الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » من خرج للجهاد بغير إذن والديه يكون عاصياً

من خرج للجهاد بغير إذن والديه يكون عاصياً

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فقد سُئل سماحة الشيخ العلامة المفتي الدكتور صالح بن فوزان آل فوزان حفظه الله تعالى السؤال التالي:

السؤال: ما حكم الذهاب الى الجهاد دون اذن ولي الأمر؟ مع أنه يغفر للمجاهد من أول قطرة من دمه وهل يكون شهيداً؟

الجواب: لا يكون مجاهداً بل يكون عاصياً.انتهى جوابه من كتاب «الاجابات المهمة في المشاكل الملمة» (1 / 53).

جزى الله الشيخ العلامة صالح الفوزان خيراً، فقد كفانا بجوابه الصريح على هذا السؤال الذي تتكرر الحاجة الى الجواب عنه بين الحين والآخر، وتمنيت لو ان طلبة العلم أحالوا الشباب الى العلماء للاجابة عن الأسئلة المصيرية الكبيرة المهة بدلاً من أن يجتهد كل منهم فيفتي برأيه جواباً سريعاً عابراً أمام الشباب الصغار وأمام العامة ثم ينتشر الجواب وتترتب عليه أمور كثيرة خطيرة.

أقول: قبل أيام انتشر مقطع مصور لأحد طلبة العلم سئل عن الجهاد في سورية فأجاب المسؤول بجواب أقل ما يقال فيه انه غير موفق، وذلك لمخالفته الصريحة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري (5972) ومسلم (2549) من حديث عبدالله بن عمرو رضي اللي عنهما قال: «جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد؟ فقال: أحي والداك؟ قال: نعم.قال: ففيهما فجاهد».

وقد بوَّب البخاري رحمه الله على هذا الحديث في كتاب الأدب من صحيحه فقال: باب (لا يجاهد الا باذن الأبوين)، فكيف بعد هذا الحديث الصحيح الصريح يقال: ان الذهاب الى الجهاد من غير اذن الوالدين معصية لا تفسد الجهاد؟! ان الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظم جهاد على الاطلاق فهو جهاد مستكمل الشروط والأركان ليس فيه شكٌ ولا شبهة فلا يُظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يفوت هذا الخير العظيم على أحد أصحابه فيأمره ان يترك الجهاد معه ليذهب الى والديه، بل ولا نظن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم فاته ان للرجل (لو لم تستأذن والديك فهذه معصية ولا تفسد عليك جهادك ولعل الله يغفر لك بجهادك)، لذا أرجو من الله تعالى ان يوفق طلبة العلم الى التريث والتثبت قبل المجازفة باصدار الأحكام الشرعية لاسيما في تلك المسائل العظيمة. واني والله ما زلت أحسن الظن باخواني طلبة العلم المشهود لهم بالخير، لكن لعل الخلطة مع بعض الناس أثرت كثيراً في طرحهم لبعض المسائل وهذا مُلاحظ عليهم في الآونة الأخيرة.

ومن أولئك ذلك الداعي الى الفتنة والمفتون بجمع التبرعات والمشهور بذلك الذي يقرر بين الحين والآخر ان الجهاد لا يُشترط له استئذان ولي الأمر ولا اذن الوالدين وقد سبق ان رددت عليه، والحمد لله، لكن صاحبنا يقول بالحرف الواحد: «يشترط ان يستأذن والديه ويستأذن ولي الأمر حتى يذهب ويقاتل لكن لو لم يستأذن، هذه معصية ولا تفسد عليه جهاده ولعل الله يغفر له بجهاده هذه المعصية» انتهى كلامه.

