الإثنين , 5 ديسمبر 2016

عشر سنوات بعد ذلك

قبل عشرة أعوام (= 16 مايو/ أيار 2003) شهد المغرب يوما دمويا حزينا، إذ كان موضوعا لأفعال إرهابية شنيعة ذهبت بأرواح عشرات من الأبرياء من المواطنين ومن السياح الأجانب، وحدث ذلك في مواقع رمزية من مدينة الدار البيضاء، مواقع تطفح بالرموز وتفيض بالدلالة على الأمن والتسامح. 

كان للفعل الإرهابي آثاره القوية على النفوس والعقول وحمل، في حينه، على طرح جملة من الأسئلة واستدعى القيام بالعديد من المراجعات للمرامي البعيدة للاقتران بين الغلو أو التطرف الديني من جهة أولى، وبين الإرهاب من جهة ثانية. 

وكان الإرهاب الذي كان المغرب مسرحا له فرصة سانحة لإعادة التفكير في معنى الاقتران بين العنف الإرهابي وبين التوسل بالدين، في المجتمع المسلم، من أجل الإقدام على الإجرام وتبريره، وبالتالي الحمل على مراجعة نمط وكيفية إدارة «الشأن الديني» في ذلك المجتمع المسلم – كما ذهب إلى ذلك بعض علماء الاجتماع السياسي.

ونود اليوم، استحضارا لذكرى جرح غائر لا تزال بعض آثاره حاضرة، أن نستحضر دلالة الفعل الإرهابي وأن نحاول إعادة قراءة ما وقع في ضوء الأحداث التي عرفها العالم العربي في السنوات اللاحقة وعلى وجه الخصوص تلك التي واكبت أو أعقبت حركات الانتفاض العربي أو هذه التي تنعت بحركة «الربيع العربي».. ثم إننا نهتبل المناسبة فنوجه الحديث صوب المستقبل فيما كان متصلا بما ينعته علماء الاجتماع السياسي بـ«الحقل الديني» من جانب، وما كان، من جانب ثان، يرجع إلى الحياة العامة.

ثلاثة أمور نرى أن ذكرى 16 مايو تستوجب استحضارها، فهي تحملنا على استخلاص العظة وهي تستوجب منا مراجعة الكثير من الرؤى والاعتقادات التي كشف العيان عن فسادها وأبان سير التاريخ الحي عن هرمها وذبولها.

الأمر الأول هو الوهم الذي كان مستقرا في بعض النفوس وكان يقضي بأن فعلا إرهابيا من جنس ما عرفته مدينة الدار البيضاء لا يجد مبررات لوقوعه في المغرب تحديدا، فكأن حاملي هذا الوهم يستعيدون المثل الفرنسي السائر «إن أمرا مماثلا لا يحدث إلا للغير». صحيح أن معطيات موضوعية عديدة تجعل المغرب، من حيث التحليل الكلي (= المايكرو) في منجاة عن ذلك، ونحن من جهتنا لا نزال من المؤمنين بأن التطرف يجد التربة الصالحة حيث تجتمع شروط نجد أنها، بحمد الله، لا تتوفر في البلد الطيب، بيد أن عوامل ضعيفة، فضلا عن مكر المدبرين في استغلال كل نقط الضعف الممكنة وكذا السيطرة على النفوس الضعيفة.. معطيات تجعل كل شيء ممكنا.

الأمر الثاني هو أن حادثة 16 مايو أبانت، بقوة، عن الالتقاء الممكن بين التطور التكنولوجي الكبير الذي عرفه العالم في مجال التواصل والإعلاميات وبين عولمة الإرهاب.. ذلك أن تدبير العملية الإرهابية والخطوات العملية في تنفيذها قد تما انطلاقا من ناد/ مقهى للإنترنت في حي شعبي فقير في الدار البيضاء. 

وبمعنى آخر يصح القول إن الدور الذي لعبته الإنترنت في التخطيط وفي التواصل وفي التجييش في كل من تونس ومصر في مستهل عام 2011 كان قد عرف سابقة وحقق نجاحا، ثماني سنوات قبل ذلك.

أما الأمر الثالث فهو فساد الوهم الذي كان قد تمكن من النفوس بدوره زمنا غير يسير وكان يقضي بانصراف الشباب عن الفعل الذي يتصل بالعمل السياسي – نبيلا كان أو شريرا – والقول إن الشباب العربي منصرف إلى قضايا واهتمامات تتصل بالاستهلاك وتنتسب إلى الفردانية المطلقة. 

