الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إيران.. الحنين إلى زمن الشاه

إيران.. الحنين إلى زمن الشاه

إيران اليوم قد تشهد كارثة اجتماعية في ظل انتشار الفقر والمخدرات وسوء التعليم والصحة، وكل ذلك نتيجة الفساد السياسي والمالي الذي صنعته الثورة

ونحن على مقربة من سباق الانتخابات الإيرانية، يدرك كثير من الإيرانيين صعوبة فرصتهم في حياة طبيعية بعد 34 عاماً من الحكم الثيوقراطي الذي جسده نظام الملالي، والذي فشلت معه حتى الآن جميع محاولات الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

من يعود إلى تاريخ بلاد فارس الحديث يجد أن الحكم انتقل عام 1925 إلى الجنرال رضا بهلوي بعد خلعه آخر ملوك الأسرة القاجارية، وبقي في سدة الحكم عقدين تقريباً إلى أن أجبره الحلفاء على التنحي بعد تعاطف أبداه مع هتلر أثناء الحرب العالمية الثانية، فخلفه ابنه محمد رضا الذي كان آخر ممثل للنظام الإمبراطوري الفارسي الذي استمر 2500 عام، حيث انتهى هذا النظام بعد الثورة البيضاء التي قام بها رجال الدين بقيادة الخميني، الذي ظل منفياً 15 عاماً ما بين العراق وفرنسا، ثم عاد ملكاً متوجاً.

ومن يعود إلى تلك الحقبة سيلحظ التقدم الذي كانت عليه إيران في تلك الفترة من خلال أمرين واضحين هما: التغريب والتقدم، اللذان كانا يمثلان قطب الرحى في عهد الشاه الذي كان ممسكاً بقوة بأمن الخليج حتى أصبح لقبه “شرطي الخليج”.

بعد الثورة الخمينية التي حظيت بدعم غالبية الشعب الإيراني التواق إلى حريته السياسية المهدرة في عهد الشاه؛ لم يكن الشعب مصدقاً للقرارات والفتاوى التي أصدرها النظام الجديد، والتي غيرت نمط حياة الناس بشكل جذري عبر التغيير الراديكالي الذي اعتمدته، مما جعل بعض الإيرانيين يعلنون حنينهم إلى زمن الشاه المتسلط الذي لن يعود؛ والسبب ليس في الشاه ونظامه ولكن لأن إيران كسبت مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية نظير النقلة التي اعتمدها بنظام علماني يتيح هامشاً من الحريات الشخصية وبعضاً من الحريات السياسية عبر الأحزاب وصناديق الانتخابات.

لقد راهن الشاه محمد رضا بهلوي على علاقته المميزة مع الدول الغربية، وفي مقدمتها أميركا وبريطانيا، وأنها سوف تدعم موقفه كما في السابق، إلا أنه كان مخطئاً فقد اتخذ قرار التغيير وانتهى الأمر، ولم يجد بلداً يؤويه بعد عودة الخميني إلى إيران.

وعلى أي حال من يعود إلى تلك الحقبة التاريخية المهمة يدرك أن الشاه بعد قبضة حديدية حاول إصلاح الأمور ووعد الشعب بذلك، إلا أن الشعب الإيراني وصل إلى طريق مسدودة، وكان متأثراً بالدعوة الثورية الخمينية المدعومة غربياً، إذ إن الكثير من أفراد الشعب كانوا يعتقدون أن آبار نفطهم التي يمتلكها الشاه سوف يعيدها لهم “الإمام” ليكون حكم الشعب لنفسه في نهاية الأمر.

إلا أن الرياح كانت تجري بما لا تشتهي سفينة الشعب المغلوب على أمره، وانقلب الميزان رأساً على عقب ليصبح اللصوص والمجرمون من قادة الدولة بمجرد انضمامهم إليها، فبمجرد أن يحظى أحدهم بثقة الملالي تطلق يده، وهذا أثّر على الأطراف الوطنية الأخرى من مثقفين وسياسيين وفنانين وأساتذة جامعات.. فكل الذين انحازوا إلى خيار الشعب لكنهم لم يعتنقوا الأيديولوجيا الجديدة كان نصيبهم حبل المشنقة!

باختصار: كان الشعب مخدوعاً بهذه الأيديولوجيا الدينية، وكان مخدوعاً أكثر برجالات الدين الذين نكثوا بأقوالهم وعهودهم فأصبحوا طبقة جديدة تنهب المقدرات وتهدرها، حتى إن أحد الكتّاب العراقيين المهاجرين أشار إلى أن أسرى العراقيين في الحرب العراقية-الإيرانية قد سُخِّروا للمشاركة في بناء قصور الملالي وحدائقها الغنّاء.

وبالنسبة للذين عاشوا أواخر عهد الشاه وشهدوا ولادة الثورة، صار الأمر بالنسبة لهم أرحم بكثير مما هو عليه أمر الثورة الخمينية اليوم، إذ إنهم على الأقل سبق أن شهدوا تحقق حرياتهم الفردية بشكل طبيعي، وشهدوا نمواً حضارياً مهماً وشهدوا تعليماً حديثا جيداً، إلا أن الأمر تغير بمجرد سيطرة الفئات الاجتماعية الريفية المؤمنة بلا جدال بمبادئ الثورة وأقوال قادتها، وأدركوا تماماً أن ما كانت عليه إيران من تقدم تلاشى في ظل ما أصبحت عليه من تخلف بعد ثلاثة عقود ونصف من وصول الخميني وتغييره نظام الحياة في إيران رأساً على عقب.

لم تكن الثورة الخمينية مبنية على أسس حقيقية، بدليل أنها بعد أقل من عقدين تقريباً شهدت محاولات إصلاح من قبل زعماء فيها (ومنهم رفسنجاني وخاتمي وكروبي وغيرهم) لا لإعادة الشعب إلى عهد ما قبل الثورة بطبيعة الحال؛ وإنما لإعادة الشعب إلى شيء من الاعتدال ونيل هامش قليل من الحريات التي فقدها، ولا سيما أن إيران اليوم قد تشهد كارثة اجتماعية في ظل انتشار الفقر والمخدرات وسوء التعليم والصحة، وكل ذلك هو نتيجة للفساد السياسي والمالي والإداري والاجتماعي الذي صنعته الثورة باعتبارها ثورة مقدسة لا يجوز انتقادها، وهو ما يعتبر مساساً بها وبالتالي خيانة عظمى تستوجب المشنقة!

—————

نقلاً عن الوطن أونلاين

-- سعود البلوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*