أقول: هذا الكلام غريب جداً ولا أدري كيف يقرر بأن الاستئذان «شرط» والشرط ما يلزم من عدمه العدم ثم يقول جهاده لا يفسد؟! فهذا القول تماماً كقول من قال تشرط الطهارة للصلاة لكن لو لم يتطهر فهذه معصية ولا تفسد عليه صلاته!! لذا النبي صلى الله عليه وسلم أمر المسيء في صلاته ان يرجع ويعيد صلاته وكذلك أمر من خرج للجهاد بغير اذن والديه ان يرجع اليهما كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «ان رجلاً هاجر الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي.قال: آذنا لك؟ قال: لا.قال: ارجع اليهما فاستأذنهما، فان أذنا لك فجاهد، والا فبرّهما» [رواه أحمد (3 / 76)، وأبو داود (2530) كتاب الجهاد باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان]. فهذا الرجل جاء من اليمن مهاجراً الى رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد في سبيل الله تعالى فأمره بالرجوع الى والديه والحديث نصّ في هذه المسألة وأخشى على من أفتى بخلافه يكون قد حادَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأقول أيضاً: لا شك ان بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أي العمل أحب الى الله، فقد روى البخاري كتاب مواقيت الصلاة (حديث: ‏513)، عن أبي عمرو الشيباني، يقول: حدثنا صاحب- هذه الدار وأشار الى دار- عبدالله، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب الى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين» قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني.

وأيضاً الخروج للجهاد من غير اذن الوالدين فيه عقوق والعقوق من أكبر الكبائر كما في صحيح البخاري- كتاب الشهادات (حديث: ‏2532)، عن عبدالرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الاشراك بالله، وعقوق الوالدين- وجلس وكان متكئاً فقال- ألا وقول الزور»، قال: فمازال يكررها حتى قلنا: ليته سكت».

فإذا كان الشهيد يغفر له مع أول قطرة دم فهذا يعني به الذنوب التي بينه وبين ربه وليس المقصود بذلك الذنوب المتعلقة بحقوق العباد، لذا الشهيد لا يغفر له الدَّين، كما في صحيح مسلم- كتاب الامارة (حديث: ‏3589)، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «يغفر للشهيد كل ذنب الا الدَّين».

كما قال النووي رحمه الله تعالى: «هذه الفضيلة العظيمة للمجاهد وهي تكفير خطاياه كلها الا حقوق الآدميين» (شرح مسلم 13 / 29)، وقال أيضاً: «قوله صلى الله عليه وسلم (إلا الدَّين) ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين وإنما يكفر حقوق الله تعالى» [شرح مسلم (13 / 29)].

فالواجب علينا لاسيما ونحن في زمن كثر فيه العقوق ان نحث الشباب على البر واجتناب العقوق لا ان نقول لهم لو ذهبتم فقد عصيتم، ولعل يُغفر لكم عقوقكم بفضل جهادكم، فلا يخفى على كل من تدبر هذا الجواب ان فيه تغريراً بالشباب من حيث شعرنا أو لم نشعر.

قال ابن عبد البر رحمه الله في كتابه «الاستذكار» (14 / 96): «لا خلاف علمته ان الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان أو أحدهما، لأن الخلاف لهما في أداء الفرائض عقوق وهو من الكبائر» انتهى كلامه.

ثم أقول: هذا الشاب الذي يخرج الى الجهاد بغير اذن والديه ما الذي يضمن لك بأن الله سيغفر لك بجهادك وأن الله تعالى سيقبل جهادك؟ فالعبد لا يعلم ما يقبل الله من أعماله لا الجهاد ولا الصلاة ولا الصيام ولا غير ذلك، فالعقوق بغير اذن الوالدين مفسدة محققة وقبول الله تعالى للجهاد مصلحة مرجوة فلا يقدم ما كان مظنوناً على ما هو محقق، فتنبه لذلك.

وأنصح القارئ الكريم وكل طالب علم بالرجوع الى كتاب (الجهاد أنواعه وأحكامه والحد الفاصل بينه وبين الفوضى) لأخينا الشيخ الدكتور حمد بن ابراهيم العثمان، فقد عقد باباً جميلاً نافعاً بعنوان (شبهة للتحايل على اسقاط اذن الوالدين) (135 – 141) ورد على هذه الشبهة من تسعة أوجه جزاه الله خيراً.

