت الكراهية الطائفية إلى أقصى حدودها، فالوضع في العراق يتمزق بسبب الصراع الشيعي السني، والثورة السورية دخلت في دائرة الحرب الدينية من جهاتها الأربع، بعد أن نجح النظام في إشعال الفتنة السنية الشيعية بعد استدراج حزب الله في الدخول إلى الحرب، وكانت النتيجة ارتفاع أسهم القاعدة التي تحمل لواء التطرف السني عبر خطابها التكفيري، ودخولها في الحرب ضد النفوذ الصفوي في الشام. 

لن يكون في الإمكان أن نحصر ظاهرة الكراهية الدينية في الثورة الإيرانية فقط، فقد كان الخطاب السني السلفي أيضاً مصدراً ثرياً لذلك التأجيج الطائفي عبر القرون، وقد مرت المنطقة في حروب وفتن طائفية عدة، بسبب التمادي في إظهار مشاعر الكراهية للآخر، وقد كان للخطابين، الشيعي الصادر من إيران والسلفي الصادر من بعض الجهات في بعض البلاد العربية الدور الأكبر في تأجيج خطاب الكراهية واشتعال الفتن في المنطقة. 

يعتقد البعض أن الحروب الطائفية الطريق الذي لا بد منه للخروج من سيطرة الفكر المتسلط للأبد، كما حدث في أوروبا، ولو حدث ذلك سيكون الثمن غالياً، وسُتراق من أجله دماء أبناء المنطقة بسبب ارتفاع معدلات الكراهية، ولا أعتقد أن الحل السياسي سيخرج من عقول الرموز المتطرفة عند الجانبين، ولكن ربما بعد عقود من الخراب والدمار تصحو المجتمعات المدنية يوماً ما من سكرتها الطائفية، وتتجاوز الرموز الدينية التي تؤجج الدموية والعداء بين أفراد الوطن الواحد، وقد يحدث ذلك مبكراً إذا انتصرت القوى المدنية في إيران على الفكر الشيعي المتطرف، وإذا انحسر الخطاب السلفي الإعلامي المتطرف في القنوات الإعلامية. 

لن يخرج الحل من قبول فكرة الدولة المدنية التي لا تفرق بين مواطنيها بسبب الهوية الدينية، وتتعامل معهم من خلال ثقافة الحقوق والواجبات، ولن يخرج الحل إلا بإعادة تلك الرموز الدينية المتطرفة إلى غرفها المظلمة، وتقديم الخطاب المدني على الطائفي، على أن يَمنع الحديث من خلال الطائفية عبر المنابر السياسية، وذلك من أجل التقليل من موروث العداء الهائل في عقول المسلمين، وقبل ذلك أن تتوقف تلك العقول عن عبادة ربها -عز وجل- من خلال الكراهية. 

—————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- عبدالعزيز السماري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*