السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأزمة السورية.. جذور العنف وأفق التسوية

الأزمة السورية.. جذور العنف وأفق التسوية

لكل ظاهرة جذور ومسببات بدونها لا يمكن فهم الظاهرة إلا بشكل جزئي و مبهم. فالظواهر لا تنشأ من العدم ولا تبرز فجأة إنما تمر بمراحل قبل أن تنضج وتنفجر. والوضع السوري كما يراقبه الجميع ظاهرة لها مسببات وجذور دفعت لهذا العنف المفجع: قتل مجاني على الهوية، 

اغتصاب النساء الآمنات للتسلية، والإرهاب من أجل الإرهاب. ليس ذلك فحسب بل وشاهدنا مجازر وجرائم لم تعهدها البشرية من حيث قسوتها ووحشيتها تطال أطفالاً في سن الرضاعة فما دون. 

لفهم طبيعة الدمار وحجمه في قطر كسوريا يجب أن نفهم طبيعة النظام فيه، فهو نظام عسكري جمع بين الفاشية الشمولية والتطرف الطائفي ومعروف أن الأنظمة العسكرية عبر تاريخ البشرية لم تخلف إلا الحروب والدمار. فمن أول أبجديات التدريب العسكري، أي تدريب عسكري، خلق الاستعداد لدى المتدرب على تقبل القتل تحت مسوغات مختلفة، لأن الإنسان السوي يحجم أو يأنف بطبيعته من إزهاق روح بشرية بلا سبب جوهري كالدفاع عن النفس. والعسكري الذي يمارس القتل بشكل متكرر تدريجي يفقد احترامه لإنسانية النفس البشرية فلا يلبث القتل كواجب وطني أن يتحول لاستعداد للقتل المجاني. 

ويشاطر العسكريون في هذه الذهنية الميلشيات شبه العسكرية التي لا تسيطر عليها الدول بل تسيطر عليها قيادات و أفكار عقدية دوغمائية، و تتكون عادة كدول داخل دول، وتتبنى إيديولوجيات ذات طابع عرقي، أو ديني، أو مذهبي كفيلة بتأجيج الغيرة والحماسة لدى المنتسبين لها لتولد لديهم الاستعداد للتضحية واستخدام العنف. 

لهذه الأسباب حرصت دول كثيرة على إلزام القيادات العسكرية بالطاعة العمياء للقوى السياسية والقضائية. وتلجأ الدول بشكل غير معلن إلى خلق توازن بين القوى العسكرية المختلفة لضمان بقائها على الحياد، لكنه وفي دول العالم الثالث، على وجه الخصوص في إبان الحرب الباردة، أصبح العسكر أدوات مفضلة لمخابرات القوى الخارجية، واتُخذت الانقلابات العسكرية وسيلة سريعة لتغيير السلطة في بلدان كثيرة. وفضلت الدول الخارجية ضباطا ينتمون لأقليات عرقية أو دينية للوصول للسلطة لأنها تكون أكثر عزلة، و قبولا وولاء للسيطرة الخارجية، لأنها بطبيعتها تجمع بين الاستعداد العسكري والانغلاق المليشياوي، أي أن استعدادها للقتل والعنف يكون مضاعفا. والحكومة السورية الحالية جمعت جميع هذه الصفات فهي حكومة عسكرية دموية، تسيطر عليها أقلية مذهبية، وهي نظمت بشكل مليشياوي، وتعتمد دائما على دعم خارجي. 

ويعتمد العسكر عندما يكونون في السلطة الإرهاب والتخويف وسيلة للحفاظ على السلطة ويمارسونها بشكل مستمر، فهم يقتلون بشكل مباشر في الصراعات، و بشكل غير مباشر في السجون والمعتقلات، فالمهم هو استدامة دائرة الخوف والترهيب. وتلجأ الحكومات العسكرية للاتهامات بالانقلاب أو التأمر بين الفينة والأخرى للتخلص من الخصوم وإعادة التوازنات. 

والعسكر كذلك لا يهتمون بالجوانب الحضارية والثقافية وعلى استعداد دائم لتدمير كل شيء سواء كان ذلك تاريخاً، أو حضارة، أو منجزات في سبيل الاحتفاظ بالسلطة، وهذا مارسه الأسد الأب عندما دمر مدينة حماة التاريخية في عام 1982م و يمارسه الأسد الابن اليوم بتدمير مواقع سوريا التاريخية والأثرية. 

الاستعمار الفرنسي لسوريا هو الذي خلق التوازنات العسكرية التي نشهدها اليوم في سوريا، حيث منح الأقليات العلوية والدرزية والشركسية امتيازات خاصة في سوريا لتضمن وقوفها في وجه القوى السنية المطالبة برحيله. ورغم سيطرة السنة على بعض مفاصل الحكم في سوريا بعد الاستقلال إلا أن العسكر العلويين ظلوا دائما أكثر تدريبا، وأكثر استعدادا للقتل، وأقل ولاءً لسوريا والعرب. 