واليك أخي القارئ الكريم هذه الفتوى لفضيلة الشيخ صالح بن فوزان آل فوزان:

السؤال: اذا كان لوالدي إخوة غيري وهم ليسوا بحاجتي ولو احتاجوا شيئاً فإخوتي سيقومون به بدلاً مني وليس لهم مبرر في عدم ذهابي الى الجهاد الا خوفاً من ان أقتل في سبيل الله فما الحكم في ذلك؟

الجواب: الحكم أنك تطيعه ولو كان له مئة ولد ولو كانوا يقيمون بما يحتاج اليه مادام أنه قال لك لا تروح، تجب عليك طاعته والبر به اذا كنت تريد الأجر أما اذا كنت تريد أنك تركب رأيك أنت فهذا راجع لك أنت لكن تريد الأجر والثواب أطع والدك ولا تخرج منه وهو غضبان أو أنه ما أذن لك لأن حقه مقدم بعد حق الله سبحانه وتعالى لكن بعض الناس يحتقر والده يقول: والدي ماله رأي، ولا عنده فكر ولا يعرف شيء، يحتقرون والديهم والعياذ بالله ولا يرجعون لهم ويعتبرون أنفسهم أنهم أحسن رأيا من آبائهم هذا لايجوز» انتهى نقلاً من كتاب [تذكير العباد بفتاوى أهل العلم في الجهاد (57 – 58)].

رسالة خاصة 

لما سمعت المقطع الذي تكلم فيه أخونا فلان- حفطه الله تعالى- ارسلت له رسالة خاصة على هاتفه ولا اعلم وصلت أم لا، وما جاءني منه رد وانشرها في هذا المقال لعلها تصله ويستفيد منها هو وغيره، ونصُّ الرسالة:

من سالم بن سعد الطويل 

الى أخي…..فضيلة المحترم 

السلام عليك ورحمة الله وبركاته 

أما بعد فلقد استمعت الى كلامك حول حكم من يذهب الى سورية من غير اذن والديه ومن غير اذن ولي الأمر فوجدته مطابقاً تماماً لكلام بعض الناس وكأنكم قد اتفقتم على ذلك اتفاقاً مسبقاً!! فيا ليتك تعيد النظر بقولك لو ان أحداً ذهب الى الجهاد من غير اذن والديه ومن غير اذن ولي الأمر لكان قد ارتكب معصية ولا يفسد ذلك جهاده، ولعل الله يغفر له معصيته بفضل جهاده.

أقول: هذا التقرير لاشك أنه باطل لأن معناه اذهبوا يا شباب الى الجهاد ولو عصيتم، فان الشهيد يغفر له مع أول قطرة من دمه اذن لا يضركم لو ذهبتم من غير استئذان! ولو تأملت كلام العلماء فلن تجد مثل هذا التقرير ومثل قولك كمثل قول من يقول: اعص الله وتب اليه، فان التوبة تهدم وتَجبُّ ما كان قبلها، ولاشك هذا لا يجوز، فقد لا يتمكن الانسان من التوبة كما قد يتوب ولا تقبل توبته.

وكذا الأمر بالنسبة لمعصية عقوق الوالدين وما يترتب عليها من احراج لهما فقد يُختطف هذا الشاب وتتم المساومة عليه وقد يحصل لوالديه فتنة في الدين، وقد يبغضان الدين وأهله وكذلك قد يحصل احراج للدولة فيما لو خرج الشباب من غير استئذان ولي الأمر.ثم اعلم بأننا بحاجة الى شبابنا الصالح اكثر من حاجة سورية اليهم، وقد يحدث عندنا في بلادنا من الفتن ما نحتاج فيها الى شبابنا، ثم يا ليتك احلت السائل الى كلام الشيخ صالح بن فوزان آل فوزان- حفظه الله تعالى- فقد كفاك وتحمل ما أنت في غنى عن توريط نفسك فيه، ويا ليتك تفعل كذلك في المسائل المصيرية والنوازل العظيمة، فلا تستعجل وتتكلم في كل مسألة وتتصدّر لها ثم تندم على ما يترتب على جوابك وقد تقع في احراج كبير، وقد يقتنع بعض الشباب بكلامك ويذهب بلا اذن ثم يأتيك اولياء أمورهم ويلومونك على تغريرك اياهم وربما شتموك وسبوك كما نسمع بعض الناس وما يقولونه في فلان وفلان ممن يغرر بالشباب بين الحين والآخر.

اللهم ان كنت مصيبا وناصحا أمينا لأخي فلان فبلغ نصيحتي قلبه وانفعه بها وان كنت على غير ذلك فاغفر لي جهلي واسرافي في أمري.والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.

www.saltaweel.com

—————

نقلاً عن صحيفة الوطن الكويتية

-- سالم بن سعد الطويل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*