الجمعة , 2 ديسمبر 2016

اخْتَرْ ألا تختار

أقام الله الدنيا على قانون مغايرٍ لقانون الآخرة، فالآخرة نعيمها ذاتيٌّ، لايختلف باختلاف الزمان والمكان، ولا يتوقَّف على وجود مؤثِّرٍ خارجي، فلذَّةُ الماء البارد لا تتوقَّف على وجود العطش، فالنعيم الذي يجده أهلُ الجنَّة نعيمٌ حقيقي، والوصول إلى اللذة والأنس والنعيم هو السعادة التي يتطلُّع إليها كلُّ بني آدم، والتي يعرِّفها علماء الأصول بأنها وصول النفس إلى لذَّتها، بتحصيل ما يلائمُها طبعاً، فلا مللَ في الآخرة، أما الدنيا فالسعادة فيها اعتبارية، فنعيمها متوقِّفٌ على مؤثِّرٍ خارجي، من وجود جوعٍ أو عطش أو ألمٍ أو غير ذلك، فحقيقة لذتها فَقْد نعمةٍ من النِّعم، فلذَّةُ أطايب الطعام سببها اشتداد الجوع، ولذَّةُ الأمن يعرفه من رأى الخوف وعاش ويلاتَه، ولذَّةُ الراحة تحلو بعد اشتداد التعب، وهكذ الشأن في كلِّ لذَّة، وقد قال البحتري: فَلَولا البَعدُ ما حُـمـِدَ التَداني *** وَلَولا البَينُ ما طابَ التَلاقي، ومثله: فَلَو فَهِمَ النَاسُ التَلاقِي وَحُسنَهُ *** لَحُبِّبَ مِن أَجلِ التَلاقي التَفَرُّقُ، فالشأن في الدنيا أنها مطبوعةٌ على التضادِّ في جميع أحوالها والتبدُّل في سائر أوضاعها، وهذا هو سبب جمالِها، وسرُّ ظهور الحُسْنِ والقُبْحِ فيها، فالأمر كما قيل: فالضدُّ يُظهر حُسْنَه الضدُّ، ولو استمرَّتْ متع الدنيا كالرِّيِّ والشبعِ وغيرها، لما

من أعظم ما يتقرَّب به العبد إلى الله إظهار الفقر إليه، وكان من دعاء الصالحين: ( اللهم إني أتوسُّل إليك بفقري إليك) فالدعاءُ لا يكون دعاءً إلا إذا اشتمل على عدَّة أمور، منها أنْ يصدق الداعي في دعوته فيدعو بحضور قلب، فإن مَن يدعو وهو غيرُ حاضر القلب لَـمْ يدْعُ

وَجد الإنسانُ لذَّةً للشرب ولا طعما للأكل، ولما طابَتْ وَثارةٌ في الفُرُش، بل لَـمَلَّ المرءُ وضَجِر، وهكذا جعل اللهُ الإنسانَ في الدنيا متقلِّباً بين ابتلاءاتٍ من الخوف والجوع وغيرها، فقانون الدنيا كما قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) ولهذا المعنى تفسير طويل الذيل، غير أن ما يهمنا في هذا المقال هو أن من حكمة الله تعالى في الكون أنْ أَحْوَج الإنسانَ إليه بهذه التقلُّبات، من أجلِ أنْ يلجأ إليه لجوء المحتاج المضطر، ليشهَد قَهْرَ الله في المنْع، كما شهِدَ برَّه في العطاء، فابنُ آدم في احتياجٍ دائم، فيجدُ في نفسه داعيةً تضطرُّه للجوء إلى أحدٍ يتوجَّه إليه، ليستجيب دعوته فيقضي حاجته، ويرفع عنه شدَّته ويزيل عنه ما أهمَّه، فهذا الطلب لرفع الاحتياج تسمِّيه العربُ دعاءً، والأصل فيه أنْ يكون طلبَ مستغيثٍ مضطر، أي على سبيل الاضطرار، والداعي حين يريد بيانَ اضطرارِه فإنه يَشفعُ دعاءَه بالتَّذلُّلِ والخضوعٍ والإخبات، فينكسرُ أمام المدعوِّ مُظهِراً للفاقة والاحتياج، لا أن يَظهر بمظهر الاستغناء، وإلى هذا المعنى أشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله: (إذا دعا أحدُكم فلْيَعْزِم المسألة، ولا يقولنَّ اللهم إن شئت فأعطني) فإنَّه إنْ قال “إن شئت” فكأنه يشير إلى أنه مستغنٍ غير مضطرٍ ولا محتاج، وفي هذا نوع استكبار، ذلك أن المحتاج المضطر يعْزم في مسألته ويلازم الإلحاح الشديد، ومن رحمة الله بعباده أنه لم يتركهم للضياع، بل ساقهم إليه سوقاً بسوط الاحتياج والاضطرار، كما يسوق الأبُ الحاني ولدَه إليه ليحميه عن الوقوع فيما يضرُّه.

ومن مزيد فضله سبحانه أنْ ضمن لمن دعاه الإجابة فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) والكريم إذا أعطى يُعطي العطية في أبلغ معانيها، لا أنْ يهب صورةَ ما طُلب منه، فوعْدُ الله أوسعُ من أن ينحصر في صورة واحدة، فَمِن جهل الداعي أن يكون قلبُه منجذبا إلى واقعه غافلاً من شدَّة حاجته، كغفلة الطفل حين يطلب من أبيه شيئاً، ويكون أعمى عما يحتفُّ بهذا الطلب، فلا يرى إلا صورةَ مَطْلبه، ولذلك تراه يستشكل ويقول: وما ليَ أدعو فلا يُستجابُ لي، وماليَ أُلحُّ في الدعاء ولا أرى دلائل الإجابة، وحلُّ هذا الإشكال أنْ نعلم أنَّ الدعاء في حقيقته عبوديَّةٌ كما يقول العارفون، بل هو مخُّ العبادة كما قال عليه الصلاة والسلام، وحقيقة العبادة إظهار الفقر والفاقة بين يدي الله تعالى، فمن أعظم ما يتقرَّب به العبد إلى الله إظهار الفقر إليه، وكان من دعاء الصالحين: ( اللهم إني أتوسُّل إليك بفقري إليك) فالدعاءُ لا يكون دعاءً إلا إذا اشتمل على عدَّة أمور، منها أنْ يصدق الداعي في دعوته فيدعو بحضور قلب، فإن مَن يدعو وهو غيرُ حاضر القلب لَـمْ يدْعُ، لأنه لا يخاطب مَن يزعم أنه يدعوه، وتتمَّة المقال في الأسبوع القادم إن شاء الله .

—————-

نقلاً عن صحيفة اليوم 

-- د.قيس المبارك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*