وهم من انقلب على الوحدة مع مصر عام 1963م ربما بمساعدة خارجية من إسرائيل و دول غربية. و شكلوا الجناح اليساري في حزب البعث الاشتراكي الذي رفع شعار تأميم الثروات في سوريا، و هدف في ذلك إلى تأميم الثروات التي كانت بيد تجار من الأغلبية السنية، أي كوسيلة لتجريد الأغلبية من السنية من مقدراتها. وتاريخ سوريا الحديث هو سلسة من الانقلابات والإعدامات، وأعمال العنف، يقتل فيها عسكريون حتى زملاءهم أو أقارب لهم دونما تردد أو شفقة. وغالبا ما كان ذلك يتم تحت شعارات ومبررات علنية واهية كالحفاظ على الاستقلال القومي، أو المقاومة لقوى خارجية، شعارات تسوق لجماهير لا حول لها ولا قوة. 

ولد الأسد في قرية صغيرة فقيرة تدعى قرداحة وتعلم في مدرسة فرنسية، ثم تدرب على الطيران الحربي وانخرط في حزب البعث الاشتراكي المنافس للحزب القومي الاجتماعي. ووصل فرع البعث الذي ينتمي له للسلطة بدعم من ضباط علويين وشركس ودروز في عام 1966م عبر ما كان يسمى باللجنة العسكرية بقيادة صلاح جديد الذي رقى حافظ الأسد من رائد للواء دفعة واحدة، وعينه قائدا للقوات الجوية، ثم وزيراً للدفاع، إلا أنه خذل صلاح جديد ولم يدخل الطيران في معارك 67م، ويقال إنه سلم الجولان لإسرائيل مقابل وعود بتسليمه السلطة في سوريا فيما بعد، وكشرط لاحتفاظ العلويين بمراكزهم في الجيش. 

وتوسعت الخلافات بينهما عندما عزم صلاح جديد فتح تحقيق في تخاذل القوات المسلحة، وانتهى الصراع بانقلاب الأسد على ربيب نعمته وتسلمه للسلطة في عام 1970، ومنذ ذلك الوقت تولت أسرة الأسد فعليا زمام الحكم في سوريا، ويقال إن هناك صفقة سرية مع إسرائيل تشمل هدنة مع الجيش السوري وعدم تدخل من إسرائيل في مقابل اتفاق هدنة في جبهة الجولان. 

استهل الأسد حكمه بإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية، واعتمد على مليشيات الساحل العلوية (الشبيحة) لإعادة تأميم التجارة السورية وجعلها في يد الطبقة العلوية، وكان أخوه رفعت الأسد يسيطر على مفاصل الاقتصاد التجاري و يحتكر الاستيراد. وقد قاد رفعت الأسد مذبحة السنة في حماة عام 1982 التي ذهب ضحيتها 38 ألف سوري سني. وتحالف الأسد مع إيران ضد العراق لخشيته من المد القومي العراقي، ثم ولي الحكم بعده ابنه بشار في عام 1999 بشكل غير دستوري، حيث أتت به الجماعات العلوية المسيطرة واستمر حكم سوريا بالحديد والنار، وأسلوب الترغيب والترهيب لإخضاع الأكثرية السنية والأقليات الأخرى. 

فالعلويون كانوا مستعدين لاستخدام العنف المفرط حتى ولو أدى ذلك لتدمير سوريا كاملة وإبادة سكانها بأكملهم من غير العلويين، وهذا سبب ما نشاهده اليوم من عنف وجرائم وحشية، فالنظام عسكري فئوي دموي بنى تاريخه على القتل والتسلط. وكان الوضع في سوريا مرشحاً في أي لحظة للانفجار، وتم ذلك بظهور الربيع العربي. 

أما إسرائيل، ومعها أمريكا، فهي تضع مصالحها الذاتية وهدوء جبهة الجولان فوق كل اعتبار، ولذلك هي لن تدخل في دعم أي تغيير في سوريا يأتي بتمثيل حقيقي للشعب السوري قد يعيد المطالبة بالجولان. وروسيا ذات التوجه القومي الجديد تريد إثبات وجودها كدولة عظمى وتبحث عن حكومة بمواصفات الحكومة السورية ووجدت ضالتها في الأسد، حكومة أقلية معزولة تستطيع التحكم بها بالكامل وتضمن ولاءها للسيطرة على سوريا كموطئ قدم في الشرق الأوسط. وصادف ذلك اندفاع الحكومة الإيرانية نحو التوسع، ونشوء ميلشيات طائفية في لبنان خارج سيطرة الدولة. لذا سيستمر الصراع في سوريا حتى يتم الاتفاق حول حكومة سورية انتقالية تشكل بموافقة هذه الأطراف الخارجية التي هي المفاوض الرئيس في القضية وليس الشعب السوري، ولابد أن تقبل أي حكومة مرتقبة بتحقيق مصالح جميع هذه الأطراف الخارجية: الاستمرار في التزامات حكومة الأسد لإسرائيل بالنسبة للطرف الأمريكي، وتوافق على تقاسم السلطة مع العلويين ببقاء النفوذ العسكري بيديهم وهذا مهم للروس والإيرانيين. أو أن يستمر العنف المتبادل حتى تنهك الأطراف ويدمر ما بقي من سوريا ويتم تفكيكها لدويلات أو تبقى دولة موحدة تحكمها شخصية صورية مثل المالكي في العراق. 

latifmohammed@hotmail.com 

Twitter @drmalabdullatif-

*أستاذ في جامعة الملك سعود 

—————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- *د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*