وتكذيب هذا الاعتقاد الكاذب كان قد أتى في الواقع في حادثة 11 – 9 -2001، إذ كان وقود العملية الإرهابية التي ضربت الولايات المتحدة الأميركية هم الشباب (مع الانتباه إلى معطى مميز هو أن أولئك الشباب كانوا، في مكونات منهم، من ساكني الأحياء الهامشية في بلاد المهجر الأوروبي – وذاك موضوع آخر على كلٍّ). والشباب كانوا وقود حادثة 16 مايو، مثلما أنهم كانوا – ثماني سنوات بعد ذلك – هم صناع الثورة في كل من تونس ومصر ثم في بعض البلاد العربية الأخرى بعد ذلك.

نعم، طرحت حركات الانتفاض العربي، في كل البلاد التي شهدت الخروج والانتفاض، قضية الصلة بين الدين والدولة في العالم العربي، أو لنقل، في عبارة أخرى، إنها قد نقلت إلى الميدان مسألة السياسة والتدين (في عبارة علماء الاجتماع، إذ يقيمون فصلا تاما بين الدين وبين كيفية التدين وعلاقات الدين بإدارة الشأن العام) بل ولا تزال تطرح السؤال. 

والحق أن كل الجدل الدائر حول الدولة المدنية في العالم العربي وكل الخلاف الذي لا يزال محتدما في مصر وفي تونس وفي غيرهما إنما مداره والخفي فيه هو هذه القضية التي تستوجب التوضيح والحسم لا الإرجاء والإخفاء، وفي عبارة علماء الاجتماع، وإن كنا لا ننتمي إليهم بالضرورة، نقول إن «المجال الديني» أو «الشأن الديني» في حاجة إلى توضيح. 

بين أن المشكل هو أن التوضيح لا يكون ممكنا إلا بحصول الوضوح في فكر المتحدث وفي رؤيته. الإسلام، في العالم العربي، حقيقة راهنة: الإسلام الاعتقادي بالنسبة لسواد ساكني هذه المنطقة من العالم، والإسلام الحضاري (= الإسلام باعتباره انتماء حضاريا عاشت عليه مجموعات ومكونات غير قليلة في مناطق من العالم العربي – تظل مصر صورتها الزاهية المشرقة) بالنسبة لمئات الآلاف من المواطنين العرب.

قضية الدولة المدنية في العالم العربي، أو من جهة النظر التي نصدر عنها، الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية قضية محورية – حيوية معا. والرأي عندنا أيضا أن أكبر أنواع الإساءة إلى هذه القضية يتجلى في مسلكين كلاهما محفوفان بالخطر؛ أولهما استصغار شأن الحضور الديني، ومن ثم الإسلام في الوجود والوجدان العربيين. لا تزال أنماط الوعي كلها، في الوجود والوجدان العربيين، تمر عبر قناة الدين (الوعي الاجتماعي، الوعي السياسي، الوعي الثقافي). 

وثانيهما الاعتقاد أن في الإمكان إقصاء الديني وتقليصه في دائرة «الروحاني» المحض، ثم التوهم بأن في الإمكان تطويق الغلو أو التطرف الديني بغلالة روحانية تسلط سيفا قاطعا في وجه الغلو وتقدر على إفساد سعيه ومحاربته. والنتيجة عندنا أن السلاح الناجع، بل ربما الوحيد أحيانا، يظل إشاعة المعرفة الصحيحة بالإسلام مما لا يطيقه إلا العلماء وقد تم إعدادهم الإعداد الجيد والكافي – وقد نسبنا إلى العلماء مهام ومعاني جديدة.

لعلنا لا نجد في خاتمة هذا الحديث وفي وجهة نقصد بها المستقبل إلا أن نعيد طرح سؤال سبق لنا، في هذا المنبر، طرحه أكثر من مرة: من المستفيد الفعلي من «تجميد» القرويين في المغرب؟ وما المانع من استعادة المؤسسة العتيدة لمهامها العميقة على النحو الذي تستوجبه أحوال الحاضر وسؤاله؟

——————-

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- سعيد بنسعيد العلوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*