الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحكومة التونسية بين الغضب الأمريكي والتشدد السلفي

الحكومة التونسية بين الغضب الأمريكي والتشدد السلفي

مرة أخرى تتعرض العلاقات التونسية الأمريكية إلى هزة قوية. ويعود السبب في ذلك إلى البيان غير المعهود الذي صدر عن السفارة الأمريكية، احتجاجا على الأحكام غير المتوقعة التي شملت عشرين من السلفيين المتهمين بالضلوع في عملية الهجوم على مقر السفارة يوم 14 سبتمبر الماضي.

لقد قضت المحكمة الابتدائية التونسية بالسجن سنتين لهؤلاء مع إسعافهم بتأجيل التنفيذ، أي عملياً إطلاق سراحهم. وبالرغم من أن هذا الحكم قابل للاستئناف، إلا أن الأمريكيين اعتبروا أن هذه الأحكام « لا تتطابق إطلاقاً مع خطورة أعمال العنف التي وقعت «. 

وأضاف بيانهم « الحكومة التونسية مسؤولة بموجب القانون الدولي عن حماية البعثات الدبلوماسية وموظفيها في تونس «. كما دعت السفارة الحكومة التونسية « أن تثبت من خلال خطوات عملية أنه لا يمكن إطلاقاً التسامح مع الذين يشجعون على استعمال العنف ويستخدمونه لتحقيق أهدافهم «، وختمت بيانها بالقول، إن الحكم الصادر « فشل في بعث رسائل قوية للجماعات المتشددة «.

المؤكد أن هذا الموقف ليس موقف السفير وإنما عكس غضب الإدارة الأمريكية التي أصبحت غير مرتاحة لما يجري في دول الربيع العربي، خصوصاً في تونس وليبيا التي قتل فيها سفيرها السابق بطريقة فظيعة. 

لقد صُعِقت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلنتون عندما أعلموها باقتحام السفارة الأمريكية في تونس من قبل عناصر مجهولة وُصِفت بكونها « سلفية « تنتمي إلى التيار الجهادي. لم يحصل مثل هذا في تاريخ العلاقات بين البلدين.

لقد كان الأمريكيون يعتقدون أن تونس لن تكون ساحة مفتوحة لأنصار تنظيم القاعدة، وكانوا يفترضون أن وصول حركة النهضة ذات التوجُّه الإسلامي المعتدل سيقطع الطريق أمام « الأقلية الراديكالية «. 

بل كانت واشنطن ولا تزال تعتبر أن تكرار المثال التركي في تونس لا يزال سيناريو محتملاً. وعلى هذا الأساس عملت على ربط صلات بكوادر حركة النهضة منذ سنوات طويلة تعود إلى حقبة حكم بورقيبة، واستمرت في ذلك رغم علاقاتها الجيدة مع الرئيس السابق زين العابدين بن علي، الذي ارتكزت سياسته على إقصاء الإسلاميين وإخراجهم من المعادلات السياسية. 

كما أعلنت واشنطن منذ الساعات الأولى لفوز حركة النهضة بـفضل نتائج انتخابات 23 أكتوبر، عن تأييدها للشرعية الانتخابية، ورحبت كثيراً بصيغة التحالف الثلاثي، ورأت فيه نموذجاً واعداً بإمكانية التعايش بين الإسلاميين والعلمانيين.

رغم ذلك، حدث الهجوم على السفارة الذي شكل الصدمة الأولى، وكاد أن يؤدي إلى إيقاف المساعدات الأمريكية عن تونس بطلب من زعيم المعارضة ماك كين، وهو ما تصدّت له هيلاري كلنتون يومها بقوة قبل أن تغادر وزارة الخارجية. وبالرغم من أن تلك الحادثة، التي اعتُبرت في تونس بمثابة الزلزال، قد شككت الإدارة الأمريكية في قدرة حركة النهضة على إدارة الحكم، إلا أن ذلك لم يمنع فريق أوباما من أن يمارس ضغوطاً على الحكومة التونسية، من خلال إرسال نائبة وزيرة الخارجية إلى تونس التي تقدمت بقائمة تضمنت حوالي 700 اسم، مع صور وأشرطة توثق أحداث ذلك اليوم. كما توالت وفود مخابراتية متنوِّعة التقت بجهات تونسية متعددة. غير أن ذلك لم يقنع فيما يبدو هيئة المحكمة التي أصدرت حكمها المخفف، وهو ما أثار غضب واشنطن.

كانت الحكومة التونسية محقة عندما تجنبت التعامل مع رد الفعل الأمريكي الغاضب برد فعل معاكس ومتشنج. فوزير العدل أبدى تفهمه لبيان السفارة، ولم ير فيه تدخلاً في شؤون القضاء التونسي، وأشار في مؤتمره الصحفي إلى أن الحكومة أبدت بدورها رفضها لهذا الحكم من خلال الطعن الذي تقدمت به النيابة العمومية من أجل مراجعة حيثيات القضية. فالمصلحة العليا للبلاد تتطلب التعامل بكثير من الحكمة مع هذه الأزمة، والعمل على احتوائها بمختلف الطرق الدبلوماسية. خاصة أن الحكومة التونسية الحالية في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى، للدعم الأمريكي السياسي والمالي والأمني، ذلك نظراً للتحديات المعقدة التي تواجهها حالياً على أكثر من صعيد.

على صعيد آخر، هذه التطورات من شأنها أن تزيد في تأزيم العلاقة بين حركة النهضة من جهة، وبين تيار السلفية الجهادية من جهة أخرى، الذي رحب بحكم المحكمة التي برَّأت عناصره من الاعتداء على السفارة الأمريكية. وبالتالي فإن أي مراجعة لهذا الحكم من شأنه أن يدفع بهذا التيار إلى تعزيز اتهامه أن منع مؤتمر « أنصار الشريعة « ومواجهته أمنياً جاء بتعليمات أمريكية وغربية مُملاة على الحكومة وعلى حركة النهضة، خاصة بعد أن طالب وزير الداخلية الفرنسي الحكومة التونسية بمواجهة جدية لما وصفه بـ « الإسلام المتشدد «.

المؤكد أن العلاقة بين النهضة والسلفيين الجهاديين مُرشحة لمزيد من التوتر، إذ بالرغم من تبرئة ساحة زعيم هذا التيار المُلَقب بـ»أبو عياض» والمختفِي منذ أشهر من أحداث السفارة، إلا أن وزارة الداخلية أكّدت من جهتها أن أنصار الشريعة لهم علاقة بأحداث جبال الشعانبي المستمرة منذ أكثر من شهر. وهو ما جعل رئيس الحكومة علي العريض يصف هذه الجماعة بكونها إرهابية. هذا يعني أن المواجهة الشاملة بين الطرفين قد تتأجل، لكنها تبدو كأنها حتمية.

————–

نقلاً عن الشرق 

-- صلاح الدين الجورشي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*